وقف أطفال قرية قبر عمير بمدينة الشيخ زويد في شمال سيناء يؤدون طابور الصباح فوق أنقاض مدرسة النخلات، في مشهد يضع الحكومة أمام فشل مكشوف في توفير أبسط مقومات التعليم والحياة الطبيعية.
وبين أصوات النشيد الوطني وركام الفصول، تتهاوى صدقية الحديث الرسمي عن التنمية حين يعجز عن ضمان مدرسة قريبة للأطفال، ويترك الأسر تطالب بحق يفترض أن توفره الدولة دون احتجاج أو وساطة برلمانية.
طابور الركام يفضح فشل الحكومة
لم يكن تجمع الطلاب عند المدرسة المهدمة احتفالا مدرسيا عاديا، وإنما احتجاجا على نقلهم إلى مدرسة بديلة يقول الأهالي إن الوصول إليها يرهق أبناءهم، وتمسكا بإعادة بناء مدرستهم في موقعها الأصلي.
وبحسب رواية الأهالي الواردة في المادة المتداولة، تخدم المدرسة نحو أحد عشر تجمعا سكانيا، ما يجعل اختفاءها أزمة تتجاوز مبنى واحدا، وتمتد إلى قدرة أسر المنطقة على استمرار تعليم أطفالها بانتظام.
وتكشف هذه المطالب ضيق المسافة بين الشعارات الحكومية والاختبار الحقيقي للخدمة العامة؛ فوجود مدرسة على خريطة إدارية لا يعني أن طفلا صغيرا يستطيع الوصول إليها بسهولة وأمان كل صباح دراسي.
وأقر حمزة رضوان، وكيل وزارة التربية والتعليم بشمال سيناء، بتهدم المدرسة بالكامل ونقل تلاميذها إلى مدرسة قبر عمير، مع الإشارة إلى مشروع تجمع تنموي يضم مدرسة تتكون من اثنين وعشرين فصلا.
كما حذرت المديرية أولياء الأمور من اقتراب الأطفال من المبنى المهدوم لخطورته، وهو تحذير مفهوم لحمايتهم، لكنه يترك السؤال الأكثر إلحاحا معلقا بشأن توفير بديل قريب يستجيب فعليا لاعتراضات الأسر.
وفي تشخيص أوسع لأزمة التعليم، اعتبر عمرو مجدي، الباحث الأول بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، في يناير 2026، أن استمرار نقص التمويل يعكس استخفافا حكوميا بحقوق المواطنين الأساسية.
وانتقد مجدي تقاعس الحكومة عن تمويل التعليم والصحة، معتبرا أن إهمالهما المتكرر يكشف خواء خطابها الاجتماعي؛ وهو تقييم للسياسات العامة، وليس تصريحا خاصا منه بشأن احتجاج أطفال مدرسة النخلات الأخير.
ويمنح هذا التقييم الأزمة المحلية سياقها الأوسع؛ إذ لا يمكن فصل مطلب الفصل القريب عن ترتيب الأولويات الحكومية، ولا إعفاء السلطة من مسؤوليتها بمجرد الإعلان عن مشروع مستقبلي لم ينتفع به الأطفال بعد.
سنوات الهدم تحاصر مستقبل الأطفال
تأتي أزمة النخلات ضمن واقع أثقلته سنوات المواجهات المسلحة في شمال سيناء، حيث امتزج فقدان المنازل ومصادر الدخل بتضرر الخدمات، لتتحمل الأسر أعباء تتجاوز كثيرا اللحظة التي تتوقف فيها الاشتباكات.
ووثقت هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر عام 2021، تدمير الجيش ما لا يقل عن اثني عشر ألفا وثلاثمئة وخمسين مبنى بين أواخر 2013 ويوليو 2020، معظمها منازل، بحسب تحليل المنظمة.
وتخص هذه الحصيلة نطاقا أوسع من المدرسة محل الأزمة، لكنها توضح حجم الدمار الذي ينبغي أن تواجهه سياسات الإعمار، بدلا من اختزال معاناة السكان في إجراءات نقل الطلاب بين المؤسسات التعليمية.
وقد بررت السلطات عمليات الإخلاء والهدم باعتبارات أمنية ومواجهة التنظيمات المسلحة والأنفاق، بينما انتقدت تقارير حقوقية اتساع التدمير وقصور الضمانات والمساعدات المقدمة للمتضررين، وطالبت بمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وتعويض السكان.
وفي نقد مباشر لهذه السياسة، رأت سارة ليا ويتسن، التي كانت تدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، عام 2018، أن هدم المنازل وتشريد سكانها يقوضان ادعاء حمايتهم.
وربطت ويتسن التدمير بخطة أمنية وصفتها بالفشل، منتقدة التضييق على الغذاء والتنقل؛ ويتعلق موقفها بسياسات تلك المرحلة، لكنه يبرز التناقض بين رفع شعار حماية السكان وترك مقومات حياتهم عرضة للانهيار.
ومن هذه الزاوية، يصبح استمرار أزمة مدرسة مهدمة اختبارا لجدية تجاوز آثار الحرب؛ فاستعادة الاستقرار لا تقاس بقدرة المسؤولين على إعلان المشروعات، وإنما بقدرة الأطفال على التعلم داخل فصول آمنة.
كما أن التعامل مع تمسك الأهالي بالموقع باعتباره مجرد رفض للبدائل يتجاهل جوهر الشكوى؛ فالمسافة وكلفة الانتقال وارتباط المدرسة بالتجمعات المحيطة عناصر أساسية في تقييم صلاحية أي حل تعليمي مطروح.
وتتحمل حكومة السيسي مسؤولية تقديم إجابات قابلة للفحص عن تأخر استعادة الخدمات، لأن استدعاء الماضي الأمني وحده لا يفسر استمرار المعاناة، ولا يمنح المسؤولين إعفاء مفتوحا من واجباتهم تجاه السكان.
وعود الإعمار بلا موعد حاسم
أعلن عضو مجلس الشيوخ فايز أبو حرب تواصله مع مساعد وزير التعليم لشؤون الأبنية التعليمية يسري سالم ومحافظ شمال سيناء خالد مجاور، ونقل تأكيدات بعدم وجود مانع أمام إعادة بناء المدرسة.
وفي المقابل، قال المحافظ إن الطلاب مسجلون بمدرسة قبر عمير منذ أكثر من خمس سنوات، وإن إعادة البناء ترتبط بالمخطط التنموي المعتمد؛ وهي رواية ينبغي عرضها مع اعتراض الأهالي على بُعد البديل.
لكن تسجيل الأطفال في مدرسة أخرى لا يحسم جودة الحل، كما أن عدم الممانعة في البناء لا يساوي بدء التنفيذ؛ فالفارق بينهما تمويل وموقع معتمد وتعاقدات وموعد تسليم يعرفه المواطنون.
ولا تتضمن التصريحات المعروضة موعدا محددا لافتتاح المدرسة المعاد بناؤها، الأمر الذي يجعل الاستجابة حتى الآن أقرب إلى وعد يحتاج إلى إجراءات معلنة، لا إلى حل يمكن للأهالي الاطمئنان إليه.
وفي موقف سابق بشأن حقوق سكان سيناء، طالب جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش آنذاك، عام 2021، بإنهاء الإخلاءات التعسفية وتسريع التعويض العادل والشفاف.
وشدد ستورك كذلك على ضمان عودة المهجرين متى أمكن، منتقدا تجاهل سلامتهم ورفاههم؛ وهو منظور يضع احتياجات السكان في قلب إعادة الإعمار، ويعارض اختزالها في قرارات فوقية تفتقر إلى مشاركتهم.
وبتطبيق هذا المعيار على أزمة النخلات، تبدأ الاستجابة الجادة بإشراك الأهالي في اختيار الحل، ونشر جدول التنفيذ والتمويل، وتوفير انتقال آمن ومناسب للأطفال طوال الفترة السابقة على استكمال البناء والتجهيز.
وتظل الوساطة البرلمانية عاجزة عن تعويض غياب نظام يستجيب تلقائيا للاحتياجات؛ فاضطرار الأسر إلى الاحتجاج لجذب انتباه المسؤولين يكشف خللا في الإدارة والمتابعة، ويجعل الحصول على الخدمة مرتبطا بارتفاع صوت الشكوى.
ويستحق أطفال قبر عمير جوابا يتجاوز الإشادة بصمودهم؛ فالصمود لا يعفي الحكومة من الحساب، والنشيد فوق الأنقاض لا يحول الحرمان إلى إنجاز، بل يجعل المدرسة الغائبة شاهدا يوميا على مسؤولية لم تُنجز.

