تتفاوض الحكومة للحصول على قرض ياباني ميسر بقيمة مليار دولار لتمويل المرحلة الثانية من الخط الرابع لمترو الأنفاق، في خطوة تعيد فتح ملف الاستدانة وأولويات الإنفاق وحدود تحمل الاقتصاد لالتزامات جديدة.

 

وبين الحاجة الفعلية إلى مواصلات عامة كفؤة، وإصرار الحكومة على تمويل التوسع بالاقتراض الخارجي، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا متعلقًا بكيفية السداد، وضمان ألا يتحول تحسين النقل إلى عبء إضافي على المواطنين.

 

 

قرض جديد وأسئلة بلا إجابات

 

بحسب عضو بمجلس إدارة الهيئة القومية للأنفاق، طلب عدم نشر اسمه، تستهدف المفاوضات تمويل المكونات الأجنبية اللازمة للمرحلة الثانية، مع الانتهاء من التفاصيل النهائية للقرض قبل نهاية العام الجاري وفق الجدول المستهدف.

 

ويشير المصدر إلى بدء إعداد الاتفاقية خلال العام المقبل، بالتوازي مع طرح مناقصة دولية أمام الشركات الأجنبية، ما يعني أن التمويل المطروح لا يزال قيد التفاوض، وليس اتفاقًا نهائيًا جرى توقيعه.

 

وتبلغ التكلفة الإجمالية المقدرة للمرحلة الثانية نحو 4.5 مليار دولار، يخصص منها مليار دولار للمكونات الأجنبية، بينما يجري توفير باقي المكونات محليًا بالجنيه المصري، بحسب المعلومات التي قدمها المصدر عن المشروع.

 

لكن وصف القرض بأنه ميسر لا يكفي لتقييمه؛ فالمعلومات المقدمة لا تتضمن سعر الفائدة، أو فترة السماح، أو آجال السداد، أو عملة التعاقد الفعلية، وهي عناصر أساسية للحكم على أعبائه.

 

ويستدعي ذلك موقف الخبير الاقتصادي هاني توفيق، الذي شدد في تصريحات منشورة سابقة على ضرورة ألا يتجاوز نمو الدين نمو الدخل القومي، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للاستثمار والإنتاجية وضبط الاقتراض.

 

وهذه رؤية عامة لضبط الاستدانة، وليست تعليقًا منه على القرض الياباني المطروح؛ لكنها تضع الحكومة أمام اختبار واضح يتعلق بقدرة الاقتصاد على تحمل الدين وتحقيق عائد يبرر إضافة التزامات جديدة.

 

فالمترو يحقق منافع اقتصادية واجتماعية عبر تقليل زمن الرحلات والازدحام، لكن إثبات جدوى الاقتراض لتمويله يحتاج حسابات منشورة تقارن تلك المنافع بالتكلفة، وتوضح مصادر السداد ومخاطر تغير أسعار الصرف مستقبلًا.

 

وعندما تكون إيرادات التذاكر محلية بينما يتطلب الدين سدادًا بعملة أجنبية، تصبح قدرة الدولة على تدبير النقد الأجنبي جزءًا أصيلًا من التقييم، حتى لو كانت شروط التمويل أفضل من البدائل التجارية.

 

المطلوب إذن أن تقدم الحكومة كشف حساب مفهومًا للمواطنين قبل الاحتفاء بالحصول على التمويل؛ فنجاح التفاوض على قرض لا يساوي نجاح المشروع، ولا يعفي المسؤولين من إثبات سلامة الاختيار الاقتصادي.

 

 

توطين الصناعة تحت اختبار الاستيراد

 

وفق المصدر نفسه، سيخصص القرض لشراء وتصنيع المعدات التي لا يتوافر لها بديل محلي، وفي مقدمتها الوحدات المتحركة والأعمال الكهروميكانيكية وأنظمة الإشارات، مع حصر مشاركة الشركة اليابانية في أعمال محددة.

 

وفي المقابل، تتولى خمس شركات مصرية تنفيذ الأعمال المدنية، بما يشمل المسار النفقي والبنية الأساسية والاتصالات، بينما تراهن الهيئة على سبعة مصانع محلية لتلبية جانب من احتياجات مشروعات الأنفاق والسكك الحديدية.

 

هذا التوسع المحلي يستحق التقييم بمؤشرات واضحة؛ فعدد المصانع والشركات لا يكشف وحده نسبة القيمة المضافة المصرية، ولا يحدد حجم المكونات المستوردة الداخلة في المنتجات التي يجري توريدها بالجنيه المصري.

 

كما أن سداد مستحقات المورد المحلي بالجنيه لا يعني بالضرورة اختفاء الاحتياج للعملة الأجنبية، إذا كان إنتاجه يعتمد على خامات أو معدات مستوردة؛ وهو احتمال ينبغي توضيحه ضمن تفاصيل التكلفة.

 

وفي نقد سابق للسياسات الاقتصادية، أكد الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الاستقرار المعتمد على الاقتراض المتكرر يظل هشًا، داعيًا إلى تعميق التصنيع وإحلال الواردات وتقليل الاعتماد الضروري على الدولار والتمويل الخارجي.

 

ولا يتناول هذا الرأي القرض محل التفاوض تحديدًا، لكنه يطرح معيارًا مهمًا لتقييمه: مدى مساهمة التعاقدات الجديدة في بناء قدرة صناعية تقلص الاستيراد، بدل استمرار الاحتياج إلى تمويل خارجي متجدد.

 

بناءً على ذلك، يصبح السؤال الموجه للحكومة متعلقًا بما إذا كانت الاتفاقية ستتضمن نقلًا فعليًا للتكنولوجيا، وتدريبًا للكوادر، وإنتاجًا محليًا لقطع الغيار، أم ستقتصر مكاسب التصنيع على المكونات المتاحة بالفعل محليًا.

 

كذلك ينبغي إعلان التزامات الصيانة وتكلفتها المتوقعة ومصادر قطع الغيار طوال العمر التشغيلي للمشروع؛ فشراء المعدات يمثل بداية العلاقة المالية مع المورد، وقد تتبعه احتياجات بالعملة الأجنبية لسنوات طويلة بعد التشغيل.

 

وتفقد شعارات التوطين مضمونها إذا غابت المقاييس القابلة للمراجعة؛ لذلك تحتاج الحكومة إلى إعلان نسب تصنيع محددة وجداول تنفيذ واضحة، تتيح تقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين عن أي فجوة بين الوعود والتنفيذ.

 

 

المواطن بين الخدمة وفاتورة الديون

 

تمتد المرحلة الثانية، وفق البيانات الواردة عن هيئة الأنفاق، بطول نحو 26.9 كيلومتر، وتضم 21 محطة، بينها 15 محطة نفقية وست محطات علوية، عبر مناطق ومحاور حيوية داخل القاهرة الكبرى.

 

وتكشف هذه المواصفات حجم المشروع وأهمية الخدمة المنتظرة، لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة التكلفة والأولوية؛ فاختيار توقيت التنفيذ وحجمه وتمويله يجب أن يخضع لمقارنة معلنة مع احتياجات النقل الأخرى.

 

وفي تحليل منشور سابق، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني توجيه الاقتراض إلى مشروعات وصفها بغير الإنتاجية، وربط تصاعد خدمة الدين بتراجع المساحة المتاحة للإنفاق الاجتماعي، مطالبًا برقابة شعبية على القروض الجديدة.

 

ويشمل نقده العام مشروعات للنقل والبنية الأساسية، دون أن يمثل تصريحًا خاصًا بشأن هذا القرض؛ وتبرز أهميته هنا في مساءلة أثر الالتزامات الجديدة على أولويات الإنفاق العام والخدمات التي يحتاجها المواطنون.

 

وعلى هذا الأساس، لا يكفي إبلاغ الجمهور بحجم التمويل المطلوب؛ بل يلزم توضيح كيفية توزيع أعبائه بين الموازنة العامة وإيرادات التشغيل، وما إذا كانت تقديرات الجدوى تفترض زيادات مستقبلية في أسعار التذاكر.

 

ولا تتضمن المعلومات المتاحة قرارًا بزيادة التذاكر بسبب القرض، لكن غياب هذا القرار حاليًا لا يغني عن طلب سياسة تسعير معلنة تحمي محدودي الدخل وتوضح الدعم المتوقع للخدمة بعد تشغيلها.

 

فإذا استندت الحسابات إلى تحميل الركاب تكلفة تتجاوز قدرتهم، فقد تتراجع استفادتهم من المشروع، وتضعف بعض منافعه الاجتماعية؛ ولذلك يجب أن تكون القدرة على تحمل الأجرة جزءًا من الدراسة منذ البداية.

 

وتحتاج الحكومة كذلك إلى إتاحة مقارنة بين تكلفة التوسع الجديد وتكلفة تحسين الخطوط القائمة وربط وسائل النقل، حتى يتبين أن تخصيص الموارد يستجيب لاحتياجات المواطنين الفعلية ويحقق أفضل استخدام ممكن لها.

 

إن الحكومة مطالبة بإثبات أن المليار المقترح سيشتري خدمة مستدامة وقدرة صناعية أكبر، مع سداد قابل للتحمل؛ فالمواطن يستحق مترو أفضل، ويستحق أيضًا ألا تُرهن موارده المقبلة بقرارات محاطة بالغموض.