تكشف معاناة أهالي العلواية بمركز ناصر عن إخفاق خدمي ممتد، بعدما تركت شركة مياه الشرب والمسؤولون المحليون مئات الأسر تواجه انقطاعات متكررة، بلا جدول واضح للتغذية أو حل دائم يحفظ حقها الأساسي.
وتحوّلت الأزمة، وفق شهادات السكان، من عطل يمكن احتواؤه إلى نمط يومي قاس، يفرض على النساء حمل الجراكن، ويحرم الأطفال وكبار السن من احتياجات النظافة والطهي والشرب داخل منازلهم كل يوم.
عطش يتجاوز الاحتمال
في البداية، يقول الأهالي إنهم لا يطلبون ميزة استثنائية، وإنما وصول مياه نظيفة ومنتظمة، مؤكدين أن سنوات الشكاوى والوعود لم تنتج تدخلاً يوقف الانقطاع أو يشرح أسبابه الحقيقية بشفافية للناس.
وبحسب رواياتهم، تضطر أسر كثيرة إلى تخزين أي كمية تصل خلال فترات محدودة، بينما يلجأ آخرون إلى نقل المياه من مناطق بعيدة، بما يستهلك الوقت والجهد ويضيف أعباء مالية متكررة.
كذلك تتحمل النساء النصيب الأكبر من الأزمة، إذ تتحول مهمة توفير المياه إلى عمل يومي شاق، يبدأ بالبحث عن مصدر متاح وينتهي بحمل أوعية ثقيلة لمسافات لا تناسب قدراتهن الصحية.
وفي المقابل، يدفع الأطفال ثمناً مباشراً حين تنخفض كميات المياه المخصصة للاستحمام وغسل الملابس وتنظيف المنازل، وهو حرمان لا يمكن فصله عن مخاطر العدوى وتدهور البيئة الصحية المحيطة داخل البيوت.
أما كبار السن والمرضى، فتضعهم الانقطاعات أمام ظروف أشد قسوة، لأن احتياجاتهم الصحية تتطلب نظافة مستمرة ومياهاً مأمونة، بينما يصعب على كثيرين منهم المشاركة في رحلات نقل الجراكن اليومية الشاقة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتضاعف الحاجة إلى الشرب والاستخدام المنزلي من المياه، فتغدو ساعات الانقطاع الطويلة تهديداً للصحة والقدرة على الاحتمال، خصوصاً داخل البيوت المكتظة التي تفتقر إلى خزانات كافية.
وفوق ذلك، يؤدي التخزين الاضطراري داخل أوعية غير مهيأة أحياناً إلى مخاطر إضافية، لأن بقاء المياه فترات طويلة أو تداولها بأدوات ملوثة قد يؤثر في سلامتها المنزلية قبل استخدامها لاحقاً.
لذلك تبدو مطالبة الأهالي بالتدخل العاجل أبعد من شكوى موسمية، فهي مطالبة بحق يومي لا تستقيم الحياة بدونه، وبمساءلة الجهات التي تلقت البلاغات دون أن تقدم نتيجة مستدامة حتى الآن.
شبكات تحتاج تشخيصاً
فنياً، يرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي أن تسربات المواسير المكسورة أو المتهالكة تهدر جانباً مهماً من المياه، ما يجعل فحص الشبكة شرطاً قبل الاكتفاء بزيادة الضخ.
ويوضح شراقي أن ما يصل فعلياً إلى المواطن قد ينخفض بسبب الفاقد داخل الشبكات، وهي ملاحظة تضع شركة المياه أمام ضرورة قياس الضغوط ورصد التسربات بدلاً من إدارة الأزمة بالاستجابات المؤقتة.
ومن جانبه، يرجح وزير الري الأسبق وخبير المياه محمد نصر علام أن انقطاعات القرى قد تنتج من تداخل انخفاض المناسيب وأخطاء المآخذ وسوء صيانة المحطات، إلى جانب غياب التنسيق بين الجهات.
وبناء على ذلك، تحتاج العلواية إلى تقرير فني معلن يحدد مصدر الخلل بدقة، سواء كان ضعفاً في الخطوط أو عجزاً بالمحطة أو سوءاً في التوزيع، مع جدول زمني ملزم للإصلاح.
كما ينبغي اختبار كفاءة المحابس وأقطار المواسير وقدرة الخط المغذي على خدمة عدد السكان، لأن استمرار الانقطاع سنوات يرجح وجود خلل هيكلي واحد يتجاوز الأعطال العارضة التي تنتهي بإصلاح موضعي.
في الوقت نفسه، لا يكفي إرسال سيارات مياه عند اشتداد الغضب، لأن هذه الوسيلة تظل إجراء طوارئ محدوداً، ولا تضمن عدالة التوزيع أو سلامة الكميات أو وصولها المنتظم لكل المنازل.
وعلاوة على ذلك، يستلزم التعامل الجاد نشر نتائج عينات المياه ومواعيد الضخ وأسباب الانقطاع، حتى يستطيع السكان التمييز ميدانياً بين أعمال الصيانة المقررة والإخفاق المتكرر، ويتمكنوا من محاسبة المسؤول المباشر.
ومن ثم، يصبح غياب المعلومات جزءاً من الأزمة نفسها، إذ يترك الأسر بلا قدرة على تنظيم احتياجاتها، ويضاعف الشائعات والقلق، بينما تستطيع الشركة تخفيف الضرر بإخطار واضح وخدمة شكاوى فعالة.
الصحة تحت التهديد
صحياً، يحذر خبير المياه ومستشار وزير الري الأسبق ضياء الدين القوصي من أن التسرب وضعف الضغط قد يسمحان بتداخل مياه ملوثة مع الشبكة، ما يفرض فحصاً عاجلاً عند تكرار الانقطاعات.
وبالتالي، يجب ألا تقتصر الاستجابة على إعادة المياه، بل تشمل تطهير الخطوط وسحب عينات من نقاط متعددة داخل المنطقة، وإعلان النتائج للسكان، خصوصاً بعد فترات الركود أو أعمال الإصلاح المتكررة.
إلى جانب ذلك، يرفع نقص المياه مخاطر الأمراض المرتبطة بضعف النظافة، ويجبر الأسر على المفاضلة بين الشرب والطهي والاستحمام، وهي اختيارات قاسية لا ينبغي أن تفرضها خدمة عامة ممولة من المواطنين.
غير أن الصمت الرسمي الطويل يحول المشكلة إلى اختبار للمحاسبة، فالمطلوب تحديد الجهة المسؤولة عن المتابعة، وبيان عدد الشكاوى، وما نفذ فعلياً، ولماذا فشلت التدخلات السابقة في إنهاء الانقطاع حتى الآن.
في الأثناء، يستطيع مجلس مدينة ناصر والمحافظة وشركة المياه تشكيل لجنة ميدانية بحضور ممثلين عن الأهالي، تتولى المعاينة وقياس الضغوط وحصر المنازل المتضررة، ثم تنشر خطة التنفيذ المعلنة وتكلفتها ومواعيدها.
بعد ذلك، ينبغي توفير مصدر آمن ومجاني للمياه طوال مدة الإصلاح، مع إعطاء الأولوية للمرضى وكبار السن والأسر الأشد احتياجاً، ومنع تحميل السكان تكلفة فشل مرفق يفترض أنه مسؤول عن خدمتهم.
وفي النهاية، لن تنتهي مأساة العلواية بزيارة عابرة أو وعد جديد، وإنما بإصلاح قابل للقياس يضمن انتظام الضخ وجودة المياه، ويحدد مسؤولية المقصرين، ويعيد للأهالي حقاً تأخر سنوات بلا مبرر.

