يحسم مبدأ قانوني أرسته الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة جدلاً امتد سنوات بشأن إلزام الموظفين باللجوء إلى القضاء للحصول على حقوق مالية سبق أن استقرت أحكام القضاء على ثبوتها.

 

يكشف المبدأ عن مسؤولية مباشرة للجهات الإدارية في تنفيذ الحقوق المستقرة دون تحميل المواطن تكلفة دعاوى وإجراءات طويلة، مؤكداً أن التقاضي وسيلة لحسم النزاع وليس عقبة تضعها الإدارة أمام صاحب الحق.

 

 

حق ثابت بلا دعوى قضائية

 

أكدت الجمعية العمومية أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تقتصر حجيتها على أطراف الدعوى التي صدرت بشأنها، وإنما تلتزم بها جميع سلطات الدولة والجهات الإدارية والأفراد دون استثناء.

 

وبناء على هذا المبدأ، أصبح من حق العامل الحصول على المقابل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية مباشرة، متى كان أصل الحق ومقداره واضحين ولم توجد منازعة جدية تستوجب تدخل القضاء لحسمها.

 

ورفضت الفتوى تحويل المحاكم إلى بوابة إجبارية للحصول على حق محسوم، معتبرة أن إرغام الموظف على رفع دعوى في مسألة استقر بشأنها القضاء يؤدي عملياً إلى تعطيل العدالة وإهدار الموارد.

 

وتعود القضية إلى طلب تقدم به موظف بإحدى الهيئات العامة بعد بلوغه السن القانونية للمعاش، مطالباً بصرف المقابل النقدي عن رصيد إجازاته المتراكم دون اضطراره إلى خوض إجراءات قضائية جديدة.

 

وكانت جهة إدارية قد أنهت خدمته في أكتوبر 2013، إلا أن الخلاف ظهر عندما طالب بصرف كامل المقابل النقدي لرصيد الإجازات الذي لم يتمكن من الحصول عليه أثناء سنوات عمله.

 

وأصر الجهاز المختص بشؤون العاملين آنذاك على ضرورة حصول الموظف على حكم قضائي بالنسبة للرصيد الذي يتجاوز أربعة أشهر، وهو ما دفع الجهة الإدارية إلى طلب رأي قانوني لحسم المسألة.

 

وعُرض الملف على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع خلال مارس 2016، قبل أن تنتهي إلى فتواها التي حملت رقم 405 والمؤرخة في 14 يونيو من العام نفسه.

 

 

الدستورية أسقطت قيد الأربعة أشهر

 

واستندت الجمعية إلى المادة 65 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، التي نظمت حق العامل في الحصول على إجازة اعتيادية سنوية بأجر كامل، وحددت القواعد المتعلقة بتأجيل الإجازات والاحتفاظ بأرصدتها.

 

لكن نقطة التحول الأساسية جاءت من حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في مايو 2000، والذي تناول النص الذي كان يقيد صرف المقابل النقدي لرصيد الإجازات بما لا يتجاوز أربعة أشهر.

 

وقضت المحكمة بعدم دستورية حرمان العامل من المقابل النقدي عن الرصيد الزائد على أربعة أشهر، عندما يكون عدم حصوله على الإجازات راجعاً إلى ظروف العمل وليس إلى اختياره الشخصي.

 

وبذلك أصبح العامل الذي منعته مقتضيات الوظيفة من استنفاد إجازاته مستحقاً للتعويض عنها، لأن حرمانه من المقابل المالي يعني تحميله نتيجة قرار أو ظروف لم يكن مسؤولاً عنها.

 

وأوضحت فتوى مجلس الدولة أن الحكم بعدم الدستورية يكشف عن عيب لازم النص المخالف منذ نشأته، ولا يقتصر أثره على الحالة الفردية التي صدر الحكم الأصلي بشأنها.

 

وشددت على أن الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية تفرض على الجهات الحكومية احترامها وتنفيذ آثارها، ولا يجوز لكل موظف أن يبدأ نزاعاً قضائياً جديداً لإثبات المبدأ القانوني نفسه.

 

ويعني ذلك أن الإدارة مطالبة بتطبيق الحكم الدستوري مباشرة عند تشابه الحالات، طالما كانت شروط الاستحقاق متوافرة ولم يظهر خلاف حقيقي بشأن عدد أيام الرصيد أو أسباب عدم استنفاده.

 

 

التسويف الإداري يهدر الحقوق

 

وجهت الجمعية انتقاداً واضحاً للممارسات الإدارية التي تدفع المواطنين والموظفين إلى إقامة دعاوى متكررة للحصول على حقوق سبق أن استقر بشأنها القانون والقضاء ولم تعد تحتاج إلى خصومة جديدة.

 

وأكدت أن أحد أهم واجبات الدولة يتمثل في تحقيق العدالة للمواطنين والمبادرة إلى أداء الحقوق المستحقة، بدلاً من اتباع أسلوب المماطلة أو إطالة الإجراءات وتحويل المحاكم إلى مرحلة روتينية.

 

واعتبرت أن استمرار الجهات الإدارية في إثارة المنازعات النمطية حول مسائل محسومة يؤدي إلى تراكم القضايا، ويستهلك وقت القضاة في نزاعات كان يمكن إنهاؤها إدارياً منذ البداية.

 

كما تتحمل الدولة في هذه الحالات أعباء مالية وإدارية إضافية، بينما يضطر الموظف إلى تحمل تكاليف وإجراءات قد تستمر سنوات للحصول على مبلغ كان يتعين صرفه بمجرد انتهاء خدمته.

 

وفرقت الفتوى بوضوح بين وجود نزاع حقيقي يبرر اللجوء إلى القضاء وبين مجرد امتناع الإدارة عن التنفيذ، مؤكدة أن المحكمة ليست وسيلة تمنح الجهة الإدارية غطاءً لتأجيل الوفاء بالحقوق.

 

ويظل اللجوء إلى القضاء قائماً عندما يكون هناك خلاف جدي حول أصل الاستحقاق أو قيمة الرصيد أو سبب عدم الحصول على الإجازات، لأن هذه الحالات تحتاج بطبيعتها إلى جهة تفصل في النزاع.

 

أما عندما تتوافر المستندات ويكون الاستحقاق واضحاً، فإن مطالبة الموظف بالحصول على حكم جديد تمثل إجراءً غير ضروري يتعارض مع الغرض الأصلي من التقاضي بوصفه وسيلة لحسم الخصومات.

 

وانتهت الجمعية إلى أحقية صاحب الحالة المعروضة في صرف المقابل النقدي لرصيد إجازاته مباشرة دون المرور بلجان توفيق المنازعات أو إقامة دعوى أمام القضاء للحصول على حكم جديد.

 

ويرسخ هذا المبدأ قاعدة تتجاوز ملف الإجازات نفسه، مؤداها أن الإدارة لا يجوز أن تتخذ من الإجراءات القضائية وسيلة لتعطيل حق أصبح ثابتاً، بينما يقع عليها واجب تنفيذه بمجرد استيفاء شروطه.

 

ويضع ذلك الجهات الحكومية أمام مسؤولية تطبيق الأحكام والمبادئ القضائية المستقرة بدلاً من إجبار كل موظف على تكرار المعركة القانونية نفسها، بما يحفظ المال العام ويقلل المنازعات ويعجل بوصول الحقوق إلى أصحابها.