مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
صعدت وزارة الخزانة الأميركية عقوباتها ضد فروع تابعة لبنك مصر في الإمارات، حيث خرج علينا أمس وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، ليعلن أن واشنطن فعّلت صلاحية قال إنها لم تستخدمها من قبل، لوقف نشاط فرع بنك مصر في دبي، كما أعلنت الوزارة يوم الجمعة أنها اتخذت إجراءات لوقف تلك الفروع عن التعامل بالدولار، وهي خطوة قاسية ماليًا، وذلك بزعم أن للوحدات المصرفية علاقات وتعاملات مصرفية قوية مع إيران، وأنها مررت معاملات تتجاوز قيمتها 1.8 مليار دولار لصالح جهات وشبكات مصرفية موازية تصل إلى 103 شركات مرتبطة بالنظام الإيراني، في الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026، وأن من بين عملاء البنك شركات واجهة يُعتقد أنها تعمل لصالح وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري الإيراني.
صحيح أن التصعيد يأتي في إطار حملة تقودها الولايات المتحدة ضد طهران وتستهدف تضييق الخناق المالي على إيران وزيادة الضغط الاقتصادي عليها والحيلولة دون حصولها عل سيولة دولارية تمكنها من تمويل المجهود العسكري في الحرب الحالية وتلبية احتياجات الأسواق المحلية، وصحيح أنه من حيث الوقت يأتي استهداف فروع بنك مصر في الإمارات مع تعثر المفاوضات الأميركية والإيرانية وعودة التوتر في منطقة الشرق الأوسط.
لكن السؤال هنا هو: لم استهداف تلك الفروع تحديدًا من بين نحو 516 فرعًا هو إجمالي عدد فروع البنوك العاملة في الإمارات، ولماذا فروع البنك المصري بالذات من بين كل فروع البنوك التي تتعامل مع إيران منذ سنوات طويلة، ولماذا لم تستهدف الخزانة الأميركية البنوك الإيرانية في الإمارات ومنها بنك صادرات إيران وبنك مليً إيران وفروعهما والتي تمثل رئة مصرفية خارجية للاقتصاد الإيراني، ووسيط قوي ومضمون لتحويل إيرادات النفط الإيراني من الخارج إلى الداخل، وكذا حصيلة المبيعات التي تتم تحت ألية أسطول الظل؟
ولماذا لم تستهدف العقوبات الأميركية فروع البنوك الصينية الحكومية الأربعة في الإمارات، وكذا البنوك الهندية والتي قد تلعب دورًا مهمًا في ضمان وصول حصيلة النفط الإيراني إلى داخل طهران، وهي مبالغ تقدر بمليارات الدولارات سنويًا خاصة أن الصين تشتري وحدها 85% من صادرات النفط الخاضع لعقوبات غربية منذ سنوات، وكذا الحال بالنسبة للبنوك الإماراتية التي تزعم بعض التقارير أن إيران تستخدمها والنظام المالي للإمارات للوصول إلى الاقتصاد العالمي عبر معاملات غامضة.
وإذا كان البنك المركزي الإماراتي تحرك بسرعة عقب التحرك الأميركي، حيث قرر "إجراء تفتيش خاص وعاجل" لفروع بنك مصر في دبي "يشمل مراجعة متعمقة تغطي الفترة من 2024-2026، فما هو رأي السلطات النقدية في أبوظبي، وما النتائج التي توصل إليها، وهل توصلت إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها الخزانة الأميركية؟ وهل كان محظورًا على فروع بنك مصر وغيرها من البنوك العاملة في الإمارات عدم التعامل مع الشركات الإيرانية قبيل فرض العقوبات الأميركية الأخيرة.
الملف بالغ الحساسية لجميع الأطراف، ذلك لأنه يتعلق بأموال المودعين والمساهمين والمتعاملين مع فروع بنك مصر بالإمارات، والأهم سمعة البنك المالية وهي أهم ما تملكه الوحدات المصرفية حول العالم، وتحرك أميركي عنيف من هذا النوع من المتوقع أن يؤدي إلى إرباك أنشطة تلك الفروع.
وربما يمتد الأثر إلى البنك الأم في القاهرة، بل إلى القطاع المصرفي المصري كاملًا، خاصة أن الخطوة الأميركية قد تدفع بنوكًا أجنبية أخرى ومراسلين نحو وقف التعامل مع البنك المصري في أنشطة الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان والتحويلات المالية والقروض والودائع، وهناك احتمال أن تفرض بنوك مركزية ومؤسسات مالية تدقيقًا أكبر على تعاملاتها مع فروع بنك مصر في الخارج سواء في منطقة الخليج أو فرنسا وألمانيا والصين ولبنان والسعودية وجيبوتي وغيرها، أو أن تحد من تلك المعاملات بالكامل.
تصعيد الخزانة الأميركية ضد فروع بنك مصر لا يزال يطرح عشرات من الأسئلة، أبرزها: ما الهدف من التحرك الأميركي العنيف، وهل الهدف هو تخويف البنوك العالمية العاملة في الإمارات من التعامل مع إيران في إطار تشديد الضغوط الاقتصادية عليها، ودفع البنوك أكثر نحو تطبيق معايير غسل الأموال والامتثال والحوكمة وتشديد التدقيق المالي على كل التعاملات والأنشطة، وبالتالي نتعامل مع الأزمة الحالية على أنها تحرك تقني وقضية فنية بحتة تستهدف بالدرجة الأولى تقييد خدمات المعاملات المصرفية بالدولار وعبر شبكة السويفت والتي تقدمها البنوك الأميركية لفروع البنك في الإمارات بسبب تعاملاتها مع إيران، أم أن هناك أبعادًا أخرى للملف، وبالتالي يجب التعاطي مع التحرك الأميركي من منظور آخر.
المؤكد أن بنك مصر كان ضحية حملة أميركية شرسة على إيران، والمؤكد أيضًا أن الولايات المتحدة لن تصل إلى حد تجميد أصول البنك الحكومي وأمواله في البنوك الأميركية، وليس في مقدورها غلق فروع البنك بالإمارات بالمعنى الحرفي، لكنها تستطيع شل حركته عبر إخضاع أي بنك أجنبي يتعامل مع فروعه بالإمارات لعقوبات أميركية، ومجرد الشوشرة تؤثر سلبًا على سمعة البنك الأهم في القطاع المصرفي المصري داخل الأسواق الدولية.

