تتزايد في فرنسا خلال السنوات الأخيرة الضغوط السياسية المرتبطة بارتداء الحجاب، في ظل تحركات من جانب تيارات محافظة وأحزاب يمينية تسعى إلى توسيع القيود المفروضة على الرموز الدينية، لتصل إلى الجامعات وربما إلى نطاق أوسع من الحياة العامة.

 

ويعود الجدل الفرنسي حول الحجاب إلى عقود مضت، إذ لم تبدأ القضية مع التشريعات التي صدرت خلال الألفية الجديدة، وإنما تعود إلى عام 1989، عندما رفضت ثلاث طالبات مسلمات نزع حجابهن داخل مدرسة بمدينة كريل الواقعة شمالي باريس، لتتحول الواقعة إلى واحدة من أبرز محطات النقاش الفرنسي حول العلمانية والرموز الدينية، وخاصة الإسلامية منها.

 

 

قضية بدأت من المدارس

 

في خريف عام 1989، تصاعدت أزمة داخل مدرسة «غابرييل-هافيز» الإعدادية في كريل، بعدما رفضت ثلاث طالبات خلع الحجاب أثناء وجودهن في الفصول، وهو ما أدى إلى طردهن من المدرسة.

 

لكن القضية لم تنته عند هذا الحد، ففي 27 نوفمبر من العام ذاته أصدر مجلس الدولة الفرنسي قرارا أكد أن ارتداء الطلاب لرموز تعبر عن انتمائهم الديني لا يمثل، في حد ذاته، مخالفة لمبدأ العلمانية.

 

ومع ذلك، ظل الحجاب حاضرا في النقاش السياسي والمجتمعي الفرنسي، وتحوّل بمرور الوقت من قضية مرتبطة ببعض المدارس إلى ملف أوسع يتداخل فيه القانون مع قضايا الهوية والدين والحريات الفردية.

 

 

قوانين جديدة وسعت القيود

 

في 15 مارس 2004، أقر البرلمان الفرنسي قانونا يمنع ارتداء الرموز والملابس التي تظهر بصورة واضحة الانتماء الديني داخل المدارس الحكومية. ورغم أن التشريع لم يذكر الحجاب الإسلامي بشكل مباشر، فإنه أصبح أبرز الرموز الدينية التي ارتبطت بتطبيق القانون والنقاش الذي سبقه.

 

وبدأ العمل بالقانون مع انطلاق العام الدراسي 2004-2005، لتدخل فرنسا مرحلة جديدة من تنظيم ظهور الرموز الدينية داخل المؤسسات التعليمية الحكومية.

 

وفي عام 2010، اتجهت القيود إلى نطاق أوسع، بعدما أُقر قانون يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، مع فرض غرامة تصل إلى 150 يورو على من يخالف أحكامه.

 

ولم يتوقف الجدل عند الطالبات، إذ امتد إلى الأمهات المحجبات اللاتي يرافقن أبناءهن في الرحلات المدرسية، قبل أن يصدر مجلس الدولة عام 2013 موقفا أتاح لهن ارتداء الحجاب في هذا السياق.

 

 

الجامعات تدخل دائرة الجدل

 

بعد مرور أكثر من 30 عاما على واقعة كريل، انتقلت المعركة السياسية حول الحجاب إلى التعليم العالي، مع تزايد الأصوات التي تطالب بفرض قيود جديدة على الطالبات المحجبات داخل الجامعات الفرنسية.

 

وتواجه هذه الدعوات انتقادات وتحذيرات من جهات حقوقية وأكاديمية ترى أن توسيع نطاق الحظر داخل الجامعات قد يثير تساؤلات بشأن الحريات الفردية وحق الطلاب في ممارسة معتقداتهم داخل الحرم الجامعي.

 

ويرى الكاتب والمحرر الفرنسي توماس ديلتومب، المتخصص في دراسة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام، أن واقعة كريل شكلت بداية لمسار طويل من الجدل حول حضور الرموز الدينية للمسلمين في المجتمع الفرنسي.

 

وبحسب ديلتومب، لم تعد القضية مرتبطة فقط بالقواعد الخاصة بالمدارس، بل أصبحت جزءا من نقاش أوسع حول مكانة المسلمين وهويتهم داخل المجتمع الفرنسي.

 

 

اليمين يطرح حظرا أوسع

 

عاد ملف الحجاب إلى صدارة المشهد السياسي مع طرح تيارات يمينية ومتطرفة مقترحات لتوسيع نطاق الحظر خارج المؤسسات التعليمية.

 

وأعلن مسؤولون في حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أن الحزب يعتزم، في حال وصوله إلى السلطة بعد الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، فرض حظر على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، إلى جانب توقيع غرامات على المخالفين.

 

كما تحدث الحزب عن إمكانية طرح القضية أمام الناخبين من خلال استفتاء، في خطوة تعكس حجم حضور الملف في الخطاب السياسي لليمين الفرنسي.

 

وفي السياق نفسه، أعلن برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين من تيار يمين الوسط للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، تأييده لمنع ارتداء الحجاب داخل الجامعات في حال فوزه بالانتخابات.

 

وتكشف هذه المواقف عن انتقال النقاش من مسألة تنظيم الرموز الدينية داخل المدارس إلى محاولة فرض قيود أكثر اتساعا على الحجاب في مؤسسات ومجالات مختلفة.

 

 

الحجاب حاضر في الرياضة

 

امتدت القيود والنقاشات المتعلقة بالحجاب أيضا إلى المجال الرياضي، إذ منعت السلطات الرياضية الفرنسية، خلال دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها فرنسا عام 2024، أفراد بعثتها من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات.

 

وأعاد القرار آنذاك طرح التساؤلات بشأن حدود تطبيق مبدأ العلمانية، وما إذا كانت القيود المفروضة على الرموز الدينية تتعارض مع حق اللاعبات في التعبير عن معتقداتهن.

 

وبذلك لم يعد الجدل حول الحجاب محصورا في المدارس والجامعات، وإنما أصبح حاضرا في الرياضة والمؤسسات العامة والنقاش السياسي المتعلق بالهوية الفرنسية.

 

 

الإعلام وصورة المسلمين

 

ولا يرى ديلتومب أن الجدل الحالي يمكن فهمه بمعزل عن الطريقة التي تناول بها الإعلام الفرنسي الإسلام والمسلمين على مدار العقود الماضية.

 

وفي كتابه «الإسلام المتخيل: البناء الإعلامي للإسلاموفوبيا في فرنسا 1975-2005»، الصادر عام 2005، تناول ديلتومب تطور صورة الإسلام في وسائل الإعلام الفرنسية خلال تلك الفترة.

 

وأوضح في حديثه أن الإسلام لم يكن في العقود الأولى موضوعا يحظى باهتمام واسع في الإعلام الفرنسي، قبل أن يتغير الوضع منذ سبعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تزايد الاهتمام بالعمال الأجانب الموجودين في فرنسا، ومن بينهم مهاجرون من دول ذات أغلبية مسلمة.

 

وبدأت وسائل الإعلام آنذاك في تسليط الضوء على ثقافات هؤلاء المهاجرين وأنماط حياتهم، إلى جانب تناول قضايا مرتبطة بالإسلام ووجود المسلمين في المجتمع الفرنسي.

 

لكن ديلتومب يعتبر أن الثمانينيات مثلت نقطة تحول أساسية، حين بدأ التركيز الإعلامي على الهوية الإسلامية للمسلمين بصورة أكبر من ذي قبل.

 

ويرى أن هذه المرحلة ساهمت في تكريس ما وصفه بـ«إسلامنة النظرة إليهم»، بعدما أصبح بعض الصحفيين ووسائل الإعلام والسياسيين يتعاملون مع المسلمين من خلال هويتهم الدينية بالدرجة الأولى، وهو ما ساهم، بحسب تحليله، في تشكيل جزء من الجدل المستمر حتى اليوم حول الحجاب والإسلام في فرنسا.