تعكس واقعة منع عبدالفتاح البرهان من دخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تحولًا لافتًا في أدوات الضغط الأمريكية، بعد سنوات من التعاطي المباشر مع القيادات العسكرية بوصفها طرفًا أساسيًا في أي تسوية محتملة.
وتضع التحركات المتزامنة لعبدالله حمدوك ووفد تحالف «صمود» في نيويورك وواشنطن مسارًا مدنيًا موازيًا على طاولة الاتصالات الدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط لوقف القتال وفتح الممرات الإنسانية وصياغة ترتيبات سياسية أوسع.
واشنطن ترفع كلفة رفض الهدنة
وفي هذا السياق، جاءت خطوة حجب التأشيرة عن البرهان باعتبارها إجراءً سياسيًا يتجاوز البعد البروتوكولي، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن استخدام واشنطن أدوات أكثر مباشرة للضغط على الأطراف الرافضة لترتيبات وقف القتال.
وبحسب ما طُرح خلال التحركات الدبلوماسية الأخيرة، ارتبط ملف التأشيرة بمقترح هدنة لمدة تسعين يومًا دفعت به واشنطن ضمن جهودها لخفض التصعيد، بينما رفض البرهان الضغوط المرتبطة بوقف القتال وفق الشروط المطروحة.
ومن ناحية أخرى، لا تعني الخطوة أن واشنطن حسمت موقفها من كامل بنية السلطة السودانية، لكنها تشير إلى استعداد أكبر لاستخدام أدوات السفر والعقوبات والضغط الدبلوماسي في محاولة لتغيير حسابات الأطراف المتحاربة.
وفي المقابل، تتمسك قيادة الجيش بخطاب يعتبر الضغوط الخارجية مساسًا بالسيادة، وهو ما ظهر في الردود الرافضة لربط التحركات الدولية للقيادات العسكرية بما تطرحه واشنطن من شروط سياسية.
وعلى مستوى الوساطة، تضغط الولايات المتحدة من أجل هدنة إنسانية تسمح بوصول المساعدات دون عوائق، بالتوازي مع حديث عن توسيع أدوات العقوبات وتشديد القيود على تدفقات السلاح والتمويل المرتبطة باستمرار الحرب.
وفوق ذلك، يكتسب قرار التأشيرة دلالة إضافية لأنه جاء خلال اجتماعات الجمعية العامة، حيث تحولت نيويورك إلى ساحة مكثفة لاجتماعات الوسطاء والقوى السودانية والجهات الدولية المعنية بمحاولات إنهاء الصراع.
وبذلك، تنتقل الرسالة الأمريكية من مجرد مطالبة طرفي القتال بوقف النار إلى استخدام كلفة سياسية مباشرة، يمكن أن تطال القدرة على الوصول إلى المحافل الدولية أو توسيع قنوات التعامل الدبلوماسي.
ومع ذلك، يبقى أثر هذه السياسة مرتبطًا بقدرتها على إنتاج تغيير ميداني، لأن منع السفر وحده لا يوقف المعارك ولا يضمن وصول المساعدات، ما لم يترافق مع آلية مراقبة وضغط منسقة.
حمدوك يوسّع الحضور المدني دوليًا
وفي مسار موازٍ، تحرك عبدالله حمدوك على رأس وفد من تحالف «صمود» لإجراء لقاءات في نيويورك وواشنطن، في محاولة لطرح رؤية مدنية بشأن وقف الحرب وربط المسار الإنساني بتسوية سياسية شاملة.
وبالفعل، التقى حمدوك نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد في نيويورك، وتركز النقاش على وقف الحرب وتسريع وصول المساعدات وتوحيد المبادرات الدولية والإقليمية التي ظلت تتحرك عبر مسارات متفرقة.
كما طالب التحالف بتحرك من مجلس الأمن لدعم هدنة إنسانية شاملة وحماية المدنيين وتوسيع حظر السلاح، مع الدفع نحو عملية سياسية مدنية يقول التحالف إنها يجب أن تكون سودانية القيادة وواسعة التمثيل.
وفي السياق نفسه، عقد وفد «صمود» لقاءات مع مسؤولين ودبلوماسيين دوليين، في إطار حملة سياسية تسعى إلى تثبيت حضور القوى المدنية داخل مناقشات ما بعد وقف القتال.
وبالمقابل، لا تمنح هذه اللقاءات حمدوك أو تحالفه تفويضًا حصريًا لتمثيل المدنيين السودانيين، إذ ما تزال الساحة المدنية منقسمة بين تحالفات وقوى مهنية ومجتمعية وإقليمية تختلف في مواقفها من أطراف الحرب والتسوية.
ولهذا، تصبح دلالة الانفتاح الدولي على «صمود» مرتبطة بتوسيع دائرة الاستماع لا باستبدال مركز عسكري بمركز مدني ضيق، لأن أي عملية سياسية قابلة للاستمرار تحتاج مشاركة تتجاوز تحالفًا واحدًا أو مجموعة محدودة.
ومن ثم، يحمل حضور القوى المدنية في نيويورك أهمية تتصل بشكل التسوية المقبلة، فوقف الحرب بين الجيش والدعم السريع لا يجيب وحده عن أسئلة الحكم والعدالة وإعادة الإعمار وترتيبات الانتقال السياسي.
وفي الوقت نفسه، يطرح هذا المسار اختبارًا أمام المدنيين أنفسهم، يتعلق بقدرتهم على تقديم برنامج مشترك يتجاوز الانقسامات ويحدد أولويات الهدنة وحماية السكان والوصول الإنساني والعدالة وبناء مؤسسات ما بعد الحرب.
اختبار التحول خارج قاعات نيويورك
وعلى الأرض، تظل القيمة الحقيقية لأي تحول أمريكي أو دولي مرتبطة بما إذا كان سيقود إلى هدنة قابلة للمراقبة، وليس بمجرد اختلاف قوائم المدعوين أو مستوى اللقاءات المنعقدة خلال اجتماعات الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار، يمكن قياس جدية الضغوط من خلال قدرة الوسطاء على إلزام الأطراف بوقف الأعمال القتالية وفتح طرق الإغاثة وضمان حماية العاملين الإنسانيين ومنع استخدام الغذاء والدواء ضمن أدوات الصراع.
كذلك، سيظهر وزن المقاربة الجديدة إذا تحولت القيود السياسية إلى إجراءات تستهدف شبكات السلاح والتمويل بصورة دقيقة، من دون توسيع الأثر على المدنيين أو زيادة الأعباء الاقتصادية والإنسانية التي يتحملها السودانيون.
وبالتوازي، يبقى توحيد المبادرات الدولية مسألة حاسمة، لأن تعدد المنابر خلال السنوات الماضية أتاح للأطراف هامشًا للمناورة، بينما تحتاج أي هدنة طويلة نسبيًا إلى جهة متابعة واضحة وضمانات محددة وآلية لمعالجة الخروقات.
ومن زاوية أخرى، يعيد اتساع التواصل مع المدنيين طرح سؤال التمثيل داخل أي تسوية، خصوصًا أن الحرب دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، وغيّرت موازين القوى الاجتماعية والجغرافية بصورة عميقة.
ولهذا، فإن إشراك النساء والشباب والنقابات والقوى المهنية وممثلي الأقاليم والنازحين واللاجئين يظل عنصرًا أساسيًا إذا أرادت الوساطات منع إعادة إنتاج اتفاق مغلق بين مراكز القوة المسلحة والنخب السياسية التقليدية.
وفي النهاية، تحمل أزمة تأشيرة البرهان وتحركات حمدوك دلالات على إعادة ترتيب أبواب النفاذ إلى العواصم والمنابر الدولية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحول كامل في طريقة إدارة الملف السوداني.
وبالتالي، سيظل الحكم على حجم التغيير مرتبطًا بالنتائج: وقف فعلي للقتال، وصول مستدام للمساعدات، مسار سياسي مدني واسع، وضمانات تمنع عودة الحرب، وهي معايير تتجاوز بكثير صور الاجتماعات ورسائل الضغط الدبلوماسي.

