أثار تخصيص 150 فدانًا بمدينة السادس من أكتوبر لإنشاء امتداد جديد لقصر العيني مخاوف واسعة من أن تكون الخطوة بداية لإعادة ترتيب أصول المستشفى التاريخي تمهيدًا لاستغلال موقعه مرتفع القيمة مستقبلًا.
ويضاعف القلق أن الدولة سبقت أن أخلت مباني حكومية تاريخية ثم نقلتها إلى مسارات استثمارية مختلفة، وهو ما يجعل النفي الحالي وحده غير كافٍ لحسم مصير الأصل ما لم تصاحبه ضمانات قانونية واضحة وملزمة.
سوابق الأصول تفتح باب الشك
ويأتي الجدل بعدما نفت الحكومة في الأول من أكتوبر 2026 ما تردد عن بيع المبنى القديم ومستشفياته، مؤكدة أن الأرض الجديدة مخصصة للتوسع وأن الموقع التاريخي سيستمر في أداء دوره الطبي.
لكن الوقائع السابقة في إدارة الأصول الحكومية تجعل المخاوف أبعد من مجرد شائعة عابرة، بعدما انتقلت مبانٍ كانت تؤدي وظائف عامة إلى مشروعات فندقية وتجارية واستثمارية عقب إخلائها أو نقل جهاتها الأصلية.
ففي مجمع التحرير، أُخلي المبنى من الجهات الحكومية ثم أُسند تطويره إلى تحالف استثماري ليصبح متعدد الاستخدامات بين الفندقي والتجاري والإداري والثقافي، باستثمارات معلنة تجاوزت ثلاثة مليارات جنيه.
كما انتقل مقر وزارة الداخلية القديم في لاظوغلي إلى مسار استثماري جديد، وتضمنت خطط تطويره فندقًا وشققًا فندقية ومساحات تجارية وإدارية وترفيهية، بعد انتقال الوظيفة الحكومية من الموقع.
ولهذا، لا يبدو الربط بين إنشاء بديل جديد وبين احتمالات إعادة توظيف الأصل القديم بلا أساس تاريخي، حتى وإن لم توجد حتى الآن وثيقة معلنة تثبت وجود قرار ببيع قصر العيني.
ويضع الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد هذه المخاوف داخل إطار أوسع، إذ حذر خلال يوليو 2026 من الاعتماد المتكرر على بيع الأصول لتوفير السيولة، معتبرًا أن استمرار النهج يهدد الملاءة المالية للدولة.
ويعني ذلك أن السؤال لا يتعلق بمبنى واحد فقط، بل بمسار اقتصادي أصبحت فيه الأصول العقارية والأراضي موردًا حاضرًا كلما تصاعدت الاحتياجات التمويلية أو ظهرت خطط جديدة لتعظيم العوائد.
النفي وحده لا يغلق الملف
ويترك البيان الرسمي مساحة كبيرة للأسئلة، لأنه ينفي البيع في اللحظة الحالية لكنه لا يقدم، وفق النص المنشور، حظرًا قانونيًا مستقبلًا يمنع تغيير الاستخدام أو نقل الملكية أو إدخال المستثمرين لاحقًا.
كما أن وصف المشروع الجديد بأنه «قصر عيني جديد» على مساحة 150 فدانًا يفتح سؤالًا منطقيًا حول التوزيع المستقبلي للخدمات بين الموقعين وحجم الاستثمارات التي ستتجه إلى كل منهما.
ولذلك، تصبح الضمانة الأهم ليست البيان الإعلامي، وإنما وجود قرارات منشورة تحدد ملكية الأرض الحالية واستخداماتها المستقبلية وتحظر تحويلها إلى نشاط لا يرتبط بالخدمة الطبية والتعليمية والبحثية.
وتشير الدكتورة نعمة الشيشيني، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بجامعة الأزهر، إلى أن التعامل مع أصول الدولة يجب ألا يُقاس بثمن البيع وحده، بل بالقيمة المستقبلية والعائد والأهمية الاستراتيجية للأصل.
ويكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في حالة قصر العيني، لأن قيمته لا تختصر في الأرض أو الموقع المطل على النيل، وإنما في دوره العلاجي والتعليمي والبحثي وفي شبكة مستشفيات تخدم أعدادًا ضخمة.
ومن ثم، فإن مجرد استمرار العمل اليوم لا يقدم إجابة كاملة عن سيناريو السنوات المقبلة، خصوصًا مع اتجاه معلن لاستغلال أصول حكومية في قلب القاهرة عبر شراكات استثمارية وحقوق انتفاع طويلة الأجل.
وقد أعلنت الحكومة خلال 2026 بالفعل خططًا لاستغلال مباني وزارات وسط القاهرة بعد انتقالها، عبر الصندوق السيادي وشراكات مع القطاع الخاص، مع التأكيد على بقاء الملكية للدولة في بعض النماذج.
وبهذا المعنى، فإن كلمة «بيع» ليست وحدها موضع القلق، لأن التصرف في الأصل قد يأخذ صورًا أخرى مثل حق الانتفاع أو الشراكة أو إعادة الاستخدام التجاري دون انتقال الملكية بالكامل.
قيمة المستشفى تتجاوز سعر الأرض
ويصعب التعامل مع قصر العيني كقطعة عقارية منفصلة عن وظيفته، لأنه يمثل مؤسسة طبية وتعليمية ممتدة تاريخيًا، ويستقبل نحو مليوني مريض سنويًا وفق البيانات الصادرة عن جامعة القاهرة.
كما أن نقل جزء متزايد من الخدمات تدريجيًا إلى أكتوبر قد يخلق، بمرور الوقت، واقعًا جديدًا يقل فيه الاعتماد على الموقع التاريخي حتى يصبح إعادة استخدام بعض مساحاته خيارًا مطروحًا اقتصاديًا.
ولهذا، يطالب المتخوفون من السيناريو بتحديد ما سيُبنى تحديدًا في الأرض الجديدة، وما الخدمات التي ستنتقل إليها، وما الذي سيظل بالموقع القديم، وحجم الاستثمارات المخصصة للحفاظ على مستشفياته الحالية.
ويضيف الدكتور عاطف ياسين الشريف، الخبير القانوني ورئيس البورصة المصرية الأسبق، بعدًا قانونيًا للمسألة، إذ حذر من استخدام الأصول العامة في ترتيبات مالية قد تمس المال العام والثقة في طريقة إدارتها.
ويعزز هذا الطرح الحاجة إلى قواعد تتجاوز التصريحات، بحيث يصبح الحفاظ على الأصل الطبي ووظيفته العامة محميًا بقرارات واضحة يمكن مراقبتها ومحاسبة أي جهة تحاول تجاوزها مستقبلًا.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن الدولة نقلت نحو عشرين أصلًا عقاريًا، بينها مقار وزارات ومبانٍ حكومية بارزة، إلى الصندوق السيادي ضمن سياسة إعادة استغلال الأصول وتعظيم عوائدها.
ويجعل هذا المسار التساؤل حول قصر العيني مشروعًا، لا باعتبار البيع قد وقع أو تقرر، وإنما لأن السوابق تثبت أن تغيير وظيفة الأصل الحكومي بعد إنشاء البديل أصبح نموذجًا مستخدمًا بالفعل.
وفوق ذلك، تبدو حساسية الموقع الحالي شديدة الارتفاع بسبب قيمته العقارية وموقعه المركزي، وهو ما يجعل أي غموض بشأن مستقبله كافيًا لإثارة مخاوف من انتقاله لاحقًا إلى دائرة الاستثمار العقاري.
وبالتالي، فإن إغلاق الجدل يتطلب أكثر من نفي مؤقت، ويحتاج إلى إعلان تفصيلي لخطة العشرين عامًا المقبلة للموقعين، وتحديد ما إذا كانت أراضي قصر العيني الحالية محصنة من البيع أو المشاركة الاستثمارية.
وفي النهاية، لا توجد حتى الآن وثيقة منشورة تثبت قرار بيع قصر العيني، كما أن الحكومة تنفي ذلك صراحة، لكن السوابق المتعلقة بالأصول العامة تفسر لماذا لا يبدد البيان وحده المخاوف.
ويبقى السؤال الحقيقي متعلقًا بما سيحدث بعد اكتمال المنشآت الجديدة في أكتوبر، لأن حماية قصر العيني لا تقاس ببقاء اسمه، وإنما ببقاء أرضه ومستشفياته ووظيفته العامة بعيدًا عن حسابات الاستثمار العقاري.

