تواصل حكومة عبد الفتاح السيسي تقديم صفقات التخارج باعتبارها إنجازات اقتصادية، بينما يكشف الاعتماد المتكرر على بيع الأصول عجزًا عن بناء موارد مستدامة، ويضع ممتلكات المصريين في مواجهة فاتورة الاقتراض وسوء ترتيب الأولويات.
ولا تتوقف الأزمة عند انتقال حصص الشركات والأراضي إلى مستثمرين جدد، بل تمتد إلى خسارة نصيب من الإيرادات المستقبلية، وتراجع قدرة الدولة على الاختيار حين تصبح الحاجة العاجلة للدولار صاحبة القرار الاقتصادي.
حكومة تقترض والشعب يفقد أصوله
تكمن المعضلة في أن السلطة تتعامل مع حصيلة البيع باعتبارها دليل نجاح، دون أن تقدم للمواطن حسابًا واضحًا يقارن الأموال المحصلة بقيمة الأرباح المتنازل عنها، وتكلفة الديون التي استدعت التصرف بالأصول.
ومنذ عام 2022، شملت الصفقات حصصًا في شركات للأسمدة وتداول الحاويات والخدمات المالية، بما يؤكد أن التخارج لم يقتصر على كيانات متعثرة، وإنما امتد إلى شركات منتجة تمتلك أسواقًا ومصادر إيرادات.
اقتصاديًا، يمكن أن يحقق دخول مستثمر جديد تطويرًا للإدارة وتوسيعًا للإنتاج، لكن هذه النتائج لا تتحقق بمجرد توقيع العقد، ولا يجوز للحكومة احتساب انتقال الملكية وحده إضافة إنتاجية مكتملة إلى الاقتصاد.
وينتقد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا المسار، معتبرًا أن بيع حصص الشركات الرابحة يحرم الخزانة من عوائد مستقبلية، بينما لا يعالج جذور المديونية إذا استمرت السياسات التي تنتج العجز وتستدعي الاقتراض.
وفي مقال منشور في يناير 2026، دعا الميرغني إلى وقف نزيف الديون وتنمية موارد حقيقية، عبر الإنتاج والتصدير وإصلاح النظام الضريبي، بدلًا من استنزاف الأصول لتوفير موارد مؤقتة لخدمة الالتزامات المالية.
وتضع هذه القراءة المسؤولية عند صانع القرار؛ فالمشكلة ليست نقص ممتلكات قابلة للبيع، وإنما نموذج إنفاق وتمويل يعيد إنتاج الحاجة، ثم يطالب المجتمع بالتنازل عن مزيد من ممتلكاته لتغطية النتائج المتراكمة.
وحين تبيع الحكومة تحت ضغط الاستحقاقات، تضيق مساحة المناورة بشأن السعر والتوقيت والشروط، ويصبح انتظار العرض الأفضل أكثر صعوبة؛ وهي تكلفة تفاوضية ينبغي احتسابها ضمن خسائر إدارة الأزمة بالحلول العاجلة.
أما تحميل المصريين تبعات هذه الحلقة، عبر الأعباء المعيشية والتفريط في نصيب من العوائد العامة، فيطرح سؤالًا سياسيًا مباشرًا: لماذا يدفع المجتمع تكلفة قرارات لم تتح له رقابة فعالة على أولوياتها؟.
مليارات عاجلة مقابل عوائد طويلة
تجسد صفقة رأس الحكمة ضخامة الرهان على التدفقات الاستثنائية؛ إذ بلغت قيمتها المعلنة عام 2024 نحو 35 مليار دولار، موزعة بين سيولة جديدة وتحويل ودائع إماراتية، مع احتفاظ مصر بحصة معلنة.
وبلغت السيولة الجديدة 24 مليار دولار، بينما مثلت الودائع المحولة 11 مليارًا، وبلغت الحصة المصرية المعلنة 35 بالمئة؛ وهي تفاصيل تمنع اختزال القيمة الإجمالية في أموال جديدة دخلت كلها دفعة واحدة.
ساهمت الصفقة في تخفيف أزمة التمويل، لكن أثرها العاجل لا يعفي الحكومة من بيان كيفية استخدام الحصيلة، وما تحقق من استثمارات فعلية وفرص عمل وإيرادات، مقارنة بالحقوق والتزامات التطوير المتفق عليها.
ويرى زياد بهاء الدين، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الوزراء الأسبق، أن العائد المالي لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد لبيع الأصول، وأن التخارج يجب أن تحكمه سياسة اقتصادية تحقق منفعة طويلة الأجل.
ويكشف هذا الاعتراض قصور اختزال النجاح في رقم الصفقة؛ فحصيلة كبيرة قد تمنح الحكومة وقتًا إضافيًا، لكنها لا تثبت وحدها تحسن الإنتاجية أو قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته الدولارية بصورة متكررة.
والمحاسبة الجادة تقتضي إعلان نصيب سداد الديون من الحصيلة، ونصيب الاستثمار المنتج، وآليات متابعة التنفيذ؛ لأن ضخ الأموال في فجوة تمويل متجددة قد يؤجل الأزمة دون تغيير الأسباب التي صنعتها أصلًا.
كما ينبغي الفصل بين بيع أصل قائم وبين الاستثمارات اللاحقة لتطويره؛ فالأولى تنقل الملكية، بينما قد تضيف الثانية إنتاجًا وتشغيلًا، بشرط التنفيذ الفعلي ووجود التزامات محددة يمكن قياسها ومساءلة المستثمر عنها.
وبغير هذه المعايير، تتحول الدعاية للمليارات إلى ستار يحجب السؤال الأصعب: ماذا يبقى للمصريين بعد إنفاق الحصيلة، ومن يتحمل تكلفة تعثر الوعود، وكيف تستعيد الدولة توازنها عندما تنفد الأصول الأسهل تسويقًا؟.
التفريط في الصناعة والإنتاج يوسع مخاطر التبعية
لا تنتهي مسؤولية الحكومة عند اختيار المشتري الأول؛ إذ يمكن أن تنتقل الحصص لاحقًا، أو تتغير السيطرة على الشركة الأم، بما يجعل معرفة المالك النهائي وشروط انتقال السيطرة ضرورة لحماية المصلحة العامة.
ويقدم استحواذ أنجلو جولد أشانتي على سنتامين عام 2024 مثالًا على تغير الطرف الأجنبي المرتبط بمنجم السكري، دون أن يعني ذلك بيع حصة الدولة المصرية أو فقدانها ملكية المنجم كما يشيع أحيانًا.
فالانتقاد المنضبط يحتاج إلى الدقة؛ تغير مالك الشريك الأجنبي يثير أسئلة عن الرقابة وقواعد السيطرة، لكنه لا يبرر اختلاق تنازل سيادي غير مثبت، لأن المبالغة تمنح الحكومة فرصة للهروب من المساءلة الحقيقية.
وفي نقده لإدارة الشركات العامة، يقول مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، إن تآكل النشاط الإنتاجي جعل قيمة بعض الشركات تتمركز في أراضيها، بدلًا من مصانعها وقدراتها التشغيلية.
وينتقد نافع أنماطًا استثمارية تستهدف الأرض والتصرف في المعدات كخردة، ويؤكد أهمية الكفاءة والإنتاج والتصدير؛ وهو نقد يضع حماية الوظيفة الصناعية للأصول في صلب النقاش حول مستقبل الملكية العامة وإدارتها الاقتصادية.
وتكشف هذه الزاوية خطرًا يتجاوز سعر البيع: أن ينتهي مسار الإهمال الإداري بتحويل الموقع الصناعي إلى فرصة عقارية، فتفقد البلاد قدرة إنتاجية وخبرات متراكمة، بينما تقدم الحصيلة المالية باعتبارها تعويضًا كافيًا.
لذلك تحتاج مصر إلى شروط معلنة لحماية النشاط والمنافسة والعمالة، ومتابعة تعهدات التطوير، وفحص انتقال السيطرة في القطاعات الحساسة؛ فالمصلحة الوطنية تتحدد بمضمون الاستثمار وآثاره، ولا تضمنها جنسية المستثمر أو وعوده.
وتبقى المسؤولية السياسية على حكومة السيسي في تغيير نموذج إدارة الأزمة: ضبط أولويات الإنفاق، وتنمية الصناعة والصادرات، وإخضاع الصفقات للمساءلة؛ لأن الاستمرار في استهلاك الثروة العامة يترك للأجيال موارد أقل والتزامات ثقيلة.

