قد يبدو تحديد شكل الحياة التي نريد أن نعيشها أمرًا بديهيًا، لكن إيرا بيدزوف يرى أن تحمل مسؤولية حياتنا يبدأ بطرح سؤالين أساسيين: «لمن تعيش حياتك؟» و«من ينبغي أن يحدد كيف تعيشها؟». ويؤكد أن الإجابة عن السؤال الثاني تتطلب قدرًا من التأمل الذاتي والقدرة على التمييز بين ما نريده حقًا وما يتوقعه الآخرون منا.



طرح بيدزوف السؤالين على المشاركين في إحدى محاضراته، فجاءت إجاباتهم عن السؤال الأول بسهولة؛ إذ أدرك كل واحد منهم أنه يعيش حياته الخاصة. أما السؤال الثاني، فأثار قدرًا أكبر من التردد. وفي النهاية، أقر الجميع بأنهم مسؤولون عن الطريقة التي يعيشون بها، لكن بعضهم احتاج إلى لحظات قبل الوصول إلى هذه الإجابة. وأظهرت تعليقاتهم أن جزءًا من هذا التردد نابع من استعدادهم للتعامل مع السؤال بصدق، بدلًا من تقديم الإجابة التي ظنوا أن المحاضر يريد سماعها. ومن طريقة استماع بقية المجموعة إليهم، بدا أنهم كانوا ينطقون بصوت مرتفع بما كان آخرون يفكرون فيه.


ويرى الكاتب أن التردد في تحمل مسؤولية الحياة الشخصية يرجع بدرجة كبيرة إلى تعلم الناس كيفية النجاح دون أن يتساءلوا عما يعنيه النجاح بالنسبة إليهم. فقد افترضوا أن النصائح التي تلقوها بشأن الحياة صحيحة بالضرورة بالنسبة لهم، دون إدراك أن النصيحة غالبًا ما تعكس ما كان شخص آخر سيفعله لو كان في موقفهم، وليس بالضرورة ما يريدون هم فعله في الموقف ذاته.


وعندما سأل بيدزوف المشاركين عن شعورهم تجاه القول إنهم مسؤولون عن حياتهم، وصف بعضهم هذا الشعور بأنه ضغط أكثر منه تمكينًا. فإدراك أن طريقة عيش الحياة هي اختيار شخصي قد يكون أمرًا مزعجًا، خصوصًا عندما يعتاد الإنسان السير في طريق رسمه الآخرون له. ويبدو من الأسهل أحيانًا معرفة «الطريقة الصحيحة» التي يُفترض أن يسلكها المرء، بدلًا من إدراك أنه مطالب بابتكار «الطريقة الصحيحة» بنفسه.


لكن ما يصلح لشخص قد لا يصلح لآخر. فلا توجد طريقة واحدة للحياة تناسب الجميع. وحتى عندما يشترك الناس في قيم معينة أو يسلكون مسارات متشابهة، قد تختلف رغباتهم وقراراتهم. وأظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي أجراهما سيزر وزملاؤه أن الأشخاص الذين يسعون وراء أهداف تتوافق مع قيمهم واهتماماتهم الخاصة، بدلًا من الأهداف التي تحركها توقعات الوالدين أو ضغوط المكانة الاجتماعية أو الخوف من الشعور بالذنب أو المكافآت الخارجية، يكونون أكثر ميلًا إلى بذل جهد أكبر، وإحراز تقدم أكبر، والتمتع بمستويات أعلى من الرفاهية.

 


تحمل مسؤولية اختياراتنا في الحياة


تصبح مسؤولية الإنسان عن حياته أكثر تمكينًا عندما تستند ثقته بنفسه إلى قدرته على التأمل الذاتي. ولا يعني ذلك الانشغال المفرط بالنفس، وإنما فحص الأسباب التي تدفعنا إلى اختيار ما نفعله، والنظر في البدائل المتاحة، والتعلم من النتائج التي تترتب على قراراتنا.


ويساعد التدريب على التأمل الذاتي عندما تكون عواقب القرارات محدودة في تطوير قدرتنا على اتخاذ قرارات أكثر أهمية لاحقًا. ومع الممارسة، نستطيع بناء ثقة أكثر رسوخًا في أحكامنا، بما يشمل فهمًا أفضل للوقت الذي ينبغي فيه إعادة النظر في قرار ما، أو الابتعاد عن «الطريقة الصحيحة» التي يفترض الآخرون أننا يجب أن نسلكها.


ولا يعني ذلك أن القرارات المصيرية في الحياة تصبح أخف وطأة، بل يعني أننا نصبح أكثر قدرة على تحمل ثقلها والتعامل مع مسؤولياتها.

 


ما نريده لا يعني بالضرورة أنه يستحق السعي إليه


يتطلب التفكير في كيفية عيش الحياة أكثر من مجرد تحديد ما نريده؛ إذ ينبغي أيضًا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان ما نريده يستحق السعي إليه. وهنا يظهر مصدر آخر للضغط، يتمثل في محاولة تحديد ما الذي يجعل شيئًا ما جديرًا بالسعي، ومن أين تأتي المعايير التي نستخدمها للحكم على قيمته.


يتذكر بيدزوف أنه عندما كان أصغر سنًا، كان والداه يخبرانه باستمرار أنه يستطيع فعل ما يريد، ما دام ذلك منتجًا. ويقول إن نصيحتهما كان يمكن أن تكون مقتبسة مباشرة من أفكار سوزان وولف في كتابها «المعنى في الحياة ولماذا يهم»، باستثناء أن والديه قدما له هذه النصيحة قبل نحو 15 عامًا من صدور الكتاب.


وتجيب عبارة «افعل ما تريد» عن سؤال «لمن تعيش حياتك؟»، إذ كان والداه يخبرانه بأن الحياة حياته وليست حياتهما، وأن عليه تحديد اتجاهها لتحقيق الإشباع الشخصي والإحساس بالمعنى. فالحياة التي يكرسها الإنسان لخدمة شيء يؤمن به تختلف عن حياة العبودية لذلك الشيء.


أما عبارة «ما دام ذلك منتجًا»، فلم يقصد بها والداه تحقيق المال فقط، بل استخدماها بمعنى يقترب من إصرار وولف على أن المساعي ذات المعنى تمتلك قيمة موضوعية. وترى وولف أن المعنى ينشأ من محبة الأشياء الجديرة بالحب والتفاعل معها بطريقة إيجابية. وبالتالي، فإن مجرد رغبة الإنسان في شيء لا تجعل ذلك الشيء جديرًا بالسعي إليه تلقائيًا.


وتقر وولف بأنها لا تستطيع تقديم تفسير فلسفي كامل لما يجعل مسعى ما جديرًا بالاهتمام، لكنها تشير إلى أن المساعي الجديرة ينبغي أن تتجاوز الذات وألا تقتصر على تحقيق المصلحة الشخصية.


وتترك وولف سؤالًا فلسفيًا مهمًا مفتوحًا، لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية فحص اختياراتنا. وهنا نعود إلى السؤال الثاني: «من ينبغي أن يحدد كيف تُعاش الحياة؟». لا تكمن الإجابة في سوزان وولف ولا في والدي بيدزوف؛ فنحن المسؤولون عن تحديد ما يستحق أن نسعى إليه في حياتنا.

 


التعلم من الآخرين دون التخلي عن استقلالية القرار


لكن تحمل مسؤولية قراراتنا لا يعني أننا مطالبون باتخاذها بمفردنا. فسؤال الآخرين عما يرونه جديرًا بالسعي يمنحنا فرصة لتوسيع رؤيتنا والتعلم من وجهات نظرهم. وبعد الاستماع إلى المسارات التي اختارها الآخرون، نستطيع رسم مسارنا الخاص، مع إدراك ما يجمعنا بهم وما يميزنا عنهم.


فعندما يناقش شخص مع زميل له عرضًا وظيفيًا ويقرر أيهما يقبل، قد يرى الزميل شيئًا سيضطر إلى التخلي عنه ولم يكن قد انتبه إليه. وقد يشكك صديق في افتراض يتعلق بعلاقة عاطفية، بينما تساعدنا الأسرة والمجتمع على تذكر توقعات أو معايير قد تتحدى تفضيلاتنا الآنية.


وتساعدنا هذه الآراء على فحص ما نريده والشخص الذي نأمل أن نصبحه. وفي النهاية، فإن التفكير فيما إذا كانت رغباتنا تستحق السعي إليها يعني أن نسأل كيف تنسجم مع الأشياء الأخرى التي نهتم بها، وما الذي يتطلبه تحقيقها، وكيف تؤثر في الآخرين، وكيف تسهم في تشكيل شخصياتنا.


ولا نستطيع التحكم في كل فرصة أو نتيجة، لكننا نستطيع التحكم فيما نسعى إليه والطريقة التي نسعى بها إلى تحقيقه. وبدلًا من التخلي عن قوتنا ومسؤوليتنا لصالح الآخرين، نستطيع التعلم منهم مع الاحتفاظ بقدرتنا على الاختيار والتصرف، بما يمنحنا أفضل فرصة لتحقيق نجاح نابع من قراراتنا واختياراتنا الذاتية.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/life-well-lived/202609/2-questions-that-will-help-you-choose-a-life-well-lived