تتسع مأساة النزوح في ولاية النيل الأزرق السودانية، مع استمرار المعارك التي تدفع المدنيين إلى مغادرة منازلهم، بينما تكشف تقديرات المنظمة الدولية للهجرة اقتراب أعداد النازحين الجدد من مائة ألف شخص منذ يناير الماضي.

 

وتضع هذه الموجة آلاف الأسر أمام اختبار يومي لتأمين المياه والغذاء والمأوى، في وقت يمثل فيه الأطفال قرابة نصف النازحين، وتتزايد صعوبات الوصول إلى المساعدات الضرورية وسط تراجع قدرة المجتمعات المحلية على الاستيعاب.

 

المعارك توسع خريطة النزوح القسري

 

بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة المعلنة في سبتمبر، بلغ عدد النازحين 99 ألفًا و277 شخصًا، يمثلون 19 ألفًا و497 أسرة، خلال الفترة الممتدة من 11 يناير حتى 23 أغسطس من العام الجاري.

 

وتعكس الحصيلة زيادة بنحو 66 بالمائة مقارنة بالتحديث السابق الصادر في 21 مايو، عندما سُجل نزوح 59 ألفًا و742 شخصًا، بما يوضح تسارع حركة الفرار خلال الأشهر التالية بفعل تدهور الأوضاع الأمنية.

 

وتوزعت مناطق المغادرة بين قيسان والكرمك وباو، بينما انتقل النازحون إلى سبع مناطق داخل الولاية، واستقبلت الدمازين العدد الأكبر، ما يضاعف الضغط على الخدمات والمرافق المتاحة للسكان والوافدين على السواء.

 

ويأتي النزوح وسط تصاعد المواجهات بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات الدعم السريع وحلفائها من جهة أخرى، ضمن صراع تتجاوز تداعياته خطوط القتال إلى تفاصيل الحياة المدنية.

 

ولا تنتهي رحلة النزوح بمجرد الوصول إلى منطقة أقل تعرضًا للمواجهات؛ إذ تبدأ الأسر البحث عن مكان للإقامة ومصدر للدخل، بعدما تترك خلفها ممتلكات وموارد كانت تعتمد عليها في تدبير احتياجاتها.

 

ويفرض تركز الوافدين في مناطق محددة تحديات إضافية على المجتمعات المستضيفة، خصوصًا حين تتزايد الحاجة إلى المياه والخدمات الصحية والمساحات السكنية، دون توسع مماثل في الموارد أو قدرة المرافق المحلية على الاستجابة.

 

وتكشف هذه التطورات أن الاستجابة الإنسانية تحتاج إلى متابعة حركة السكان باستمرار، لأن تغير مسارات القتال قد ينقل الاحتياجات سريعًا بين المناطق، ويجعل خطط الإغاثة السابقة أقل ملاءمة للواقع المتبدل.

 

شح المياه يضاعف معاناة الأسر

 

تظهر البيانات المنقولة عن تقييم المنظمة أن 41 بالمائة من الأسر عانت عدم كفاية مياه الشرب لمدة يوم أو يومين، وهو مؤشر على اضطراب إمدادات أساسية لا يمكن تأجيل الاحتياج إليها.

 

ولا تعني هذه النسبة وحدها إثبات تلوث المياه المتاحة، لكنها تكشف نقص الكميات التي تحتاجها العائلات، وتستدعي استجابة تجمع بين توفير الإمدادات ومراقبة جودتها وضمان وصولها بصورة منتظمة إلى مواقع النزوح.

 

وعندما تضطر الأسرة إلى تخصيص جزء من مواردها المحدودة لشراء المياه، تتقلص قدرتها على تغطية احتياجات أخرى، ويصبح الحصول على الضروريات سلسلة من المفاضلات القاسية بين الطعام والعلاج ومستلزمات الإقامة اليومية.

 

وبالتوازي، أفادت 38 بالمائة من الأسر بوجود عوائق أمام الحصول على المساعدات الإنسانية، بما يكشف فجوة بين حجم الاحتياج وقدرة المتضررين على الوصول إلى الدعم المتاح في مناطق وجودهم الحالية.

 

وتشمل العوائق المرصودة نقص المعلومات وعدم توافر المساعدات وغياب وثائق الهوية لدى بعض المستفيدين، وهي مشكلات تستلزم تبسيط إجراءات الوصول، وإعلان نقاط التوزيع بوضوح، ومراعاة ظروف من غادروا منازلهم على عجل.

 

ولا يكفي احتساب شحنات الإغاثة أو أعداد المستفيدين المسجلين لتقدير كفاءة الاستجابة؛ فالمعيار الأهم هو وصول الاحتياجات فعليًا إلى الأسر، بما فيها الفئات التي يصعب عليها التنقل أو استكمال الإجراءات المطلوبة.

 

وتفرض الأزمة كذلك دعم الخدمات المحلية التي يعتمد عليها النازحون والمضيفون معًا، لأن تراجع هذه المرافق يوسع دائرة الاحتياج، ويجعل المساعدة الطارئة أقل قدرة على توفير حد مقبول من الاستقرار.

 

الأطفال يتحملون الكلفة الأشد للحرب

 

يمثل الأطفال دون الثامنة عشرة نحو 47 بالمائة من النازحين، وفق المنظمة الدولية للهجرة، ما يضع احتياجاتهم في قلب الأزمة، ويؤكد أن آثار النزوح تمتد إلى مستقبل جيل كامل وتكوينه.

 

فالابتعاد عن المنزل والبيئة المألوفة قد يضعف إحساس الطفل بالأمان، بينما يهدد اضطراب الإقامة انتظام التعليم والمتابعة الصحية، ويزيد الأعباء على الأسر المطالبة بتوفير الرعاية وسط نقص الموارد واستمرار الخوف.

 

ويحتاج التعامل مع هذه المخاطر إلى خدمات تراعي أعمار الأطفال وظروفهم، تشمل التغذية والمياه والرعاية الصحية والدعم النفسي، إلى جانب مساحات آمنة تساعدهم على استعادة قدر من الروتين اليومي والاستقرار.

 

كما تبرز ضرورة حماية الروابط الأسرية أثناء التنقل، وتوفير وسائل واضحة للإبلاغ عن الأطفال المنفصلين عن ذويهم، دون افتراض أن الوصول إلى موقع نزوح ينهي تلقائيًا مخاطر الحماية التي ترافق الفرار.

 

ويظل احتواء المعاناة مرتبطًا بوقف تعريض المدنيين للخطر وتسهيل وصول الإغاثة، بالتوازي مع تمويل استجابة مستمرة؛ فالمساعدات المؤقتة وحدها لا تعالج آثار اقتلاع الأسر من مصادر رزقها وبيئتها الاجتماعية الأساسية.

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تتراكم الخسائر الإنسانية في السودان، وتؤكد مأساة النيل الأزرق أن حماية السكان تستدعي إجراءات ملموسة تعيد إليهم مقومات الحياة، وتمنع تحول النزوح إلى واقع دائم.