تكشف مخصصات التغذية المدرسية البالغة 7 مليارات جنيه في موازنة 2026 و2027 فجوة بين ضخامة الإنفاق وبساطة الوجبات، بينما تظل تكلفة القطعة الواحدة وعقود الموردين ونتائج الرقابة خارج الإفصاح العام.

 

وتضع الزيادة الحكومة أمام مساءلة، فالأموال ارتفعت مليار جنيه خلال عام واحد، لكن شكاوى الانقطاع وتفاوت التوزيع بين المدارس تقوضان رواية الكفاءة، وتحولان الوجبة من حق للطلاب إلى بند غامض.

 

 

مليارات بلا حساب

 

وبحسب الأرقام المعلنة، ارتفعت المخصصات من 6 مليارات إلى 7 مليارات جنيه، بنسبة تقارب 16.7 في المئة، في وقت تتآكل فيه القيمة الشرائية بفعل ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والتعبئة والتخزين.

 

غير أن وزارة التربية والتعليم لم تقدم كشفا يوضح عدد الوجبات المنفذة، ولا أيام التوزيع، ولا نصيب الغذاء من التكلفة، بما يمنع المواطنين من مقارنة المخصصات بما وصل إلى الأطفال.

 

كما يثير متوسط 413 جنيها للطالب سنويا تناقضا حسابيا، إذ لا يمكن تقييم كفاءته أو عدالته دون إعلان أعداد المستفيدين، وأيام الحضور، ومعدلات الغياب، والوجبات المرتجعة أو التالفة أثناء النقل والتخزين.

 

وفوق ذلك، فإن تقديم البسكويت المدعم واللبن أو العصير، وأحيانا الخبز والجبن، لا يكفي وحده لإثبات القيمة الغذائية، ما لم تنشر نسب البروتين والطاقة والعناصر الدقيقة لكل مرحلة عمرية ومحافظة.

 

وتؤكد الدكتورة جيهان فؤاد، المديرة السابقة للمعهد القومي للتغذية، أن الوجبة يفترض أن توفر 30 في المئة من احتياجات الطالب، وأن المواصفات يجب أن تواجه الأنيميا والسمنة وفق خرائط سوء التغذية.

 

لكن هذا المعيار العلمي لا يظهر في بيانات قابلة للتدقيق، فلا يعرف ولي الأمر إن كانت كل وجبة تحقق النسبة المستهدفة، أم أن الرقم يصف نموذجا نظريا لا يلتزم به التوريد.

 

وبالتالي، يصبح الإعلان عن مليارات الإنفاق بلا مؤشرات صحية محاسبة ناقصة، لأن النجاح لا يقاس بعدد العبوات الخارجة من المخازن، بل بتحسن الأنيميا والتقزم والتركيز والحضور والتحصيل بين الطلاب المستفيدين.

 

 

غذاء بلا قياس

 

ومن جهة أخرى، قالت النائبة ولاء الصبان إن المشكلة ليست في مبدأ الوجبة، وإنما في ضمان تحول الأموال إلى غذاء حقيقي، مطالبة بكشف العقود واختيار الموردين والمخالفات والجهات المسؤولة عن الفحص.

 

كذلك طالبت الصبان بتحديد ما يذهب إلى مكونات الغذاء، مقابل النقل والتخزين والتعبئة والإدارة والرقابة، وهو تفصيل جوهري لكشف ما إذا كانت الحلقات الوسيطة تبتلع نصيبا مبالغا فيه من الموازنة.

 

وفي المقابل، تكتفي الوزارة بالحديث عن استهداف ملايين الطلاب وتوزيع الوجبات يومين أو ثلاثة أسبوعيا، دون نشر قاعدة بيانات تبين الكميات المستلمة والموزعة والمرتجعة، وتتيح مطابقة الفواتير مع الحضور الفعلي.

 

ويرى الدكتور فوزي الشوبكي، أستاذ التغذية بالمركز القومي للبحوث، أن التغذية المدرسية ضرورة وليست ترفا، لأن الغذاء يولد الطاقة ويبني الأنسجة ويقوي المناعة، مشترطا وجبة آمنة تحمي الأطفال من الميكروبات.

 

ومع ذلك، لا تتحقق السلامة ببيان موسمي أو فحص عينات محدودة، بل بسلسلة رقابة معلنة تبدأ من المصنع، وتمر بالنقل والتخزين داخل المدارس، وتنتهي بتوثيق كل شكوى وإجراء التصحيح ومحاسبة المسؤول.

 

علاوة على ذلك، يكشف اختلاف الوجبات بين المحافظات غياب إجابة عن معيار العدالة، فالأطفال الأكثر فقرا واحتياجا لا ينبغي أن يحصلوا على محتوى أدنى بسبب موقعهم الجغرافي أو ضعف الإدارات المحلية.

 

لذلك، يجب نشر قائمة موحدة بالحد الأدنى للقيمة الغذائية، مع بدائل تراعي العمر والحالة الصحية، وإعلان نتائج التحاليل وأسماء المصانع المعتمدة، بدلا من ترك الجودة رهينة لتفاوت الموردين والرقابة المحلية.

 

ويحذر الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني من ارتباط تعثر التغذية المدرسية باتساع الفقر وسوء التغذية، مستندا إلى أرقام واسعة للأنيميا والسمنة والتقزم، بما يجعل انتظام الوجبة حماية للأطفال لا منحة دعائية.

 

 

رقابة غائبة

 

ومن ثم، فإن انقطاع التوزيع في مدرسة أو محافظة لا يمثل خللا إداريا، بل يحرم طفلا فقيرا من مورد غذائي قد يكون الأكثر انتظاما في يومه، ويضاعف أثر الفقر على صحته وتعليمه.

 

وبناء على ذلك، لا يجوز قياس الإنجاز بقيمة الاعتماد المالي، لأن تخصيص 7 مليارات جنيه لا يثبت إنفاقها بكفاءة، ما لم تقترن بحساب ختامي منشور يطابق كل جنيه بعدد الوجبات وجودتها.

 

أما غياب المعلومات عن إجمالي التعاقدات وآليات المنافسة والأسعار المعلنة، فيفتح الباب أمام أسئلة الاحتكار والمحسوبية والهدر، خصوصا حين تدار منظومة بهذا الحجم بعيدا عن رقابة مجتمعية تقارن الموردين وتكاليفهم.

 

ولزيادة الشفافية، يمكن إلزام الوزارة بنشر لوحة شهرية لكل محافظة، تتضمن المدارس المستفيدة وأيام التوزيع والكميات والتكلفة والشكاوى ونتائج العينات، بما يسمح للبرلمان والأهالي والأجهزة الرقابية بكشف الانقطاع أو التضخيم.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي ربط صرف مستحقات الموردين بإثبات التسليم وسلامة المنتجات، مع خصومات تلقائية عند التأخير أو المخالفة، ونشر الجزاءات وأسبابها، حتى لا تتحول العقود إلى أموال مضمونة بلا مساءلة.

 

فضلا عن ذلك، يحتاج الملف إلى تقييم صحي مستقل سنوي يقيس الأنيميا والنمو والتركيز والغياب لدى عينات ممثلة، ويقارن النتائج بالتكلفة، كي يصبح أثر الوجبات معيارا لاستمرار البرنامج وتوجيه موارده.

 

وأخيرا، لا يكمن الخلل في إنفاق المال على أطفال المدارس، بل في مطالبة الناس بالثقة دون معلومات، بينما ترفض الحكومة تقديم حساب يربط المليارات السبعة بما أكله الطالب فعليا وما تحقق صحيا.

 

وهكذا، يبقى السؤال الملح قبل بدء الدراسة بلا إجابة حكومية، كيف تتحول 7 مليارات جنيه إلى بسكويت وألبان وعصائر، وكم يصل منها إلى غذاء الطفل، وكم تستهلكه الإدارة والنقل والتخزين والتعاقدات الغامضة.