هزّت سلسلة انفجارات متتابعة ليل الأحد والاثنين موقعاً تابعاً للجيش السوري قرب بلدة العيس بريف حلب الجنوبي، محولة محيط البلدة إلى منطقة خطر مفتوح وسط حرائق ضخمة وذخائر قد تنفجر في أي لحظة.


 

وفيما بقي السبب الفعلي للانفجارات غير محسوم، فرضت السلطات طوقاً واسعاً حول الموقع وأغلقت أجزاء من الطريق الدولي دمشق حلب، بينما عاش السكان ساعات ثقيلة بين الخوف من الشظايا والقلق على منازلهم وأسرهم.

 

وذكرت الجهات المعنية أن الانفجارات وقعت داخل أحد مواقع الجيش في منطقة العيس، قبل أن تتوالى أصوات التفجير من المكان ذاته بعد توقف قصير، ما ضاعف المخاوف من وجود كميات كبيرة من الذخائر المخزنة هناك.

 

كما أظهرت المقاطع المتداولة أعمدة نار ودخاناً كثيفاً تتصاعد من الموقع، في مشهد يعكس حجم الخطر المحيط بالبلدات القريبة، ويضع علامات استفهام جدية حول إجراءات تأمين منشآت السلاح القريبة من التجمعات المدنية.

 

وبينما طالبت السلطات السكان بالبقاء داخل منازلهم، بدت التحذيرات اعترافاً عملياً بأن نطاق التهديد تجاوز أسوار الموقع العسكري، وأن المدنيين وجدوا أنفسهم أمام حادث لا يملكون فيه سوى الانتظار والابتعاد.

 

وأعلنت فرق الطوارئ دخولها إلى منطقة الانفجار وإجلاء 4 مصابين في الحصيلة الأولى، مع استمرار إخلاء المنازل المحيطة وإغلاق الطرق المؤدية إلى الموقع لتسهيل مرور سيارات الإسعاف والإنقاذ.

 

غير أن صعوبة وصول الفرق المتخصصة بسبب استمرار التفجيرات تطرح سؤالاً مؤلماً عن جاهزية خطط الطوارئ، خصوصاً حين يكون موقع ذخيرة عسكرية قابلاً لتحويل مساحة مدنية كاملة إلى منطقة محظورة.

 

خطر الذخائر يطارد المدنيين

 

وفي هذا السياق، حذر مسؤولون في الطوارئ والدفاع المدني من الاقتراب من منطقة العيس، بسبب احتمالات تطاير الشظايا وبقاء ذخائر غير منفجرة وأجسام خطرة حول موقع الحادث بعد انحسار الحرائق.

 

كما أن إغلاق الطريق الدولي عند مفرق جامعة إيبلا وجسر خان طومان من جهة حلب لم يكن إجراءً مرورياً عادياً، بل دليلاً على اتساع دائرة المخاطر واحتمال تأثر حركة المدنيين والبضائع لساعات طويلة.

 

ويرى الدكتور سامر الحسن، الباحث في شؤون إدارة الكوارث، أن تأخير عزل محيط مخازن الذخيرة أو وضعها قرب التجمعات السكنية يجعل أي خلل محدود قابلاً للتحول سريعاً إلى كارثة بشرية واسعة.

 

وبالتالي لا يكفي تحذير الأهالي بعد بدء الانفجارات، لأن الحماية الحقيقية تبدأ قبل الكارثة عبر خرائط خطر معلنة، ومسافات أمان واضحة، وخطط إخلاء يتدرب عليها السكان والفرق المحلية باستمرار.

 

ومن جهة أخرى، يفاقم الغموض بشأن طبيعة الانفجار قلق الناس، إذ لا يعرف سكان المناطق القريبة إن كانوا أمام حادث عرضي أو خلل تخزين أو انفجار ذخائر قديمة أو سبب آخر.

 

ولذلك يصبح الإعلان السريع والدقيق ضرورة إنسانية، لا مجرد تفصيل إداري، لأن الشائعات في لحظات الخوف تنتشر أسرع من سيارات الإنقاذ وتدفع بعض السكان إلى قرارات قد تعرضهم للخطر.

 

تكرار الحوادث يفضح الأزمة

 

وفي الأسابيع الأخيرة، لم تعد انفجارات السلاح ومخلفات الحرب في سوريا وقائع معزولة، إذ تكررت الحوادث بين مواقع عسكرية ومستودعات مؤقتة ومناطق مدنية تحمل سنوات النزاع آثارها القاتلة.

 

كما أعلنت السلطات قبل يومين مقتل 11 عنصراً من الجيش في انفجار مجهول المصدر داخل موقع عسكري بمنطقة عياش غرب دير الزور، من دون أن تنهي المعلومات المتاحة أسباب الحادث.

 

وفي 9 سبتمبر، أدى انفجار مخزن مؤقت لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا في إدلب إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة 11 آخرين، في مأساة كشفت هشاشة التعامل مع المواد المتفجرة.

 

ثم قُتل 5 أشخاص مطلع سبتمبر بانفجار سيارة محملة بالذخيرة في المحافظة ذاتها، لتتكرر المأساة نفسها بصور مختلفة ويظل المدنيون الطرف الأكثر هشاشة أمام الفوضى المتراكمة للسلاح.

 

ويؤكد المهندس عادل مرعي، المختص في السلامة الصناعية، أن تجميع الذخائر المتنوعة من دون فرز فني دقيق أو تخزين محكَم يجعلها قنبلة مؤجلة، تتأثر بالحرارة والاحتكاك وسوء النقل.

 

وعليه، فإن استمرار الحوادث يفرض مراجعة شاملة لآليات الجرد والنقل والتخزين والإتلاف، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الانفجار، لأن حياة الناس لا ينبغي أن تبقى رهينة الارتجال.

 

محاسبة مطلوبة قبل انفجار جديد

 

وفي المقابل، لا تنحصر مسؤولية الحماية في فرق الإسعاف والدفاع المدني، بل تمتد إلى الجهات التي تقرر مواقع التخزين وتدير الذخائر وتحدد مستوى الحماية والمراقبة داخل المنشآت العسكرية.

 

كما يستحق أهالي العيس والمناطق المجاورة إجابات صريحة عن طبيعة المواد الموجودة في الموقع، ومدى قربها من المنازل والطرق، وما إذا كانت هناك سوابق أو تحذيرات كان يمكن التعامل معها مبكراً.

 

ويقول المحامي الحقوقي ياسر العبد الله إن حق السكان في معرفة المخاطر المحيطة بهم جزء أصيل من الحق في الحياة والسلامة، ولا يجوز حجبه بذريعة الغموض أو الحساسية الأمنية.

 

ومن ثمّ، ينبغي فتح تحقيق مهني مستقل يحدد سبب انفجارات العيس ومسؤولية أي تقصير في التخزين أو التأمين، مع إعلان نتائجه بوضوح واتخاذ إجراءات تمنع تكرار المشهد في قرى أخرى.

 

وبينما تتواصل عمليات الإخلاء والإسعاف، يبقى الخوف الأكبر أن تكون الانفجارات المتتابعة إنذاراً متأخراً لأزمة أوسع، يتعايش فيها المدنيون مع مخازن السلاح ومخلفات الحرب من دون ضمانات كافية.

 

وفي النهاية، لا ينبغي أن يتحول السكان إلى مجرد أرقام في حصيلة أولية كلما انفجر مستودع أو موقع عسكري، فسلامتهم تسبق كل الاعتبارات وتحتاج إلى وقاية ومحاسبة لا بيانات طارئة فقط.