تتراكم مديونية الشركة القابضة لكهرباء مصر لصالح قطاع البترول حتى بلغت نحو 495 مليار جنيه بنهاية يوليو 2026، رغم زيادات متلاحقة في التعريفة، لتفتح الأرقام سؤالاً مباشراً عن أثر هذه الزيادات على العجز.

 

وتضع خطة اقتراض 100 مليار جنيه بضمانة وزارة المالية الأزمة في مستوى أشد حساسية، لأن القرض لا يلغي الالتزامات القائمة، بل ينقل جزءاً منها إلى تمويل مصرفي جديد تتحمل تكلفته المالية جهة عامة أخرى.

 

 

الديون تلتهم أثر الزيادات

 

وفي هذا السياق، ارتفعت المديونية من نحو 480 مليار جنيه بنهاية يونيو إلى 495 ملياراً بنهاية يوليو، أي بزيادة تقارب 15 مليار جنيه خلال شهر واحد، وفق الأرقام الواردة في السؤال البرلماني.

 

كما تسحب محطات الكهرباء وقوداً من الغاز والمازوت بقيمة تقارب 24 مليار جنيه شهرياً، بينما لا يتجاوز متوسط ما تسدده لقطاع البترول نحو 12 ملياراً، بما يترك فجوة شهرية واسعة تتراكم باستمرار.

 

وفي المقابل، شهدت التعريفة خمس محطات زيادة رئيسية منذ يوليو 2021، مروراً بيناير وأغسطس 2024، ثم أبريل 2026، وصولاً إلى تعريفة أغسطس 2026 التي رفعت معظم الشرائح المنزلية بمتوسط معلن بلغ 12%.

 

وعلى الرغم من ذلك، لم تمنع الزيادات استمرار صعود الالتزامات بين القطاعين، وهو ما دفع النائبة مروة بوريص إلى طلب بيانات تفصيلية عن التحصيل والمتأخرات والفاقد والمصروفات وأعباء الديون والفوائد.

 

وفيما تبرر الجهات الرسمية جانباً من الزيادات بارتفاع تكلفة الوقود وتغير سعر الصرف والحاجة إلى الاستدامة المالية، تبقى الفجوة بين ما يدفعه المستهلك وما يصل فعلياً إلى سداد الوقود جوهر الأزمة المطروحة.

 

ومن جانبها، قالت شيرين الشواربي، عميدة كلية السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة مايو، إن المشكلة تتجاوز مراجعة الأسعار إلى الاعتماد المتكرر على زيادة الخدمات دون برنامج موازٍ لتوسيع الإنتاج وزيادة الدخول الحقيقية.

 

وبالتالي، تصبح المسألة أكبر من فاتورة منزلية مرتفعة، لأن رفع التعريفة إذا لم يصاحبه تحسن في التحصيل وكفاءة التشغيل وخفض الفاقد وتسوية المتأخرات، يظل عاجزاً عن وقف تراكم الالتزامات المالية.

 

كذلك أعادت زيادات أغسطس 2026 توزيع العبء داخل الشرائح المنزلية، إذ ثبتت الشريحة الأولى فقط، بينما ارتفعت بقية الشرائح بمتوسط 12%، مع نسب متفاوتة بين مستويات الاستهلاك المختلفة.

 

وفوق ذلك، كانت زيادة أبريل 2026 قد استهدفت الشرائح الأعلى استهلاكاً والاستخدامات التجارية، وربطتها الوزارة حينها بارتفاع تكاليف الطاقة، ما يعني أن سياسة التسعير تحركت مرتين خلال أربعة أشهر فقط.

 

 

 

قرض جديد فوق فاتورة قديمة

 

وفي هذه الأثناء، تسعى الشركة القابضة إلى قرض مشترك بنحو 100 مليار جنيه من بنوك محلية لسداد جزء من مستحقات البترول، على أن يكون التمويل بضمانة من وزارة المالية وفق المعلومات المنشورة.

 

 

 

لكن القرض المقترح، حتى إذا خفض جزءاً من رصيد المديونية فوراً، سيخلق التزاماً مصرفياً جديداً بأصل دين وفوائد، بينما تظل الفجوة الشهرية بين قيمة الوقود والمدفوعات قائمة ما لم تتغير أسبابها.

 

وفي هذا الإطار، يرى حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق ومسؤول تنفيذي سابق بجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أن الأزمة شبكة التزامات متبادلة بين جهات حكومية وليست مديونية في اتجاه واحد.

 

كما يربط سلماوي استمرار الأزمة بتأخر تسوية الدعم والمستحقات الحكومية، مؤكداً أن الحل يحتاج إلى فك التشابكات المالية، وانتظام السداد، وتحسين التحصيل، بدلاً من ترك كل جهة مدينة ودائنة في الوقت نفسه.

 

وفي الوقت نفسه، لا تعفي هذه التشابكات إدارة القطاع من سؤال الكفاءة، لأن استمرار الفجوة بعد زيادات متعددة يفرض إعلاناً واضحاً لتكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، وحصيلة الفواتير، والمتأخرات، والفاقد الفني والتجاري.

 

وعلى جانب آخر، قالت النائبة مروة بوريص إن اقتراض الكهرباء بضمانة المالية لسداد البترول يمثل، في تقديرها، تدويراً للمديونية وإضافة فوائد جديدة، وطالبت بخطة معلنة توقف تراكم الالتزامات بدلاً من ترحيلها.

 

وبحسب الأرقام نفسها، فإن استهلاك وقود بقيمة 24 مليار جنيه شهرياً مقابل سداد 12 ملياراً يعني أن أي قرض استثنائي يمكن أن يُستهلك سريعاً إذا بقي العجز التشغيلي والمالي بالمعدلات الحالية.

 

ومن ثم، فإن المائة مليار جنيه المقترحة تساوي تقريباً ثمانية أشهر من الفجوة الشهرية البالغة نحو 12 ملياراً، وهو تقدير حسابي يوضح لماذا لا يكفي التمويل وحده من دون إصلاح التدفقات النقدية.

 

وبالمقابل، تؤكد الحكومة أن ارتفاع تكلفة الوقود وتراجع قيمة الجنيه رفعا تكلفة إنتاج الكهرباء، وأن دعم التعريفة ما زال قائماً في بعض الشرائح، وهو ما تستخدمه لتفسير استمرار الفجوة المالية.

 

 

الضمانات تنقل العبء للخزانة

 

وفي مستوى أوسع، بلغ صافي رصيد الضمانات الحكومية نحو 5.294 تريليون جنيه بنهاية سبتمبر 2025، فيما استحوذ قطاع الطاقة، بما يشمل البترول والكهرباء، على نحو 65% من إجمالي هذه الضمانات.

 

كما تعني هذه النسبة أن قطاع الطاقة ارتبط بضمانات تقارب 3.441 تريليون جنيه، وهو حجم يجعل أي توسع جديد في الاقتراض المضمون مسألة تتجاوز حسابات شركتين إلى مخاطر محتملة على المالية العامة.

 

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن المشكلة الأساسية تكمن في تكرار استخدام رفع أسعار الخدمات العامة لمعالجة نقص الموارد وارتفاع التكلفة، بدلاً من معالجة أسباب ارتفاع التكلفة نفسها.

 

وعلاوة على ذلك، حذر فؤاد من أن الأثر الاجتماعي على الأسر قد يكون أكبر مما تظهره مؤشرات التضخم، لأن الكهرباء تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في تكلفة السلع والخدمات والإنتاج والنقل.

 

ومن جهة أخرى، أوضح هاني جنينة، المسؤول عن البحوث في مؤسسة مالية محلية، أن تراجع إنتاج الغاز وارتفاع فاتورة الاستيراد والشحن يضغطان على تكلفة الكهرباء، مع ارتباط سياسات الطاقة أيضاً بالتزامات الإصلاح المالي.

 

وفي المقابل، لا تلغي تلك العوامل الخارجية الحاجة إلى نشر الحسابات التفصيلية، لأن معرفة سعر الوقود الفعلي، وكلفة الكيلووات، ونسب التحصيل، وحجم السرقات والفاقد، شرط أساسي لتحديد مصدر العجز بدقة.

 

كذلك فإن نقل جزء من المديونية إلى البنوك بضمانة المالية قد يحسن سيولة قطاع البترول مؤقتاً، لكنه لا يجيب وحده عن سبب استمرار الكهرباء في توليد التزامات جديدة كل شهر.

 

وأمام ذلك، يصبح الإفصاح المالي أكثر إلحاحاً مع اتساع الضمانات الحكومية، لأن أي التزام مضمون لا يبقى شأناً محاسبياً داخلياً إذا تعثر المقترض، بل قد يتحول إلى عبء مباشر على الخزانة.

 

وفي المحصلة، تظهر الأرقام أزمة تمويل وتشابكات لا تحلها زيادة التعريفة وحدها ولا قرض منفرد، بينما يبقى المطلوب بيانات كاملة عن التكلفة والتحصيل والفاقد والديون وخطة زمنية تمنع إعادة إنتاج العجز شهرياً.

 

ولهذا، فإن النقاش الجاد لا يتوقف عند سؤال رفع الأسعار أو تثبيتها، بل يمتد إلى إدارة الوقود، وكفاءة الشركات، وتسوية المستحقات الحكومية، وضبط الضمانات، ومحاسبة كل حل مالي بقدر ما يخفض الدين فعلياً.