مع بداية سبتمبر، تعود إلى الشوارع واحدة من أكثر المواسم ارتباطًا بذاكرة الأسر؛ موسم المدارس بما يحمله من دفاتر وكراسات وأقلام وحقائب وملابس وأحذية وكتب، إلى جانب قائمة طويلة من المصروفات التي تبدأ قبل أن يقرع جرس المدرسة أبوابه، ولا تنتهي مع نهاية الفصل الدراسي.
وبينما تحمل العودة إلى الدراسة في العادة مشاعر الفرح والحماس لدى الأطفال، فإنها بالنسبة إلى كثير من الأسر أصبحت موعدًا جديدًا مع ارتفاع الأسعار، وحسابات الدخل والمصروفات، ومحاولات تدبير السيولة اللازمة لتوفير احتياجات الأبناء.
ولم يعد شراء مستلزمات الدراسة مجرد نفقات موسمية يمكن تدبيرها بسهولة، إذ باتت الأسر تواجه زيادات متتالية في أسعار الأدوات والكتب والملابس والمواصلات والمصروفات الدراسية، فضلًا عن الدروس الخصوصية والأنشطة المختلفة، وهو ما دفع بعض المواطنين إلى الاعتماد على الجمعيات، بينما لجأ آخرون إلى الاقتراض لتغطية تكاليف التعليم.
الفجالة ملاذ الأسر الباحثة عن التوفير
وسط هذه الضغوط، تظل منطقة الفجالة في القاهرة واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها المواطنون مع بداية العام الدراسي، بحثًا عن أسعار أقل وتنوع أكبر في الأدوات والمستلزمات المدرسية.
وتحمل الفجالة تاريخًا طويلًا ارتبط بالثقافة والكتب والطباعة والنشر. وعرفت المنطقة قديمًا باسم "الطبالة"، قبل أن يتغير اسمها لاحقًا بعد انتشار زراعة الفجل في أراضيها، لتصبح مع مرور الوقت واحدة من أشهر مناطق القاهرة المرتبطة بالكتب والمكتبات.
وفي عهد الخديوي إسماعيل، بدأت ملامح المنطقة في التغير مع انتشار دور الطباعة والنشر، وتحولت تدريجيًا إلى مركز ثقافي جذب الأدباء والمثقفين والفنانين، قبل أن تتبدل طبيعة النشاط التجاري فيها خلال العقود اللاحقة.
ومع توسع تجارة الأدوات الصحية والسيراميك وغيرها، تراجع الحضور الثقافي للفجالة نسبيًا، لكن المنطقة احتفظت بمكانتها كوجهة رئيسية لشراء الكتب الخارجية والأدوات المكتبية والمدرسية.
ومع بداية الموسم الدراسي الحالي، عاد الزحام إلى شوارعها ومحالها، إذ تبحث الأسر عن أي فرصة لتقليل تكلفة القائمة المدرسية، في ظل ارتفاع الأسعار مقارنة بالعام الماضي.
ويشير أحد باعة الكشاكيل والأقلام إلى أن تكلفة البضاعة ارتفعت بصورة واضحة، موضحًا أن بضائع كانت تكلفه نحو 10 آلاف جنيه خلال الموسم السابق أصبحت تحتاج إلى نحو 13 ألف جنيه هذا العام، في الوقت الذي لا يستطيع فيه زيادة الأسعار بنفس النسبة خشية عزوف المواطنين عن الشراء.
ويقول البائع إن همه الأساسي أصبح بيع البضاعة بالكامل قبل انتهاء الموسم، حتى إذا لم تحقق له الزيادة التي كان يأملها في الأرباح، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
زيادة الأسعار تضغط على ميزانيات الأسر
ولا تقتصر شكاوى المواطنين على الأدوات المدرسية وحدها، بل تمتد إلى مختلف عناصر العملية التعليمية، بداية من المصروفات الدراسية، مرورًا بالكتب والزي المدرسي، ووصولًا إلى النقل والدروس والمستلزمات اليومية.
ومع ارتفاع الأسعار، أصبحت الأسرة مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها قبل بداية العام الدراسي، بعدما تحولت قائمة احتياجات الطفل إلى بند كبير يستنزف جانبًا ملحوظًا من دخل الأسرة.
وتوضح تجارب المواطنين حجم هذه الضغوط، إذ أصبحت بعض الأسر تعتمد على وسائل مالية كانت تستخدمها في السابق لتغطية نفقات أخرى، مثل الجمعيات الشهرية أو الاقتراض من البنوك وجهات التمويل.
وتقول صفاء حسن، وهي ربة منزل وأم لطالبين في المرحلتين الثانوية والإعدادية، إنها اعتادت تدبير جمعية سنوية تحصل على قيمتها مع بداية سبتمبر، بهدف توفير احتياجات أبنائها الدراسية.
لكن ارتفاع التكاليف جعل القيمة التي تحتاج إليها الأسرة أكبر بكثير من السنوات السابقة.
وتشير إلى أنها كانت تدبر جمعية بقيمة 10 آلاف جنيه، لكنها اضطرت هذا العام إلى رفعها إلى 25 ألف جنيه بسبب احتياجات ابنها في المرحلة الثانوية، مؤكدة أن هذا المبلغ يغطي كتب الفصل الدراسي الأول ومستلزماته فقط، بينما لا تعرف حتى الآن كيف ستوفر نفقات النصف الثاني من العام.
وتلخص كلماتها حجم الأزمة بالنسبة إلى الأسر المتوسطة: التعليم أصبح أكثر تكلفة عامًا بعد آخر، لكن التراجع عن تعليم الأبناء ليس خيارًا مطروحًا، مهما ارتفعت الأعباء.
القروض تدخل سباق مصروفات المدارس
وفي الوقت الذي تحاول فيه أسر مواجهة الغلاء من خلال الجمعيات والادخار، اضطرت أسر أخرى إلى الاقتراض لتغطية المصروفات الدراسية.
ومن بين هذه الحالات أميرة حسن، التي فوجئت بارتفاع مصروفات المدرسة التي بدأ فيها طفلها عامه الدراسي الأول.
كانت الأسرة قد رتبت أوضاعها المالية طوال عام كامل، على أساس أن مصروفات المرحلة التي يلتحق بها الطفل تبلغ نحو 40 ألف جنيه، إضافة إلى تكاليف الحافلة والزي والمستلزمات الأخرى.
لكن عند التقديم فوجئت الأسرة بارتفاع المصروفات إلى 70 ألف جنيه، لتجد نفسها أمام فارق مالي لم يكن في حساباتها.
وتقول أميرة إن دخلها ودخل زوجها يتجاوز 40 ألف جنيه شهريًا، ومع ذلك لم يتمكنا من توفير مصروفات مدرسة عادية لطفلهما الوحيد، الأمر الذي دفعهما إلى الحصول على قرض لتغطية النفقات.
وتكشف هذه الحالة عن جانب آخر من أزمة التعليم، يتمثل في أن ارتفاع المصروفات لم يعد يضغط فقط على الأسر محدودة الدخل، وإنما امتد إلى شرائح من الطبقة المتوسطة التي كانت في السابق قادرة على تحمل نفقات المدارس دون الحاجة إلى الاقتراض.
التضخم يغير شكل الحياة الأسرية
ويرى اقتصاديون أن ارتفاع تكلفة التعليم يأتي في إطار موجة أوسع من التضخم وارتفاع الأسعار التي أعادت تشكيل أولويات الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة.
فلم تعد الأسرة تنظر إلى العام الدراسي باعتباره موسمًا لشراء حقيبة ودفاتر وملابس فقط، بل باعتباره التزامًا ماليًا يمتد طوال العام ويشمل عشرات البنود.
وبحسب الدكتور دياب محمد، الخبير الاقتصادي، فإن تكلفة تعليم الطفل الواحد في مدرسة متوسطة قد تتجاوز 100 ألف جنيه سنويًا، مع ارتفاع التكلفة بصورة أكبر في المراحل الدراسية التي تزداد فيها أعباء الدروس الخصوصية والكتب والمذكرات والمصروفات اليومية.
ويشير إلى أن بعض الأسر تضطر إلى التخلي عن نفقات أخرى كانت تعتبرها أساسية في حياتها، من أجل توفير احتياجات أبنائها التعليمية.
ومن صور ذلك، وفق رؤيته، لجوء أسر لديها أبناء مقبلون على الثانوية العامة إلى إلغاء الرحلات الصيفية أو تقليل الإنفاق على الترفيه، وتوجيه هذه الأموال إلى مستلزمات الدراسة والدروس والمصروفات.
وهكذا لم يعد الغلاء يؤثر فقط في قدرة الأسرة على شراء منتج معين، بل أصبح يعيد ترتيب نمط حياتها بالكامل، ويجبرها على المفاضلة بين احتياجات أساسية وأخرى ضرورية.
شكاوى من ارتفاع تكاليف التعليم
وتتزايد شكاوى المواطنين من أن الزيادات في الأسعار أصبحت أسرع من قدرتهم على زيادة دخولهم، وهو ما يجعل كل موسم دراسي أكثر صعوبة من سابقه.
وتقول الأسر إن المشكلة لا تكمن في بند واحد، وإنما في تراكم الزيادات الصغيرة والكبيرة معًا؛ فارتفاع سعر الكراسة أو القلم قد يبدو محدودًا بمفرده، لكنه يتحول إلى مبلغ كبير عندما تضرب الزيادة في عشرات الأدوات المطلوبة لكل طالب.
وتتكرر الصورة نفسها مع الزي المدرسي والحذاء والكتب والمواصلات والمصروف اليومي، قبل أن تضاف إليها تكاليف الدروس والمذكرات والأنشطة.
وبالنسبة إلى الأسر التي لديها أكثر من طفل، تتضاعف الضغوط، وقد يصبح توفير احتياجات الأبناء في المراحل المختلفة تحديًا ماليًا حقيقيًا، خصوصًا عندما يكون أحد الأبناء في مرحلة دراسية مرتفعة التكلفة.
التعليم بين المجانية وارتفاع التكلفة
ويرى الخبير الاقتصادي أن توسع الأسر في اللجوء إلى القروض لتغطية المصروفات الدراسية يعكس حجم الضغوط التي أصبحت تواجهها، رغم النص الدستوري على مجانية التعليم.
ولا تعني مجانية التعليم، من الناحية العملية، أن الأسرة لا تتحمل أي تكاليف، فهناك قائمة طويلة من المصروفات غير المباشرة التي تتراكم على مدار العام.
وتزداد المشكلة وضوحًا مع التعليم الخاص والجامعي، إذ أصبحت بعض الأسر تخشى عدم قدرتها مستقبلًا على توفير تعليم جيد لأبنائها، في ظل اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف التعليم.
وهنا يتحول التعليم من حق تسعى الأسرة إلى ضمانه لأبنائها إلى معركة مالية مستمرة، تبدأ مع بداية العام الدراسي ولا تنتهي إلا بانتهائه، ثم تعود من جديد مع العام التالي.

