جدّدت موانئ أبوظبي ضغطها لبلوغ 90 بالمئة من الإسكندرية لتداول الحاويات، عبر عرض بسعر 27.47 جنيه للسهم، رغم رفض المساهمين الحكوميين التفريط في حصصهم داخل أحد أخطر الأصول الدولارية المصرية.

 

وكشفت المحاولة المتكررة حصاد بيع حكومة السيسي حصصًا حاكمة عام 2022 تحت ضغط نقص الدولار والديون، إذ انتقلت السيطرة تدريجيًا إلى كيانات إماراتية تتطلع الآن لإنهاء الوجود المصري المؤثر بالشركة.

 

أصل دولاري تحت التفريط

 

وتأسست الشركة عام 1984 بوصفها أول مشغل مصري متخصص للحاويات، وتدير محطتين في ميناءي الإسكندرية والدخيلة بطاقة تبلغ 1.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، ما يجعلها بنية تجارية لا مصنعًا عاديًا.

 

كما مر عبر الميناءين خلال الربع الأول من 2026 نحو 42.6 بالمئة من الواردات و37.4 بالمئة من الصادرات، وهي نسب تكشف وزن الشركة داخل بوابتي التجارة الأكبر على البحر المتوسط.

 

وفوق ذلك، تحصل الشركة على جانب معتبر من إيراداتها بعملات أجنبية، فتمنح الاقتصاد مباشرة موردًا نادرًا للنقد الصعب، بينما يؤدي انتقال أرباحها إلى الخارج لتقليص العائد القومي من نشاط محلي.

 

وبدأت الثغرة في أبريل 2022 عندما باعت الدولة 32 بالمئة لشركة ألفا أوريكس التابعة لأبوظبي القابضة مقابل 186 مليون دولار، بالتزامن مع انتقال 19.3 بالمئة إلى الصندوق السعودي مقابل 126 مليونًا.

 

ثم اتسعت السيطرة في نوفمبر 2025 بشراء بلاك كاسبيان التابعة لموانئ أبوظبي الحصة السعودية البالغة 19.3 بالمئة مقابل نحو 13.2 مليار جنيه، لتتجمع المصالح الإماراتية حول أغلبية تتجاوز 51 بالمئة.

 

ومن ثم، لم تعد الحكومة صاحبة الكلمة العليا، بعدما صارت حصتا ألفا أوريكس وبلاك كاسبيان تمنحان المعسكر الإماراتي 51.33 بالمئة، بينما توزعت الملكية المصرية الحكومية والمساهمون الصغار على النسبة المتبقية.

 

وفي ديسمبر 2025، تقدمت بلاك كاسبيان بعرض أول عند 22.99 جنيه للسهم للوصول إلى أغلبية مسيطرة، لكن الرفض الحكومي أوقف التنفيذ مؤقتًا، قبل عودة المشتري برقم أعلى وشهية أكثر وضوحًا.

 

عرض أدنى من السوق

 

لاحقًا رفعت الشركة عرضها في يونيو 2026 بنسبة 19.5 بالمئة إلى 27.47 جنيه للسهم، مستهدفة شراء النسبة المكملة إلى 90 بالمئة، مع اشتراط بلوغ ملكيتها المباشرة وغير المباشرة 51 بالمئة.

 

غير أن سعر السهم وصل إلى 33.20 جنيه في جلسة 3 سبتمبر، متجاوزًا العرض بنحو 21 بالمئة، بما يفضح فجوة تقييم كبيرة ويجعل البيع بالسعر المقترح تنازلًا إضافيًا عن أموال عامة.

 

وبحساب الأسهم المستهدفة، بلغت القيمة المحتملة للعملية قرابة 57.8 مليار جنيه، لكن ضخامة الرقم لا تلغي أن المشتري يطلب سريعًا أصلًا يحقق أرباحًا مرتفعة ويملك قدرة تشغيلية وموقعًا يصعب تعويضهما.

 

لذلك أعلنت هيئة ميناء الإسكندرية والشركة القابضة للنقل البحري والبري رفض بيع أسهمهما، وهو موقف أوقف طريق العرض نحو 90 بالمئة، لكنه لا ينهي المحاولات ما دامت الحكومة تطارد سيولة عاجلة.

 

وفي النصف الأول من 2026، ارتفعت أرباح الشركة 18 بالمئة إلى 3.79 مليار جنيه مقابل 3.21 مليار قبل عام، ما يؤكد أن المطروح ليس عبئًا خاسرًا بل ماكينة إيراد متنامية.

 

كذلك تستهدف الموازنة التقديرية صافي ربح قدره 9.56 مليار جنيه وتداول 1.1 مليون حاوية خلال العام المالي، وهي أرقام تجعل التخارج الحكومي استبدالًا لدخل متكرر بحصيلة بيع تدفع مرة واحدة.

 

وبين أبريل 2022 ومارس 2026، راكمت الشركة نحو 647 مليون دولار من صافي الأرباح وفق تحليل إفصاحاتها، ما أتاح للمساهم الإماراتي استرداد جانب كبير من تكلفة دخوله خلال فترة قصيرة.

 

علاوة على ذلك، منح بروتوكول تجنب الازدواج الضريبي المقر في 2025 إعفاءات مباشرة لدخل صندوق أبوظبي السيادي في مصر، بما يضاعف السؤال حول نصيب الخزانة من الأرباح المحققة بأصل مصري.

 

نفوذ يتجاوز الموانئ

 

وفي تقييم أوسع، تحذر أستاذة الاقتصاد عالية المهدي من بيع الأصول مرتفعة القيمة تحت ضغط الحاجة وبأسعار دون استحقاقها، معتبرة هذا المسار حلًا قصير الأجل يحمّل الأجيال القادمة خسائره التراكمية.

 

وبالمثل، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الحكومة لجأت للبيع المباشر لمستثمرين خليجيين طلبًا لدولار سريع، بدل إعادة هيكلة الشركات الرابحة وضخ استثمارات ترفع إنتاجيتها وعوائدها الوطنية المستدامة.

 

أما عضو غرفة الملاحة محمد شيرين النجار، فيحذر من منح مشغلي موانئ منافسة نفوذًا أوسع داخل الموانئ المصرية، معتبرًا أن تشابك خطوطهم الإقليمية قد يحول البوابات المحلية إلى روافد لمنافسين.

 

وبالتوازي، توسعت شركتا موانئ أبوظبي وموانئ دبي واسعًا في امتيازات تشغيل وتطوير تسعة موانئ مصرية، من السخنة إلى سفاجا وبورسعيد والعريش، بما يجعل صفقة الإسكندرية حلقة داخل تمدد لوجستي متسارع.

 

ومع أن عقود التشغيل لا تعني قانونًا بيع أرض الميناء، فإن السيطرة على شركة المناولة تمنح صاحبها بيانات التجارة وعلاقات الخطوط الملاحية وقرار الاستثمار والتسعير، وهي أدوات نفوذ تتجاوز الملكية العقارية.

 

وبناءً على ذلك، تصبح دراسة القيمة العادلة وحدها غير كافية، لأن تقييم الشركة يجب أن يضم موقعها واحتكارها النسبي وتدفقاتها الدولارية وقيمة السيطرة، لا أرباح سنة واحدة أو احتياج الخزانة.

 

وفي المقابل، تستطيع الدولة جذب تمويل وتكنولوجيا عبر شراكة تشغيل محددة المدة، مع الاحتفاظ بحصة مانعة وحقوق مجلس الإدارة المؤثرة وتوزيعات الأرباح والضرائب، بدل تسليم القرار وإخراج العائد بالدولار سنويًا.

 

وأخيرًا، يفرض تكرار العرض كشف تقييم مستقل وشروط الضرائب والتحويلات وخريطة الملكية أمام البرلمان والرأي العام، فرفض اليوم خطوة ضرورية، لكن حماية الأصل تقتضي وقف البيع الاضطراري ومراجعة صفقات 2022.