يرى روبرت بارثولوميو، عالم الاجتماع الطبي والكاتب والصحفي والناشط في مجال حقوق الإنسان، أن المخاوف المتصاعدة بشأن أخطار الذكاء الاصطناعي تحمل سمات واضحة لما يُعرف بـ«الهلع الأخلاقي»، أي الخوف المبالغ فيه أو غير المستند إلى أدلة كافية من تهديد يُنظر إليه باعتباره خطرًا جسيمًا على المجتمع.

 

ويشير إلى أن التاريخ حافل بمخاوف مماثلة صاحبت ظهور تقنيات جديدة، من الهاتف والراديو والتلفزيون إلى الهواتف المحمولة وشبكات الجيل الخامس، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحدث حلقة في هذا المسار.


ويناقش بارثولوميو في مقاله المنشور في مجلة «سايكولوجي توداي»، كيف تتكرر المخاوف الاجتماعية من التقنيات الجديدة عبر التاريخ، موضحًا أن القلق من فقدان الوظائف والمخاطر الصحية والتأثيرات النفسية للذكاء الاصطناعي يعيد أنماطًا ظهرت مع تقنيات سابقة، مع تأكيده أن بعض المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تستحق نقاشًا جادًا، ولا سيما ما يتعلق بسوق العمل والمعلومات المضللة واختبارات السلامة.

 


مخاوف التكنولوجيا الجديدة.. تاريخ طويل من الهلع


ظهرت المخاوف من أخطار التقنيات الجديدة منذ وقت طويل. فبعد فترة وجيزة من اختراع الهاتف، بدأ العاملون في تشغيل السنترالات يتحدثون عن حالة جديدة أطلقوا عليها اسم «مرض الهاتف»، وزعموا أنها ناجمة عن أصوات الطقطقة التي كانت سمة شائعة في أنظمة الهاتف الأولى.


وربط العاملون هذه الأصوات بمجموعة من المشكلات الصحية، بدءًا من الغثيان والصداع والدوخة، وصولًا إلى أعراض تشبه الارتجاج. وفي عام 1899، حذر كاتب في «المجلة الطبية البريطانية» من أن التحدث عبر الهاتف قد يؤدي إلى «الاستثارة» و«الدوار» وتلف الأعصاب. ويرى بارثولوميو أن هذه المخاوف نشأت في إطار تأثير الإيحاء الجماعي الذي عكس بدوره مخاوف المجتمع في تلك الفترة.


ومع انتشار الثلاجات المنزلية في عشرينيات القرن الماضي، احتوت كثير منها على حجرات صغيرة لصنع مكعبات الثلج. غير أن كثيرًا من الناس في السنوات الأولى للتبريد كانوا يخشون شرب المشروبات مع هذه المكعبات، اعتقادًا منهم أن الثلج المنتج آليًا غير طبيعي وقد يصيبهم بالمرض.


وكان البديل الأكثر شيوعًا آنذاك أكثر إثارة للشكوك، إذ كان يتمثل في قطع الثلج المأخوذة من كتل استُخرجت من البحيرات والأنهار والجداول المتجمدة.


وعندما ظهر راديو الموجات المتوسطة «AM» في أوائل القرن العشرين، اشتكى بعض الأشخاص من أن الموجات غير المرئية تسبب الأمراض، بل ظهرت مخاوف من قدرتها على إحداث اضطرابات في أنماط الطقس. وتكررت المخاوف نفسها مع ظهور التلفزيون.


وفي السنوات الأولى للتلفزيون، حذر بعض علماء النفس من أن الأطفال سيصبحون أشبه بـ«زومبي» سلبيين، عاجزين عن التفكير بأنفسهم، فيما حذر الآباء من أنه قد يتسبب في مشكلات تبدأ بضعف البصر ولا تنتهي عند التدهور الأخلاقي.


وبحلول أواخر ستينيات القرن الماضي، تصاعدت المخاوف من أن أجهزة التلفزيون الملون تطلق مستويات خطرة من الإشعاع، ما دفع الكونجرس الأمريكي إلى إجراء تحقيقات. وعلى الرغم من العثور على عدد محدود من الأجهزة المعيبة التي أطلقت مستويات مرتفعة من الإشعاع، كشفت دراسات لاحقة أن الخطر جرى تضخيمه بدرجة كبيرة.


ولم تكن التوقعات بأن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إفراغ مهن بأكملها من العاملين فيها بين ليلة وضحاها جديدة أيضًا. فعندما انتشرت ماكينة الخياطة على نطاق واسع في القرن التاسع عشر، أثارت مخاوف من أن وظائف الخياطين والخياطات ستصبح قريبًا بلا جدوى. وظهرت مخاوف مماثلة مع اختراع الآلة الكاتبة، إذ اعتقد البعض أنها ستجعل النساخ والموظفين الإداريين بلا عمل.


لكن المفارقة أن استخدام الآلات الكاتبة أوجد وظائف مكتبية أكثر مما قضى عليها.


وفي أوائل القرن العشرين، عندما كانت الزراعة تعتمد بدرجة كبيرة على الخيول والثيران والعمال الزراعيين، انتشرت مخاوف واسعة من أن يؤدي اختراع الجرار إلى بطالة واسعة النطاق. وحذر سياسيون ومحررو صحف من الخطر الذي تمثله الجرارات على نمط الحياة الأمريكي.


لكن الواقع جاء مختلفًا، إذ انخفضت تكلفة الغذاء وارتفعت الإنتاجية، وانتقل كثير من العمال الزراعيين إلى فرص جديدة أوجدتها هذه التقنيات في قطاعات البناء والمصانع والرعاية الصحية والتعليم وتجارة التجزئة.


وظهرت مخاوف أكثر حداثة خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما حذر مدرسون وعلماء رياضيات من إتاحة الآلات الحاسبة للطلاب، اعتقادًا منهم بأنها ستقوض قدرتهم على التفكير الرياضي.


وظلت المخاوف من أخطار التقنيات الجديدة موضوعًا متكررًا عبر التاريخ. وفي العقود الأخيرة، ظهرت مخاوف صحية غير مستندة إلى أدلة كافية بشأن استخدام الهواتف المحمولة وشبكات «واي فاي» وأبراج الجيل الخامس، إذ اعتقد البعض أن التعرض لهذه التقنيات مسؤول عن مجموعة واسعة من المشكلات، بدءًا من أورام المخ وسرطانات الأطفال وصولًا إلى مشكلات الذاكرة والاضطرابات التنكسية العصبية.

 


الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج مخاوف الماضي


يعتبر بارثولوميو أن اللافت في هذه الدورة هو مدى إمكانية التنبؤ بها. فقد عادت المخاوف من فقدان الوظائف، التي استهدفت في السابق الآلات الحاسبة وماكينات الخياطة، في صورة تحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل مهن بأكملها بين ليلة وضحاها.


كما عادت المخاوف البيولوجية التي سبق إسقاطها على موجات الراديو وأجهزة التلفزيون في صورة مخاوف صحفية من أن روبوتات المحادثة تتسبب في «ذهان الذكاء الاصطناعي»، رغم أن الأدلة على تسبب الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة في اضطرابات ذهانية لا تزال محدودة.


ولهذا السبب، يفضل كثير من الأطباء النفسيين استخدام مصطلح «الأوهام المرتبطة بالذكاء الاصطناعي»، لأن الذكاء الاصطناعي، بحسب الكاتب، لا يتسبب بالضرورة في الوهم، بل يوفر محتواه وحلقة التغذية الراجعة التي قد تدعمه.


ولا يعني ذلك أن كل المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي لا أساس لها. فهناك أسئلة مشروعة تتعلق بأسواق العمل والمعلومات المضللة واختبارات السلامة، وتستحق جميعها نقاشًا جادًا.


لكن شكل الخوف، وسرعته، وشدته، وميله إلى تجاوز الأدلة المتاحة، يطابق تمامًا النمط الذي أنتجته كل تقنية تحويلية في السابق. ويؤكد الكاتب أن العالم شهد هذه القصة مرات عديدة، ولم يتغير سوى اسم التكنولوجيا.

 


الذكاء الاصطناعي يكشف مخاوف البشر أكثر مما يكشف أخطاره


وسط حالة التشاؤم والتحذيرات المتصاعدة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، يرى بارثولوميو أن من المفيد تذكر حقيقة مهمة، وهي أن البشر صنعوا الذكاء الاصطناعي، لكنه ليس إنسانًا.


ويذهب الكاتب إلى أن «هوس الخوف من الذكاء الاصطناعي» يكشف عن البشر أكثر مما يكشف عن الذكاء الاصطناعي نفسه، لأن هذه التقنية تعكس مخاوف بشرية قديمة تعود إلى أجيال متعاقبة.


فالذكاء الاصطناعي ليس أول تقنية تثير المخاوف، ولن يكون الأخيرة. ويشير التاريخ إلى أن ظهور كل تقنية تحولية تقريبًا صاحبه قلق بشأن تأثيراتها على الصحة والوظائف والسلوك والمجتمع، قبل أن تكشف التجربة في كثير من الحالات أن حجم الخطر جرى تضخيمه مقارنة بالواقع.


وبحسب بارثولوميو، لا ينبغي أن يقود ذلك إلى تجاهل المخاطر الحقيقية للذكاء الاصطناعي، بل إلى التعامل معها بقدر أكبر من التوازن، والتمييز بين المخاوف التي تستند إلى أدلة ومخاطر قابلة للقياس، وبين حالة الذعر التي تسبق الأدلة وتعيد إنتاج المخاوف التاريخية نفسها في صورة تكنولوجية جديدة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/its-catching/202608/ai-hysteria-is-the-sky-really-falling