تكشف هجرة موسى عليه السلام من مصر إلى مدين كيف يجتمع الخوف البشري مع قوة الإيمان، وكيف يلجأ المؤمن إلى ربه حين يشتد الخطر، مستعينًا بالدعاء، وآخذًا بأسباب النجاة من بطش الظالمين.
وتحمل هذه الرحلة دروسًا في التوكل وحسن الظن بالله وطلب الهداية؛ إذ خرج موسى عليه السلام خائفًا يترقب، لكنه لم يفقد رجاءه في ربه، فوجد في الطريق إلى النجاة بابًا للتربية واليقين.
خوف لا يناقض الإيمان
يرسم القرآن الكريم مشاهد متتابعة لحال موسى عليه السلام في المدينة؛ فيذكر دخوله إليها بقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]، ثم يصف حاله بعد ذلك.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، ثم جاء مشهد الخروج: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١].
ويكشف تكرار وصف الخوف والترقب عن شدة الموقف الذي واجهه موسى عليه السلام؛ فقد أصبح مهددًا بالقتل، فخرج يلتمس النجاة، وقلبه متعلق بالله، ولسانه يدعوه أن يخلصه من الظالمين.
وليس في هذا الخوف ما يقدح في إيمانه أو ينقص من منزلته؛ فالخوف من الأذى شعور بشري طبيعي، وإنما يظهر أثر الإيمان في طريقة التعامل معه، وما يقود إليه من قرارات.
فالمؤمن قد يخاف ويتألم ويحزن، لكنه يجاهد نفسه حتى لا يتحول خوفه إلى يأس، ولا يدفعه اضطرابه إلى سوء الظن بالله، أو الاستسلام للظلم، أو ترك الأسباب الممكنة للنجاة.
ومن هنا تقدم القصة تربية رحيمة بالنفس البشرية؛ فلا تطالب الإنسان بإلغاء مشاعره، بل تعلمه أن يصحب خوفه بالدعاء، وقلقه بالرجاء، وحركته في الأرض بالثقة في رعاية الله وحكمته.
الدعاء في مواجهة الظلم
كانت كلمات موسى عليه السلام عند الخروج واضحة ومباشرة: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ دعاء يجمع الاعتراف بالافتقار إلى الله، وطلب الحماية منه، ووصف الظلم باسمه دون تزيين أو مواربة.
لم تكن قوة فرعون وجنده غائبة عن موسى عليه السلام، لكنه لم يرها قوة مستقلة عن سلطان الله، ولم يجعل امتلاكهم أسباب البطش حجة لقطع الرجاء في النجاة والفرج.
وفي هذا الدعاء تربية للمؤمن على أن يجعل اللجوء إلى الله حاضرًا في لحظات الخطر، وأن يبث إليه حاجته بصدق، دون تكلف في العبارة أو انشغال بزخرف الكلام عن حقيقة الافتقار.
والدعاء هنا يصاحب الحركة والسعي؛ فقد خرج موسى عليه السلام من موضع الخطر وهو يسأل ربه النجاة، فاجتمع في موقفه التوجه القلبي إلى الله والعمل بما يستطيع لحماية نفسه.
كما تعلمنا القصة أن النجاة من بطش الظالمين نعمة تستحق الشكر؛ فالأمن على النفس ليس أمرًا هينًا، والخلاص من التهديد يفتح للإنسان أبواب العبادة والعمل والبناء واستعادة الطمأنينة.
ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يبتلى، أو أن تأخر الفرج دليل على ضعف إيمانه؛ وإنما المقصود دوام التعلق بالله، والثبات على الدعاء، مع التسليم لحكمته في توقيت الفرج وصورته.
التوكل يصاحبه سعي
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]؛ فبدأت مرحلة جديدة، انتقل فيها موسى من خطر المدينة إلى مشقة الطريق.
وتصور كتب التفسير ما أحاط بهذه الرحلة من وحدة وقلة زاد وغياب أسباب الراحة، وهي معانٍ تبرز شدة الابتلاء، مع ضرورة التمييز بين نص القرآن والتفاصيل التي يذكرها المفسرون.
أما ما تقرره الآية بوضوح، فهو أن موسى عليه السلام توجه نحو مدين، وسأل الله أن يهديه الطريق الصحيح؛ فتحرك بجسده إلى وجهته، وتوجه بقلبه إلى ربه طالبًا العون والهداية.
وهذا هو التوكل الذي تربي عليه القصة؛ أن يبذل الإنسان ما يقدر عليه، ويستعين بالله فيما يجهله أو يعجز عنه، دون أن يغتر بتدبيره أو يجعل نقص إمكاناته سببًا للقعود.
وقد ناقش المفسرون مدى معرفته بالطريق واستعداده للرحلة، لكن اختلاف التقديرات لا يغير الدرس الواضح؛ فالحاجة إلى هداية الله قائمة، سواء عرف الإنسان بعض الطريق أم خفيت عليه معالمه.
وفي حياة المسلم مواقف تشبه ذلك من جهة المعنى؛ فقد يضطر إلى مغادرة بيئة مؤذية، أو بدء حياة جديدة، فيحتاج إلى تدبير واقعي، ودعاء صادق، وصبر على مشقة البدايات.
الرجاء وطلب الهداية
لم يسأل موسى عليه السلام مجرد بلوغ وجهة، بل قال: ﴿عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ وفي طلبه تعلق بالطريق السوي الذي يوصله إلى مقصده ويجنبه الضياع والانحراف.
وتفتح هذه الكلمات بابًا للتأمل في حاجة الإنسان الدائمة إلى الهدى؛ فهو يحتاجه في طرق الأرض، كما يحتاجه في اختياراته ومواقفه، وفي الطريق الذي يسلكه إلى رضا الله والدار الآخرة.
ويظهر في دعائه حسن الظن بالله والرجاء في عونه؛ فمع الخوف والوحدة لم ينغلق قلبه على الخطر الحاضر، بل بقي متطلعًا إلى هداية ربه وما يفتحه له من أبواب.
وقد تناول النص المنقول أقوال المفسرين في دلالة «عسى» حين تأتي من الله، وأورد ضمن المناقشة قوله تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ [التحريم: ٥]، وهو سياق يتضمن شرطًا.
وينبغي هنا مراعاة اختلاف السياق؛ فالعبارة في قصة موسى دعاء يحكيه القرآن على لسانه عليه السلام، ويظهر فيها رجاؤه في ربه، فلا تُحمَل مباشرة على أحكام ورود اللفظ في وعد الله.
والدرس الدعوي أن الرجاء يعين المبتلى على مواصلة السعي، دون أن يتحول إلى جزم بتفاصيل المستقبل؛ فالمؤمن يسأل ربه الخير، ويبذل وسعه، ويثق بأن علم الله أوسع من علمه.
النجاة تفتح أبواب الأمل
بلغ موسى عليه السلام مدين، وجاءه ما يطمئن قلبه بعد الخوف، حين سمع قول صاحب مدين: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥]؛ فكانت بشارة بالأمان بعد رحلة الترقب.
وتقابل هذه الكلمات دعاءه عند الخروج؛ فقد سأل ربه النجاة من القوم الظالمين، ثم سمع ما يؤكد خلاصه من سلطانهم، في مشهد يبعث على الشكر ويجدد الثقة في رعاية الله.
وليس المقصود من استحضار النجاة التقليل من آلام الطريق، بل إدراك أن لحظة الخوف لا تختصر الحياة كلها، وأن الأبواب المغلقة أمام الإنسان ليست نهاية ما يقدره الله له.
وتدعونا هذه الرحلة إلى تربية أبنائنا وأنفسنا على الجمع بين الشجاعة والحذر، وبين الدعاء والعمل، وبين الاعتراف بالضعف البشري واليقين بأن الله قادر على فتح أبواب لا نراها.
وحين تضيق السبل، تبقى كلمات موسى عليه السلام زادًا للقلب: طلب النجاة من الظلم، وسؤال الهداية إلى الطريق السوي؛ دعاء يصحب السعي، ورجاء يعين على الصبر، وثقة بالله تحفظ النفس من اليأس.
.....................................
المصادر والمراجع:
1. الخالدي، صلاح. القصص القرآني؛ عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.
2. نوفل، أحمد. تفسير سورة القصص، عَمان، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ط1، 2015م.
3. سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه/ 2003م.
4. الودعان، إبراهيم بن فهد. وقفة تأمل مع موسى عليه السلام في مدين (أكثر من 200 فائدة)، السعودية، مراجعة: عبد الرحمن بن فهد الودعان، 1438ه/ 2017م.
5. العليمي. مجير الدين الحنبلي. فتح الرحمن في تفسير القرآن، دار النوادر للنشر والتوزيع، 2012م.
6. الورثان، نورة بنت عبدالله. الجانب الخلقي في قصة موسى عليه السلام والمرأتين، السعودية، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، مج17/ع33، 1426ه/ 2005م.

