يضع التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب أمام اختبار بالغ الصعوبة، وسط مخاوف من توظيف القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة.
وخلال 3 أيام، أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن مقتل 27 شخصًا وإصابة 69 آخرين، بينهم أطفال ونساء ومسعفون، وفق حصيلة غير نهائية أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استعدادات لعقد جولة تفاوضية جديدة برعاية أمريكية، يرجح أن تستضيفها العاصمة الإيطالية روما خلال سبتمبر الجاري.
ولم تعلن السلطات اللبنانية رسميًا حتى الآن موعد الجولة الجديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الميدانية والسياسية على بيروت.
وتبحث المفاوضات عددًا من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وآليات الانسحاب، وانتشار الجيش اللبناني.
كما تتناول المفاوضات الملف المرتبط بسلاح حزب الله، وهو أحد أكثر الملفات تعقيدًا في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق الجنوب.
وكانت روما قد استضافت جولات تفاوضية سابقة، عقب توقيع اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن يوم 26 يونيو الماضي.
وجاء الاتفاق برعاية أمريكية، بهدف خفض التصعيد وفتح الطريق أمام معالجة الملفات الأمنية العالقة بين الجانبين.
لكن التطورات الأخيرة تعيد طرح سؤال أساسي حول قدرة المسار الدبلوماسي على الاستمرار، بينما تتصاعد الضربات الإسرائيلية على الأرض.
ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية قد يضع الوفد اللبناني أمام ضغوط إضافية خلال أي جولة تفاوضية مقبلة.
كما يثير التصعيد مخاوف من انتقال المفاوضات إلى مرحلة مختلفة، تصبح فيها الوقائع العسكرية عنصرًا أساسيًا في تحديد المطالب السياسية.
تصعيد ميداني يسبق مفاوضات روما
في أحدث التطورات، ادعت إسرائيل أن حزب الله أطلق مسيرتين مفخختين باتجاه قواتها في مرتفعات علي الطاهر جنوبي لبنان.
وقالت إسرائيل إن الهجوم لم يسفر عن إصابات، بينما أعلن جيشها تنفيذ ضربات ضد مواقع وعناصر تابعة للحزب.
واستهدفت الضربات الإسرائيلية مناطق دير الزهراني وكفر رمان، وفق الرواية التي أعلنتها تل أبيب.
ولم يصدر تعليق فوري من حزب الله بشأن الرواية الإسرائيلية، كما لم يتبن الحزب إطلاق المسيرتين.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد الغارات والقصف المدفعي في مناطق مختلفة من جنوب لبنان خلال الأيام الماضية.
وكان محيط النبطية من أبرز المناطق التي شهدت تكثيفًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وشهدت بلدة كفر رمان، التابعة لقضاء النبطية، غارة إسرائيلية على مبنى سكني، إلى جانب غارة أخرى استهدفت سيارة.
وأدت الضربات، وفق مصادر لبنانية، إلى سقوط قتلى وجرحى، في مشهد يعكس استمرار التوتر الميداني رغم الحديث عن استئناف المفاوضات.
وأكد الرئيس اللبناني جوزف عون أن الاعتداءات الإسرائيلية تستهدف مسار اتفاق الإطار، وتقوض الجهود المبذولة لوقف التصعيد.
وأشار عون إلى استمرار قتل المدنيين وتدمير المنازل وحرقها وجرف الممتلكات في عدد من المناطق الجنوبية.
ويعكس الموقف اللبناني محاولة الفصل بين المسار الدبلوماسي والتصعيد العسكري، مع استمرار الضغط على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للتحرك.
في المقابل، دعا النائب عن حزب الله إبراهيم الموسوي إلى وقف التفاوض والانسحاب من اتفاق الإطار.
وانتقد الموسوي استمرار المسار الدبلوماسي، في ظل ما وصفه باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
وتضع هذه المواقف الجولة المقبلة أمام معادلة شديدة التعقيد، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول مستقبل الوجود الإسرائيلي جنوبًا.
تفاوض تحت الضغط ومحاولات فرض واقع جديد
يرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي منير الربيع أن التسريبات الإسرائيلية بشأن الانسحاب وإعادة الانتشار تحتاج إلى قراءة أوسع.
وتتحدث بعض التسريبات عن تراجع القوات الإسرائيلية لمسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
ويعتبر الربيع أن هذه التسريبات ربما تستهدف استدراج لبنان إلى جولة جديدة من المفاوضات.
ويربط المحلل ذلك بتوجه إسرائيلي يرى أنه يتجه نحو توسيع الوجود العسكري في جنوب لبنان.
ويشير إلى أن بقاء القوات الإسرائيلية في مناطق بعمق عدة كيلومترات قد يتحول إلى واقع أمني طويل الأمد.
كما يتوقف عند تغيير معالم بعض البلدات ورفع أعلام إسرائيلية فيها، باعتبارها مؤشرات تحتاج إلى متابعة سياسية وميدانية.
وبحسب هذا السيناريو، قد تتحول المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى منطقة أمنية متقدمة داخل الجنوب اللبناني.
وقد تصبح مناطق أخرى خلفها قواعد عسكرية تستخدم لتأمين هذا الوجود وتعزيز القدرة على مراقبة الحدود.
ويرى الربيع أن استمرار الضغط العسكري قد يكون وسيلة لدفع الدولة اللبنانية إلى قبول شروط سياسية وأمنية أكثر صرامة.
ويأتي في مقدمة هذه الشروط، بحسب تقديره، تعزيز دور الجيش اللبناني في التعامل مع ملف سلاح حزب الله.
ويكشف ذلك عن أحد أبرز جوانب الصراع التفاوضي، إذ لا تقتصر الخلافات على الانسحاب الإسرائيلي فقط.
فالترتيبات الأمنية المقبلة ترتبط أيضًا بشكل مباشر بتوزيع الأدوار داخل الجنوب، وطبيعة انتشار الجيش اللبناني.
كما يرتبط الملف بمستقبل سلاح حزب الله، وهو ملف يتجاوز الحسابات العسكرية ليصل إلى صلب المعادلة السياسية اللبنانية.
ومن هنا، فإن أي تقدم في المفاوضات يحتاج إلى تفاهمات دقيقة بشأن الحدود والانتشار وآليات تنفيذ الاتفاقات.
لكن استمرار القصف قد يجعل تحقيق هذه التفاهمات أكثر صعوبة، ويزيد من تشدد المواقف خلال أي لقاء مرتقب.
حسابات إسرائيلية ورسائل إلى الداخل
ترى المحللة السياسية والكاتبة الصحفية ميساء عبد الخالق أن التصعيد الحالي يعكس استمرار سياسة الضغط بالنار على لبنان.
وتوضح أن الرئيس جوزف عون يتمسك بالمسار الدبلوماسي، رغم استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية.
ويطالب الموقف اللبناني بتدخل أمريكي ودولي عاجل لوقف التصعيد، ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية.
وتشير عبد الخالق إلى تعقيد المشهد، مع الحديث الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر.
وفي المقابل، تظهر تسريبات تتحدث عن احتمال إعادة الانتشار لمسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات.
وترى أن التناقض بين هذه المعطيات يعكس غموضًا واضحًا بشأن طبيعة الترتيبات التي تريدها إسرائيل في الجنوب.
ويبقى التصعيد العسكري العامل الأكثر وضوحًا على الأرض، رغم استمرار الحديث عن الحلول الدبلوماسية.
ومن جانبه، يستبعد المحلل السياسي والكاتب الصحفي محمد حمية توسع العمليات الإسرائيلية نحو صيدا أو بيروت أو البقاع شرقًا.
ويعتبر أن الضربات تتركز حاليًا ضمن نطاق جغرافي محدود، خصوصًا في محيط النبطية ودير الزهراني.
ويربط حمية جانبًا من التصعيد بالحسابات السياسية الإسرائيلية، والاستعداد للانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر المقبل.
ويرى أن الحكومة الإسرائيلية تسعى، خلال المعركة الانتخابية، إلى تقديم صورة تؤكد استمرار قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية.
كما تريد، وفق تقديره، فرض معادلة أمنية جديدة على حزب الله وتعزيز صورتها أمام الناخب الإسرائيلي.
وتتمثل الرسالة الموجهة إلى الداخل الإسرائيلي في التأكيد على نجاح الحكومة في تقليص التهديد القادم من الحدود الشمالية.
ويشير حمية إلى أن تل أبيب تريد إظهار قدرتها على منع انتقال القتال إلى داخل إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، يرى أن واشنطن لا ترغب في تحول التصعيد اللبناني إلى حرب إقليمية واسعة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران منذ فبراير الماضي، وما يفرضه من حسابات إقليمية معقدة.
ويشكك حمية في قدرة المفاوضات على تحقيق اختراق حقيقي، إذا استمر الوضع الميداني على حاله.
ويرى أن المشكلة الأساسية تتمثل في اختلال ميزان التفاوض، معتبرًا أن لبنان قدم تنازلات دون خطوات إسرائيلية موازية.
وبذلك، تصبح جولة روما المرتقبة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الوسطاء على الفصل بين التصعيد العسكري والمسار الدبلوماسي.
فإذا استمرت الضربات، قد تدخل بيروت المفاوضات تحت ضغط ميداني متزايد، بينما تسعى تل أبيب إلى تحسين شروطها.
أما نجاح التفاوض، فيتطلب وقف التصعيد وخلق مساحة سياسية تسمح بمناقشة الانسحاب والانتشار وسلاح حزب الله بعيدًا عن لغة القوة.
وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة، خصوصًا مع اقتراب موعد الجولة الثامنة، وسط مخاوف لبنانية من تثبيت وقائع عسكرية جديدة.
وبين التفاوض تحت رعاية أمريكية والتصعيد على الحدود، يبدو جنوب لبنان أمام مرحلة دقيقة قد تحدد شكل العلاقة الأمنية بين الطرفين.

