تفرض المنظومة التعليمية الراهنة على الطلاب عبئا ثقيلا يبدأ من الصباح الباكر داخل فصول مكدسة بالتلاميذ وتفتقر لأدنى المقومات البيئية والتربوية والصحية اللازمة لعملية الاستيعاب.
بناء على ذلك، تضيع ساعات طويلة من يوم الطالب بين جدران الفصول المدرسية الرسمية دون تحقيق أي استفادة حقيقية تعوضه عن اللجوء الحتمي والاضطراري إلى مصادر تعلم بديلة ومكلفة للغاية.
علاوة على ذلك، يضطر الطلاب إلى الهروب السريع فور انتهاء الطابور واليوم المدرسي لبدء رحلة أخرى شاقة ومستنزفة تستهلك ما تبقى في أجسادهم الضعيفة من طاقة جسدية ونفسية مشحونة بالتوتر.
ومن ثم، يتحول الشارع المصري يوميا إلى ساحة سباق مرعوبة يتدافع فيها الصغار والمراهقون لحجز مقاعدهم الأولى داخل مراكز الدروس الخصوصية والسناتر المنتشرة بكثافة مرعبة في كافة الأحياء والمدن.
نتيجة لذلك، تشهد وسائل المواصلات العامة والخاصة تكدسا رهيبا وخانقا يزيد من حدة الضغط العصبي والإنهاك البدني والنفسي لدى الطلاب قبل أن تبدأ حصصهم التعليمية البديلة في تلك المراكز المزدحمة.
بالإضافة إلى هذا، يرى الباحث التربوي كمال مغيث أن إصرار الوزارة على نظام الحضور الإجباري المتزامن مع عدم وجود تطوير حقيقي للمدارس يمثل عقابا ممنهجا وتعذيبا مستمرا للطالب وأسرته في مصر.
حيث إن التلميذ يستهلك طاقته البدنية كاملة في رحلات التنقل المعقدة والجلوس في فصول مكدسة وغير مجهزة، مما يجعله يستقبل حصص الدروس الخصوصية المسائية وهو في حالة من الإعياء الذهني والإنهاك التام.
ولذلك، يفقد التعليم قيمته التربوية العليا ويتحول في ظل هذه السياسات العقيمة إلى مجرد تجارة استهلاكية تهدف لجمع الأموال الطائلة على حساب راحة الأسر المطحونة ومستقبل الأبناء المجهدين طوال العام الدراسي.
استنزاف بدني مستمر في المواصلات
تواجه الأسر المصرية أزمة حقيقية ومعقدة للغاية في تنظيم أوقات أبنائها الطلاب الذين باتوا يقضون قرابة خمس ساعات كاملة يوميا في التنقل المنهك بين جدران المدارس الصباحية ومراكز الدروس الخصوصية المسائية.
تأسيسا على هذا، يتأثر البناء الجسدي والنمو الحركي للمراهقين سلبا نتيجة الجلوس لفترات طويلة للغاية في وسائل نقل عامة غير مريحة ومتهالكة، وتحت تقلبات الطقس القاسية من حرارة شديدة أو برودة قارسة.
كما أن هذا الإرهاق البدني المتراكم يمنع الطلاب بصورة قطعية من ممارسة أي أنشطة رياضية أو هوايات ترفيهية تساهم في بناء شخصيتهم وتفريغ طاقاتهم بشكل متوازن وصحي وسليم يقيهم الأمراض الجسدية المختلفة.
غير أن المشكلة تتضاعف بشكل مأساوي عندما يعود الطالب إلى منزله في وقت متأخر من الليل، ليجد نفسه مجبرا على بدء معركة طاحنة أخرى مع الواجبات المدرسية المتراكمة والتكليفات المطلوبة منه لليوم التالي.
بالتوالي، تؤكد الدكتورة بثينة عبد الرؤوف الخبيرة التربوية أن البنية التحتية للمواصلات والمدارس غير مؤهلة نهائيا لاستيعاب روتين يومي خانق وقاتل يمتد لأكثر من ست عشرة ساعة متواصلة من العمل الذهني والبدني الشاق.
إذ تشير إلى أن غياب التنسيق بين المناهج التعليمية الطويلة والوقت الزمني المتاح يدفع الطالب تلقائيا للوقوع في فخ التشتت الذهني الدائم والإرهاق المزمن الذي يدمر قدراته على التفكير المنطقي والتحليل السليم.
بناء عليه، يصبح اليوم الدراسي بمثابة عقوبة قاسية يدفع ثمنها الطالب من صحته ونموه الطبيعي دون تحقيق أي عائد تعليمي حقيقي يذكر، وسط صمت مطبق من المسؤولين عن إدارة هذه المنظومة المتهالكة.
تدمير الصحة النفسية وحرمان النوم
ينعكس هذا الجدول اليومي المزدحم بشكل كارثي ومخيف على الاستقرار النفسي والعاطفي لآلاف الطلاب الذين باتوا يعيشون تحت وطأة ضغط عصبي مستمر وتوتر وقلق دائم لا يتوقف طوال أشهر العام الدراسي الطويل.
لذلك، يضطر الطالب مكرها لتقليص ساعات نومه وحرمانه البيولوجي منها لتصل إلى أقل من أربع ساعات يوميا، وذلك لإنهاء كافة التكليفات والواجبات الكثيرة المطلوبة منه للمدرسة والمدرس الخصوصي على حد سواء في آن واحد.
تبعا لهذا، يؤدي الحرمان المزمن من النوم والراحة إلى اضطرابات حادة في المزاج العام وشعور دائم بالاكتئاب والإحباط والخوف والرعب المستمر من الفشل الدراسي وخسارة مستقبلهم الأكاديمي في نهاية المطاف.
في المقابل، تحذر الدكتورة منال عمر استشارية الطب النفسي للأطفال من تزايد حالات الانتكاسات النفسية والاكتئاب الحاد بين طلاب المدارس بمختلف المراحل التعليمية بسبب هذا الروتين اليومي القاتل والمستنزف لحيويتهم ونشاطهم الطبيعي.
وتوضح أن غياب فترات الراحة والترفيه يمنع الدماغ البشري تماما من تفريغ الشحنات النفسية السلبية الناتجة عن الضغط، مما يؤدي بالتبعية إلى حدوث حالات انهيار عصبي متكررة وحادة داخل أغلب البيوت المصرية.
من هذا المنطلق، تحولت المنازل إلى ثكنات عسكرية خانقة يسودها الصراخ الدائم والخوف والرعب، وتلاشت منها تماما كل مظاهر الحياة الاجتماعية الطبيعية والدعم النفسي المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب هموم الدراسة والامتحانات.
فشل التحصيل الأكاديمي والنمو العقلي
يؤدي الإجهاد البدني المتواصل ونقص ساعات النوم إلى تراجع حاد وملموس في قدرة الخلايا العقلية على استيعاب المعلومات الجديدة وتحليلها بشكل منطقي وسليم خلال فترات الاستذكار والتحضير المنزلي المتأخر من الليل.
بناء على ما تقدم، يصبح الطلاب معتمدين كليا على الحفظ التلقيني السريع والآلي بهدف اجتياز الامتحانات المؤقتة، دون وجود أي فهم حقيقي أو استيعاب عميق للمحتوى العلمي المعروض في المناهج الدراسية الطويلة والمعقدة.
ارتباطا بذلك، يفاجأ المعلمون والخبراء دائما بتراجع مستويات الطلاب بشكل صادم في الامتحانات القومية النهائية، رغم الساعات الطويلة والمجهدة التي يقضونها يوميا في المذاكرة العقيمة والتردد المستمر على مراكز الدروس الخصوصية والسناتر المعتمة.
بالمثل، يلفت الدكتور محمد زهران مؤسس تيار استقلال المعلمين إلى أن المنظومة التعليمية الحالية باتت تقيس بدقة قدرة الطالب على تحمل التعذيب البدني والنفسي المستمر، بدلا من قياس الذكاء والقدرات العقلية والمهارات الفردية المتنوعة.
ويرى أن إجبار الطلاب على هذا النمط المرهق ينتج في النهاية عقولا مشوهة وغير قادرة على الابتكار أو الإبداع أو مواكبة المتطلبات المتسارعة للعصر الحديث والتحديات العلمية والعملية الصعبة داخل الجامعات ومؤسسات العمل المختلفة.
بالتالي، تنتهي الرحلة الدراسية الشاقة بطالب محطم تماما على المستويين النفسي والجسدي، ويحمل في يده شهادة كرتونية لا تؤهله لأي شيء حقيقي سوى الانضمام المباشر لصفوف البطالة المقنعة المتزايدة في شتى بقاع البلاد.

