يرى عبد الرحيم شلبي أن السعودية بنت سياستها الأمنية لسنوات على افتراض هادئ مفاده أن واشنطن ستتدخل عندما تصبح الأمور حاسمة. واختبرت أحداث سبتمبر 2019 هذا الافتراض بصورة مباشرة، عندما أدت هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين، التي أعلنت جماعة أنصار الله في اليمن مسؤوليتها عنها بينما حمّلت إيران المسؤولية، إلى تعطيل نحو نصف إنتاج السعودية خلال ليلة واحدة، في واحدة من أخطر الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في دول الخليج خلال عقود.
وبحسب تحليله الذي نشرته أمواج ميديا، لم ترد الولايات المتحدة عسكريًا على الهجوم، وهو ما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره اللحظة التي انهار فيها الافتراض السعودي بشأن الحماية الأمريكية. وبعد ذلك، لم تتجه الرياض إلى الهلع، بل بدأت تدريجيًا في تنويع خياراتها، فأبرمت تقاربًا مع إيران بوساطة صينية عام 2023، ونوّعت موردي الأسلحة، وعززت التنسيق مع روسيا عبر تحالف «أوبك+»، ثم انتقلت إلى بناء بديل رسمي عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي يربط المملكة بباكستان وتركيا. ولا تمثل التطورات الأخيرة التي شهدها الساحل الغربي لليمن، وما تبعها من تحركات دبلوماسية، قصة جديدة بقدر ما تشكل محطة أخرى في مسار بدأ قبل سبع سنوات.
أزمة مألوفة تعيد اختبار خيارات السعودية
تقدم الأزمة التي تواجهها السعودية جنوبًا تأكيدًا جديدًا لديناميكيات قديمة. فقد سيطرت قوات الحوثيين على المخا وذباب ومواقع رئيسية أخرى على امتداد مضيق باب المندب، كما أطلقت طائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه مدن سعودية، من بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران. واستهدفت الهجمات كذلك منشآت اقتصادية حيوية، مثل منشآت الوقود في مطار الرياض الدولي، وخط أنابيب النفط شرق-غرب الذي يستطيع نقل ما يصل إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، إلى جانب ممرات لوجستية مرتبطة بطريق النقل المؤدي إلى ينبع على البحر الأحمر.
وأفادت تقارير بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 سبتمبر، طالب خلالهما بشن ضربات أمريكية مباشرة على الحوثيين. ورفض ترامب، وفقًا للتقارير، الطلبين، كما أعلن ذلك صراحة خلال زيارته إلى دبلن، قائلًا إن الحوثيين تواصلوا مع الولايات المتحدة ولا يريدون الدخول في مواجهة معها، وإن النزاع يخص السعودية بصورة أساسية.
ورجّح ترامب بشكل منفصل أن تكون إيران مسؤولة عن الهجوم على خط أنابيب شرق-غرب، الذي تستخدمه السعودية لتجاوز مضيق هرمز الاستراتيجي. وفي المقابل، تعهد الحوثيون بالسماح بمرور الملاحة الدولية عبر باب المندب مع قصر الاستهداف على السفن السعودية. وأكد ترامب بدوره أن معظم السفن ما زالت تعبر، وهو ما يشكل، بصرف النظر عن مدى قصده، تأكيدًا خارجيًا على استمرار هذه السياسة.
ويختلف عام 2026 عن عام 2019 في امتلاك الرياض الآن بدائل معلنة عن الاعتماد على الولايات المتحدة، فيما تختبر الأزمة الحالية عدة بدائل في الوقت نفسه. ويأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك في صميم هذه اللحظة، لكنه لم ينتج حتى الآن سوى مشاورات لا قدرات عسكرية فعلية؛ إذ نقلت باكستان رسائل تحذيرية إلى طهران، فيما انخرطت تركيا في المسار الدبلوماسي، دون أن يظهر انتشار عسكري أو أصول مشتركة يمكن أن تحل محل القوة الأمريكية التي كانت تمثل عنصر الردع الأساسي.
وفي ظل هذه الفجوة، دخلت مصر على الخط، وجعلت زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى القاهرة السؤال أكثر واقعية وأقل ارتباطًا بالافتراضات النظرية. وتوجه محمد بن سلمان في زيارة غير مجدولة ليوم واحد إلى القاهرة في 15 سبتمبر، حيث استقبله رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، وتركزت المحادثات على أمن البحر الأحمر وباب المندب. وشكّل غياب الإعداد المسبق للزيارة في حد ذاته إشارة إلى طبيعة اللحظة، إذ تجري مثل هذه الزيارات عندما تبرز قضية لا تحتمل الانتظار حتى دورة التخطيط المعتادة.
وأكد السيسي بوضوح أن أمن السعودية ودول الخليج يمثل «جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، بما يعكس استعداد القاهرة للتعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره مصلحة أمنية مباشرة، وليس مجرد ملف إقليمي بعيد.
خمسة مسارات أمام الرياض
لا يزال شكل الدور المصري غير معلن، لكن اتجاهه لم يعد غامضًا بالكامل. وأشار اللواء المصري المتقاعد سمير فرج، وهو محلل يرتبط بدوائر رسمية، في حديث تلفزيوني إلى أن السيسي وولي العهد السعودي توصلا إلى اتفاقات واضحة لم يجر الإعلان عنها انتظارًا للتنسيق مع أطراف إقليمية أخرى. كما وصف فرج وضع السعودية بأنه يشهد ضغطًا تكتيكيًا حقيقيًا، وقال إن الرياض لجأت إلى القاهرة وهي تدرك بالكامل أن مصر ستتحرك لدعمها.
وربط فرج التطورات الحالية باقتراح السيسي عام 2015 إنشاء قوة عسكرية عربية موحدة، معتبرًا أن اللحظة الراهنة أعادت إحياء الفكرة، في ظل إعطاء القوى الخارجية الأولوية للابتعاد عن المواجهة. ووفق هذا التصور، تصبح الحاجة إلى التنسيق العسكري العربي أكثر إلحاحًا. وقد يمثل انضمام مصر رسميًا إلى إطار اتفاق مكة أحد المسارات المحتملة، بما يضيف القوة العسكرية الإقليمية صاحبة القدرة الحقيقية على الوصول إلى البحر الأحمر، فيما يتمثل مسار آخر في إقامة ترتيبات ثنائية أضيق نطاقًا تتبادل بموجبها مصر قدراتها العسكرية مقابل دعم اقتصادي سعودي. ولا يزال أي من هذه المسارات غير مؤكد، كما يمكن أن تتحرك الرياض عبر أكثر من مسار في الوقت ذاته.
وبرز مسار رابع لم يعد مجرد احتمال نظري. ففي الأيام التي سبقت زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة، نظمت القيادة المركزية الأمريكية اجتماعًا سريًا في ألمانيا، جمع رؤساء أركان القوات المسلحة في البحرين ومصر وإسرائيل والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات، في أول اجتماع من هذا النوع منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير.
وأفادت وسائل إعلام أمريكية بأن الاجتماع أفضى إلى مناقشات نشطة بين إسرائيل والسعودية، بمساعدة القيادة المركزية الأمريكية، بشأن تقديم إسرائيل دعمًا استخباراتيًا ومراقبة واستطلاعًا للعمليات السعودية ضد الحوثيين، على غرار المساعدة التي تقدمها إسرائيل للإمارات.
ويبدو أن قناة التواصل هذه موجودة وتُستخدم بالفعل، لكن التكلفة السياسية التي قد تتحملها المملكة تظل أقل وضوحًا. فالتعاون الأمني بشروط مشابهة للمسار الإماراتي قد يُقرأ داخليًا وإقليميًا باعتباره اتباعًا سعوديًا للنهج الإماراتي بدلًا من رسم الرياض لمسارها الخاص. ويشكل ذلك معضلة حقيقية لولي العهد الذي وضع السعودية في موقع القوة الخليجية الأبرز، وليس الدولة التي تتحرك في المرتبة الثانية.
أما المسار الخامس، والأبعد احتمالًا، فيتمثل في التوصل إلى ترتيب سعودي إماراتي مباشر بشأن اليمن. فقد تحركت أبوظبي والرياض منذ سنوات في اتجاهات مختلفة داخل الملف اليمني، إذ أشار فريق خبراء تابع للأمم المتحدة ومسؤولون يمنيون إلى تعزيز الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي على حساب الحكومة المدعومة سعوديًا، فضلًا عن اتهامات باستهداف قادة حزب الإصلاح الذين اعتمدت عليهم الرياض، إلى جانب ترسيخ الإمارات وجودها في مناطق مثل سقطرى.
ونظرت السعودية إلى هذه التحركات باعتبارها تقويضًا لنفوذها، وهو ما يجعل التوصل إلى صفقة جديدة بين الطرفين أمرًا غير مرجح، في ظل عمق انعدام الثقة. ومع ذلك، جلس الطرفان في الغرفة نفسها خلال اجتماع القيادة المركزية الأمريكية، وهو ما يبقي احتمال التفاهم قائمًا، خاصة أن أي اصطفاف سعودي إماراتي سيكلف الرياض أقل من حيث المكانة السياسية.
الرياض تتحرك عبر عدة مسارات
يرجح أن الرياض لا تختار بين هذه المسارات بقدر ما تدير عدة مسارات بالتوازي؛ فتسلك مسارًا يعتمد على القدرات المصرية، وتفتح مسارًا آخر للحصول على الدعم الاستخباراتي الإسرائيلي، وتُبقي إطار اتفاق مكة قائمًا باعتباره خيارًا احتياطيًا، بصرف النظر عما إذا كان قد أثبت قدرته حتى الآن.
ويكشف هذا النهج عن توتر حقيقي؛ إذ يدفع الترتيب الذي تتمحور حوله مصر نحو مركز ثقل مختلف عن ذلك الذي يقوم عليه اتفاق مكة المرتكز إلى باكستان وتركيا. ولم توضح الرياض بعد كيفية التوفيق بين المسارين أو ما إذا كانت تعتزم الجمع بينهما.
لكن ما تؤكده أحداث هذا الشهر بصورة أوضح من أي عنوان منفرد هو أن تراجع واشنطن عن الالتزامات العسكرية المباشرة تجاه دول الخليج العربية يمثل استمرارًا مستقرًا لمسار بدأ عام 2019. أما الهياكل البديلة التي عملت المملكة على بنائها خلال السنوات السبع الماضية، فأصبحت موجودة بالفعل، لكنها لا تزال غير مختبرة بصورة كافية تحت الضغط.
ولهذا تسعى الرياض إلى تشغيل هذه الخيارات بالتوازي لا بالتتابع، في محاولة للتحوط من احتمال ألا يكون أي خيار منفرد كافيًا لمواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها المملكة.
وفي النهاية، لا تكمن المسألة في أن السعودية اختارت بديلًا نهائيًا عن الولايات المتحدة، بل في أنها أدركت أن الاعتماد على مظلة أمنية واحدة لم يعد خيارًا مضمونًا. وتدفعها أزمة اليمن إلى اختبار شبكة متعددة من الشراكات والقدرات، من مصر إلى باكستان وتركيا، مرورًا بإسرائيل والإمارات، بينما تحاول الحفاظ على مساحة مستقلة لاتخاذ القرار.
وتشير أزمة اليمن بذلك إلى تحول أعمق في الحسابات الأمنية السعودية: لم تعد الرياض تبحث فقط عن الحليف الذي سيأتي عندما تقع الأزمة، بل تعمل على بناء منظومة من البدائل التي يمكن أن تتحرك عندما لا يأتي أحد.

