تتصاعد مخاوف المصريين من زيادة جديدة في أسعار البنزين والسولار مع اقتراب اجتماع لجنة التسعير في أكتوبر، بينما يواجه المواطن بالفعل موجات متلاحقة من الغلاء أكلت جانبًا كبيرًا من قدرته الشرائية.
ويترقب الشارع قرارًا يحمل تأثيرًا يتجاوز محطات الوقود، لأن أي زيادة في المحروقات تنتقل سريعًا إلى النقل والشحن والسلع والخدمات، لتضع الأسر أمام حلقة جديدة من ارتفاع التكاليف يصعب الهروب منها.
أسعار مستقرة والزيادة تقترب
تثبت الأسعار الرسمية الحالية بنزين 95 عند 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 عند 22.25 جنيه، وبنزين 80 عند 20.75 جنيه، بينما يبلغ سعر السولار 20.50 جنيه للتر حتى الآن.
وتظل هذه الأسعار سارية خلال سبتمبر وفق التصريحات المعلنة بشأن استمرار التعاقدات الحالية حتى نهاية الشهر، على أن تبحث لجنة التسعير خلال الأسبوع الأول من أكتوبر موقف الأسعار للفترة التالية.
لكن الاستقرار المؤقت لا يبدد القلق، لأن أسعار النفط العالمية ارتفعت بقوة خلال سبتمبر، وسجل خام برنت 108.18 دولارات في 16 سبتمبر، مقابل مستويات تقل كثيرًا عن ذلك خلال فترات سابقة.
ويعني ذلك أن الفارق بين الأسعار العالمية الحالية والتقديرات التي بنيت عليها الموازنة يفتح الباب أمام ضغوط إضافية على تكلفة الاستيراد، بما يمنح الحكومة مبررات مالية محتملة لتحريك الأسعار مجددًا.
ويتوقع الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين، زيادة أسعار المنتجات البترولية خلال اجتماع أكتوبر، رابطًا تقديره بتطورات التكلفة وتأجيل أي تحريك جديد للأسعار خلال الشهور الماضية.
ولا يمثل توقع عرفات قرارًا رسميًا، لكنه يكشف اتجاهًا يثير القلق، خصوصًا مع ارتفاع النفط وتراجع قيمة الجنيه مقارنة بمستويات سابقة، وهما عاملان أساسيان يدخلان ضمن حسابات تكلفة الوقود محليًا.
وتزداد المخاوف لأن الحكومة سبق أن رفعت أسعار الوقود في مارس رغم إعلان سابق عن فترة تثبيت، بعدما اعتبرت ارتفاع النفط والتوترات الإقليمية ظروفًا استثنائية تستوجب تعديل الأسعار.
وبالنسبة للمواطن، لا تقتصر القضية على جنيهات إضافية يدفعها عند محطة الوقود، بل تمتد إلى تكلفة المواصلات والخضراوات والفاكهة والدواء والملابس وكل سلعة تحتاج إلى نقل بين المحافظات.
المواطن يتحمل كلفة السياسة
تكشف سياسة تسعير الوقود خلال السنوات الأخيرة أن الاتجاه العام يتحرك نحو تحميل المستهلك نسبة أكبر من التكلفة، مع تقليص الدعم تدريجيًا وربط الأسعار بمجموعة متغيرات تشمل النفط والدولار وتكاليف التداول.
وينتقد الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، هذا المسار، معتبرًا أن تكرار زيادات أسعار الطاقة بوتيرة تضخمية يجعل فرص مراجعة الأسعار نحو الانخفاض محدودة بسبب طبيعة التكاليف الهيكلية التي تتبناها الحكومة.
وتكتسب ملاحظات نافع أهمية أكبر حين يتذكر المواطن أن انخفاض النفط عالميًا في بعض الفترات لم يتحول بالسرعة نفسها إلى خفض مماثل في محطات الوقود، بينما تنتقل موجات الصعود إلى الأسعار المحلية بصورة أسرع.
ويضع ذلك سياسة التسعير أمام سؤال اجتماعي واضح بشأن توزيع العبء، فالحسابات المالية قد تفسر أسباب التحريك، لكنها لا تلغي حقيقة أن أصحاب الدخول المحدودة يتحملون النسبة الأكبر من آثاره غير المباشرة.
وتظهر خطورة السولار بصورة خاصة لأنه يرتبط بحركة الشاحنات والنقل العام والأنشطة الزراعية والصناعية، ولذلك فإن زيادة محدودة في سعره تستطيع الانتقال إلى عشرات السلع دون أن يشتري المواطن لترًا واحدًا بنفسه.
ويؤكد الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن تحريك أسعار المحروقات يمثل عاملًا رئيسيًا يمكن أن يدفع التضخم إلى الارتفاع، نتيجة انعكاس الوقود على تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار النهائية.
وهنا تبدو المشكلة أوسع من قرار فني للجنة التسعير، لأن المواطن الذي أنهكته موجات الأسعار السابقة لا يحصل تلقائيًا على زيادة مماثلة في الأجر كلما ارتفع البنزين أو السولار.
وتتحول السياسة بهذا الشكل إلى معادلة غير متوازنة اجتماعيًا حين تتحرك تكلفة المعيشة سريعًا استجابة للأسعار العالمية، بينما تظل دخول قطاعات واسعة عاجزة عن ملاحقة الزيادات المتتالية في احتياجات الحياة الأساسية.
تخفيض الدعم يضغط الأسر
يربط الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، محدودية فرص خفض الوقود بالمسار الذي اتبعته الحكومة منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، والقائم على تقليص الدعم والاقتراب تدريجيًا من التكلفة الفعلية للمنتجات البترولية.
ويرى النحاس أن المسار لا يتوقف عند الوصول إلى التكلفة، بل يرتبط بإعادة هيكلة قطاع الطاقة وتعزيز قدرته الاستثمارية، وهو توجه اقتصادي تترتب عليه بالضرورة أعباء مباشرة وغير مباشرة على المستهلكين.
ولا يعني ذلك أن تكلفة الاستيراد يمكن تجاهلها، خصوصًا مع تجاوز النفط حاجز المئة دولار خلال سبتمبر، لكنه يثير سؤالًا حول حجم الحماية التي يحصل عليها المواطن عندما تتعرض الموازنة لصدمات خارجية.
وتقول الحكومة إن ارتفاعات مارس جاءت نتيجة اضطرابات الطاقة وزيادة تكاليف الاستيراد والإنتاج والشحن والتأمين، مؤكدة أنها تعمل على تأمين الإمدادات وتقليل الفاتورة الاستيرادية وزيادة الإنتاج المحلي.
غير أن هذه المبررات لا تمنع منتقدي السياسة الاقتصادية من التساؤل عن سبب انتقال جزء كبير من تكلفة الأزمات إلى المستهلك، في وقت تعاني فيه الأسر أصلًا من ارتفاع الغذاء والسكن والخدمات والنقل.
ويصف الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، تحريك أسعار الوقود بأنه قرار تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية، مشيرًا إلى ضغوط الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي على منظومة الطاقة.
كما استبعد فؤاد سابقًا خفض الأسعار سريعًا حتى عندما تراجعت أسعار النفط عالميًا، موضحًا أن الحكومة تعتمد على متوسطات زمنية وتكلفة الاستيراد وسعر الصرف، وليس حركة الخام في أيام محدودة.
ويعني استمرار هذه المعادلة أن المواطن قد يواجه الارتفاع حين تقفز التكلفة العالمية، لكنه لا يضمن انخفاضًا مماثلًا عندما تهدأ الأسواق، وهو ما يضعف شعوره بأن آلية التسعير تتحرك لمصلحته بالاتجاهين.
وتصبح المخاوف أكثر جدية مع اقتراب أكتوبر، إذ لا يوجد حتى الآن قرار رسمي بزيادة جديدة، لكن مستويات النفط الحالية وتقديرات الخبراء تجعل سيناريو التحريك مطروحًا بقوة أمام لجنة التسعير المقبلة.
وتحتاج أي سياسة تسعير عادلة اجتماعيًا إلى النظر أبعد من أرقام تكلفة اللتر، لأن الوقود ليس سلعة منفصلة عن حياة المواطنين، بل عنصر يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم نفقاتهم اليومية.
ويبقى السؤال قبل اجتماع أكتوبر حول الكيفية التي ستوازن بها الحكومة بين ضغوط الموازنة وحماية مستويات المعيشة، بعدما باتت كل زيادة في المحروقات تعني بالنسبة لملايين الأسر بداية موجة غلاء جديدة.
وحتى يصدر القرار الرسمي، تظل الزيادة احتمالًا وليست حقيقة محسومة، لكن المؤشرات الحالية تكشف أن المواطنين يدخلون الاجتماع المرتقب وهم الأكثر تعرضًا لتداعيات أي تحريك جديد في الأسعار خلال الفترة المقبلة.

