فتح إعلان شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية فسخ التعاقد مع نحو ست شركات تطوير عقاري بابًا للمساءلة يتجاوز سحب الأراضي، ليشمل كفاءة الاختيار والرقابة، وتكلفة تعطيل التنمية في مشروع منحته السلطة أولوية استثنائية.

 

وبين رواية الفسخ بسبب عدم الالتزام، والتساؤل عما إذا كانت شركات تخرج اقتصاديًا من المشروع، تبقى الحكومة مطالبة بكشف الوثائق والحسابات؛ فاستعادة الأرض لا تستعيد الوقت، ولا تجيب وحدها عن مصير الأموال المنفقة.

 

 

فسخ معلن وأسئلة انسحاب معلقة

 

قال خالد عباس، رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية والعضو المنتدب، إن الشركات المعنية لم تلتزم بالإجراءات والجداول المتفق عليها، ولم تبدأ البيع والتنفيذ وفق التوقيتات التعاقدية، ما سهّل سحب الأراضي.

 

وهذه الرواية تثبت إعلان فسخ تعاقدات، لكنها لا تكشف وحدها الأسباب الاقتصادية وراء توقف الشركات؛ فلا تتضمن المعلومات المعروضة أسماءها، أو مساحات أراضيها، أو تواريخ التخصيص، أو تفاصيل الإنذارات والتسويات المالية.

 

لذلك، لا يمكن الجزم بأن الفسخ يخفي انسحابًا اختياريًا، كما لا يكفي وصف الشركات بغير الجادة لإغلاق الملف؛ فالمطلوب معرفة ما إذا كانت عاجزة ماليًا، أم مخالفة إداريًا، أم أعادت تقييم الجدوى.

 

والفارق مهم للمحاسبة؛ فإذا كانت المشكلة ضعف الملاءة، وجبت مراجعة معايير التأهيل، وإذا كانت خلافات تعاقدية، وجب توضيحها، وإذا تراجعت الجدوى، أصبحت افتراضات الطلب والأسعار ومراحل التنفيذ نفسها موضع فحص.

 

وفي نقد سابق لبنية إدارة الاقتصاد، شدد يزيد صايغ، الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية، في يناير 2025، على قصور الشفافية المالية وتعثر الإصلاح الهيكلي المرتبط بالأنشطة الاقتصادية للدولة والمؤسسة العسكرية.

 

وانتقد صايغ استمرار الإنفاق الضخم على المشروعات الكبرى، معتبرًا أن الإفصاح المالي الشامل أهم من إجراءات محدودة تُقدَّم باعتبارها إصلاحًا؛ وهو نقد سابق للسياسات العامة، وليس شهادة بشأن الشركات الست تحديدًا.

 

وعند تطبيق معيار الشفافية على الواقعة، يصبح السؤال المحرج للإدارة: كيف اجتازت هذه الشركات إجراءات التخصيص أصلًا، وما الضمانات المقدمة، ومتى ظهرت أول مؤشرات الإخلال، وكيف جرى التعامل معها قبل الفسخ؟

 

لا تعني هذه الأسئلة ثبوت تقصير المسؤولين، لكنها تحدد ما ينبغي التحقيق فيه؛ فالإدارة لا تحصل على براءة تلقائية بمجرد معاقبة المطور، خصوصًا إذا كانت مكلفة باختياره ومتابعته وحماية أصول المشروع.

 

ولكي يصبح الفسخ إجراءً يحمي التنمية فعلًا، يجب نشر حصيلته المالية وخطة إعادة استغلال الأراضي، بدل الاكتفاء بتقديم سحبها باعتباره نجاحًا مكتملًا، بينما تبقى أسباب تعطيلها وتكلفته بعيدة عن الجمهور.

 

 

المليارات تحتاج حسابًا لا دعاية

 

السؤال عن المليارات المنفقة على العاصمة مشروع، لكن ربط خسارة محددة بفسخ هذه العقود يحتاج حسابات غير متاحة في التصريحات؛ فلا يجوز اعتبار إجمالي تكلفة المدينة أموالًا ضائعة بسبب ست شركات.

 

في المقابل، لا تعفي هذه الحدود المعلوماتية الحكومة من المساءلة عن كفاءة الإنفاق؛ إذ يجب حساب ما أُنفق لخدمة القطع المسحوبة، ومقدار الانتفاع بالمرافق المشتركة، وتكلفة تأجيل الإيرادات وإعادة الطرح والتطوير.

 

فالمال المستثمر في أرض أو مرفق لا يفقد قيمته تلقائيًا عند تأخر مشروع، لكن تعطيل استخدامه قد يخفض عائده، ويؤجل استرداد تكلفته، ويجمد موارد كان يمكن توجيهها إلى احتياجات أخرى.

 

وفي تحليل نشره في ديسمبر 2025، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني التوسع في الاستدانة، وتوجيه الموارد إلى مشروعات وصفها بغير الإنتاجية، وأدرج العاصمة الإدارية ضمن أمثلته على اختلال أولويات الإنفاق.

 

ودعا الميرغني إلى وقف الاستثمارات غير الضرورية، وتعزيز الزراعة والصناعة، وربط التمويل بعوائد واضحة؛ معتبرًا أن تضخم أعباء الديون يضغط على الموارد المتاحة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ويقيد فرص التنمية.

 

هذا الرأي لا يثبت إهدارًا ماليًا في العقود المفسوخة، لكنه يطرح معيارًا غائبًا عن خطاب الترويج: ماذا عاد على المجتمع مقابل الموارد المخصصة، وكيف تقارن النتائج الفعلية بالوعود السابقة للمشروع؟

 

ويشمل الحساب المطلوب قيمة الأرض، والإنفاق على البنية الأساسية، وتكاليف التمويل والتشغيل، والمبالغ المحصلة من المطورين، وأي مستحقات مردودة أو غرامات؛ مع فصل حسابات الشركات الست عن بقية مكونات العاصمة.

 

كذلك ينبغي قياس تكلفة الفرصة البديلة، أي العائد الذي كان يمكن تحقيقه باستخدام الموارد بصورة مختلفة؛ لأن المفاضلة بين مشروع عقاري وخدمات أو استثمارات إنتاجية قرار سياسي واقتصادي يستحق النقاش.

 

أما الاكتفاء بإبراز ارتفاع أسعار الأراضي والوحدات، فلا يقدم ميزانية نجاح مكتملة؛ فزيادة التقييمات لا تعادل تدفقات نقدية محققة، ولا تثبت كفاءة الإنفاق، ولا تمحو تكلفة الانتظار على الدولة والمتعاملين.

 

 

المشترون بين الانتظار وأرباح ورقية

 

وفي ملف منفصل عن الشركات المسحوبة أراضيها، نصح عباس عملاء المشروعات المتأخرة بعدم التسرع في رد الوحدات، مستندًا إلى ارتفاع الأسعار مقارنة بالطروحات الأولى، ومؤكدًا أن التأخير لا يعني بالضرورة التعثر.

 

ومن الضروري الفصل بين الملفين؛ فبحسب روايته، لم تبدأ الشركات الست البيع، وبالتالي لا تتوافر في المادة المعروضة أدلة على تحصيلها أموال مشترين، بينما تتعلق نصيحته بمشروعات أخرى تأخر تنفيذها.

 

لكن مخاطبة المشتري بمنطق ارتفاع السعر تتجاهل جانبًا أساسيًا من الصفقة؛ فقد اشترى وحدة للانتفاع بها في موعد محدد، وربما يتحمل إيجارًا وأقساطًا معًا، دون أن يستطيع استخدام العقار المنتظر.

 

والربح الدفتري لا يسدد إيجار المسكن البديل، ولا يعوض تلقائيًا سنوات التأخير؛ كما أن إمكانية إعادة البيع تتوقف على وجود مشترٍ وسيولة وشروط تنازل، وليس على أسعار الإعلانات وحدها بالسوق.

 

وفي دراسة نشرها في مايو 2024، انتقد يحيى شوكت، الباحث والمحلل المتخصص في سياسات الإسكان والعمران، توجه النشاط العقاري العام نحو الفئات الأعلى دخلًا، وما يرتبط به من تسليع السكن.

 

كما انتقد احتجاز نسب كبيرة من أرباح مؤسسات عقارية عامة بدل تحويلها إلى الخزانة، ودعا إلى ضبط إدارتها لتحقيق منفعة اجتماعية؛ وهو طرح يجعل مصالح السكان معيارًا لتقييم السياسات العقارية.

 

وبهذا المعيار، لا تكفي مطالبة العملاء بالصبر؛ بل تحتاج المشروعات المتأخرة إلى بيانات إنجاز قابلة للتحقق، ومواعيد محدثة، وتوضيح أسباب التأخير، وآليات شكاوى فعالة، وتسويات معلنة تحفظ مصالح الأطراف المعنية.

 

ولا ينبغي أن يتحول دعم المطورين إلى إعفاء مفتوح من الالتزامات، أو أن تتحول حماية السوق إلى حجة لإخفاء المعلومات؛ فالاستقرار يستند إلى الثقة والمحاسبة، لا إلى تعليق المخاطر فوق رؤوس المشترين.

 

وتقع المسؤولية السياسية على الحكومة في تقديم كشف حساب للمشروع، والإدارية على الجهات المختصة في تفسير الاختيار والمتابعة، والتعاقدية على كل شركة وفق التزاماتها؛ فلا يجوز اختزال المساءلة في الطرف الأضعف.

 

لن يحسم الجدل تكرار كلمة الفسخ أو نفي الانسحاب، وإنما نشر المستندات وتحديد التكلفة والمسؤوليات؛ فالأرض قد تعود إلى الشركة، لكن الوقت الذي ضاع يحتاج تفسيرًا، والأموال المنفقة تحتاج حسابًا.