استشهدت الفلسطينية إيمان شلوف وجنينها، السبت، متأثرين برصاص قوات الاحتلال جنوب خان يونس، بينما تكشف شهادات عسكريين إسرائيليين في فيلم وثائقي آليات استهداف المدنيين، وتتواصل الاعتقالات واعتداءات المستوطنين في الضفة.

 

وتجمع الوقائع بين مأساة تتجدد داخل غزة وشهادات تشرح جانبًا من صناعة القتل خلف الشاشات، فيما يعيد سقوط ضحايا بعد وقف إطلاق النار طرح السؤال عن الحماية الغائبة والمحاسبة المؤجلة على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

 

إيمان وجنينها يلحقان بضحايا وقف النار

 

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، نقلًا عن مصدر طبي، باستشهاد إيمان شلوف وجنينها يوم السبت 12 سبتمبر، بعد ثلاثة أيام من إصابتهما برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي جنوب مدينة خان يونس.

 

ولا تتوقف مأساة إيمان عند إضافتها إلى حصيلة الضحايا؛ فاستشهادها وهي حامل يجسد امتداد أثر إطلاق النار إلى حياة لم تبدأ بعد، ويكشف الثمن الإنساني لاستمرار تعريض المدنيين للخطر.

 

وبحسب الحصيلة التي أوردتها «وفا»، بلغ عدد الشهداء منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي 1359 شهيدًا، فيما وصل عدد المصابين خلال الفترة نفسها إلى 4571 مصابًا.

 

وسُجلت كذلك 831 حالة انتشال، بينما لا يزال ضحايا تحت الركام، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم، ما يبقي معاناة العائلات مفتوحة مع استمرار انتظار معرفة مصير ذويهم.

 

وارتفع إجمالي حصيلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 73,670 شهيدًا و174,682 مصابًا، وفق الوكالة الفلسطينية، في أرقام تعكس اتساع الفقد والإصابات بين سكان القطاع.

 

وتضع هذه الحصيلة معنى وقف إطلاق النار أمام اختبار قاسٍ؛ فاستمرار سقوط الشهداء وبقاء الضحايا تحت الأنقاض يكشفان فجوة بين إعلان التهدئة وقدرة الفلسطينيين على النجاة والوصول إلى الأمان.

 

 

«نازا» يكشف القتل بشهادات من داخله

 

وفي مهرجان البندقية السينمائي، نقل فيلم «نازا» جانبًا من الحرب إلى الشاشة، عبر شهادات 24 ضابط استخبارات وجنديًا إسرائيليًا شاركوا في عمليات المراقبة والاستهداف والقتل عن بعد داخل قطاع غزة.

 

وعُرض الفيلم، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل زور، الخميس، ضمن المنافسة على جائزة الأسد الذهبي، بوصفه الوثائقي الوحيد المتنافس عليها، وفق التغطيات المنشورة، وحظي بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة.

 

 

 

 

وأنتجت صحيفة «الغارديان» الفيلم، الذي يستمد اسمه من اختصار عسكري إسرائيلي يُستخدم للإشارة إلى المدنيين المتوقع مقتلهم خلال هجوم، بما يضع لغة المؤسسة العسكرية نفسها في صلب الحكاية المعروضة.

 

وتكمن قسوة هذا المصطلح في تحويل أشخاص وعائلات إلى تقدير عددي يسبق الضربة، بينما تعيد الشهادات إلى الواجهة سؤال ما يعرفه القائمون على الاستهداف عن الموجودين داخل المباني قبل قصفها.

 

وبحسب الشهادات الواردة في الوثائقي، استخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد أعداد كبيرة من الأهداف المحتملة، من بينها أشخاص صُنّفوا ضمن عناصر حركة حماس منخفضي الرتب.

 

ويقول المشاركون إن المستهدفين كانوا يُقصفون داخل منازلهم ليلًا، رغم معرفة أن الهجمات ستقتل أيضًا أفرادًا من عائلاتهم، ما يجعل العلم المسبق بوجود المدنيين محورًا أساسيًا في الروايات التي يقدمونها.

 

وتتحدث الشهادات عن اختراق هواتف لتحديد مواقع الأشخاص المستهدفين، وعن التنصت على محادثاتهم مع زوجاتهم وأطفالهم، أحيانًا قبل وقت قصير من تنفيذ هجمات أدت إلى مقتل أفراد الأسر الموجودة.

 

وتطرح هذه الروايات أسئلة عن القرارات البشرية التي تحيط بالتكنولوجيا: من يوافق على الضربة، وكيف تُقيّم حياة المدنيين، وما الحدود التي كانت تحكم التنفيذ بعد معرفة وجود عائلات داخل المنازل.

 

ولا يقتصر الوثائقي على استهداف أفراد، إذ يتضمن شهادات عن تدمير أحياء كان الجيش يقدر أن ما يصل إلى 25 بالمئة من سكانها لا يزالون يحتمون بمنازلهم، وفق المادة المنشورة.

 

وتنقل هذه التفاصيل النقاش من دقة الوسيلة المستخدمة إلى طبيعة القرار الذي تخدمه؛ فالمعلومات التفصيلية عن السكان، بحسب الشهادات، لم تمنع تنفيذ هجمات مع توقع سقوط ضحايا مدنيين داخل المواقع.

 

وتظل الوقائع المعروضة منسوبة إلى شهادات المشاركين والتحقيقات التي يستند إليها الفيلم، وتنبع أهميتها من صدورها عن أشخاص عملوا داخل المنظومة، بما يفتح مجالًا لفحص الأوامر والممارسات والمسؤوليات المرتبطة بها، بعيدًا عن الاكتفاء بالإنكار.

 

أما التصفيق الطويل في البندقية، فيعكس صدى العمل لدى جمهوره، لكنه لا يوقف رصاصة في غزة؛ إذ تبقى قيمة الكشف مرتبطة بما يثيره من تحقيق ومساءلة واهتمام بحماية المدنيين.

 

 

اعتقالات بالضفة ورصاص يلاحق أهالي فقوعة

 

وفي الضفة الغربية، وثق مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين اعتقال ستة فلسطينيين فجر السبت، بينهم شقيقان وأسير محرر، خلال اقتحامات تخللتها مداهمة منازل وتحطيم محتوياتها، بحسب البيان الذي نقلته وكالة «سبأ».

 

وقال المكتب إن قوات الاحتلال اقتحمت قرية فقوعة شرق جنين، واعتقلت الأسير المحرر حارث مساد والشاب بشير مساد، في إطار حملة شملت مواقع أخرى داخل المحافظة خلال ساعات الفجر.

 

وشملت الأسماء الواردة في البيان محمود خالد ياسين، الذي اعتُقل بعد مداهمة منزله في قرية دير أبو ضعيف، وفادي الهندي، الذي اعتقلته القوات خلال اقتحام منطقة النسيم بمدينة جنين.

 

وفي طمون جنوب طوباس، أورد المكتب اعتقال الشقيقين حسني وأسامة، وقال إن احتجازهما استهدف الضغط على شقيقهما المطارد لتسليم نفسه، بعد اقتحام منزل العائلة وتحطيم محتوياته خلال العملية العسكرية.

 

وأكدت «وفا» بدورها اعتقال شقيقين في طمون عقب مداهمة منزل ذويهما، ونقلت عن نادي الأسير أن الاقتحام شمل تفتيش منازل والعبث بمحتوياتها، فيما نسب مكتب إعلام الأسرى للعملية هدفًا ضاغطًا.

 

واعتبر مكتب إعلام الأسرى أن اعتقال أقارب المطاردين وإعادة اعتقال أسرى محررين يعكسان تصاعد التنكيل والضغط الجماعي، وهو توصيف يربط الإجراءات الميدانية بما تتحمله العائلات من تهديد واضطراب داخل منازلها.

 

وفي فقوعة أيضًا، تحدثت روايات محلية عن إصابة فلسطينيين اثنين برصاص مستوطنين، بينما نقلت «وفا» عن رئيس المجلس القروي إصابة مواطن برصاص الجيش خلال تصدي الأهالي لاعتداءات مستوطنين على أراضيهم.

 

وبحسب رواية رئيس المجلس بركات العمري، تدخلت قوات الاحتلال وأطلقت النار، فأصابت مواطنًا في قدمه، بعد محاولة الأهالي منع مستوطنين من رعي مواشيهم بأراضيهم، بما يهدد وصول المزارعين إلى مصادر رزقهم.

 

وبين رصاص خان يونس واقتحامات الضفة وشهادات «نازا»، تتعدد صور تعريض الفلسطينيين للموت والاعتقال وفقدان الأمان، بينما يبقى المطلب الأكثر إلحاحًا وقف الاعتداءات وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.