استشهد 5 فلسطينيين وأصيب آخرون في غارتين إسرائيليتين استهدفتا مدنيين ومركبة بمدينة غزة، بينما طاردت الزوارق الصيادين في البحر، وشنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة امتدت بين نابلس وجنين وبيت لحم والخليل.

 

وكشف تزامن القصف والاعتقال والاعتداء على الأراضي خلال ساعات محدودة اتساع دائرة الاستهداف، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع منذ 10 أكتوبر 2025، واستمرار المطالبات بوقف الخروقات المتكررة.

 

 

الهدنة تفقد معناها

 

وبحسب مصادر طبية، استشهد مواطنان وأصيب آخرون عندما قصفت طائرة إسرائيلية تجمعا قرب منتزه البلدية غرب مدينة غزة، في هجوم أصاب منطقة يرتادها السكان وسط استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية والإنسانية.

 

وفي وقت لاحق، استشهد 3 فلسطينيين إثر استهداف مركبة في حي تل الهوا جنوب غرب المدينة، لترتفع حصيلة الغارتين خلال اليوم إلى 5 شهداء، إلى جانب مصابين لم تحدد حالاتهم.

 

ومع أن اتفاق وقف النار يفترض وقف العمليات الهجومية وحماية المدنيين، فإن الغارات وإطلاق النار ما زالا يحصدان الضحايا، ويحولان التهدئة المعلنة إلى فترة خوف لا تمنح السكان أمنا فعليا.

 

وطبقا للمصادر الطبية في القطاع، ارتفعت الحصيلة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 73,456 شهيدا و174,496 مصابا، وهي أرقام تعكس امتداد الكارثة البشرية المباشرة واتساع آثارها داخل مجتمع أنهكته الحرب والنزوح.

 

ويحذر صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، من أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يهدد الاتفاق بشدة ويفتح الباب أمام تصعيد جديد، كما يعرقل المساعدات والتعافي وإعادة الإعمار.

 

كذلك يرى عبد العاطي أن الانتقال إلى المرحلة التالية يتطلب وقف الانتهاكات وتنفيذ الالتزامات الواردة في خارطة الطريق، بدلا من إبقاء المدنيين تحت القصف بينما يستخدم الاتفاق عنوانا دون ضمانات.

 

ولزيادة الضغط، تتزامن الضربات مع قيود على مناطق سكنية وزراعية قرب الخطوط العسكرية، حيث يواجه الفلسطينيون خطر إطلاق النار عند الاقتراب من أراض ومنازل يفترض أن يعودوا إليها بعد التهدئة.

 

وأمام هذا الواقع، لا تبدو أعداد الضحايا هذه المرة حوادث منفصلة، بل نتيجة نمط متواصل من الاستهداف، يجعل كل غارة اختبارا جديدا لفاعلية الوسطاء وقدرتهم على إلزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

 

 

البحر يتحول إلى فخ

 

بالتزامن مع الغارات، هاجمت الزوارق الإسرائيلية مراكب الصيد في عرض البحر قبالة مدينة غزة ووسط القطاع، وأصابت 5 صيادين بالرصاص، قبل احتجاز عدد من العاملين أثناء محاولتهم تأمين قوت أسرهم.

 

وقال زكريا بكر، منسق اتحاد لجان الصيادين، إن القوات أفرجت لاحقا عن بعض المحتجزين، لكنها أبقت 3 منهم حتى الآن رهن الاعتقال، بعد اقتيادهم من قواربهم إلى جهة ظلت مجهولة.

 

ووفق بكر، تشمل الاعتداءات المتكررة بصورة شبه يومية إطلاق النار المباشر وملاحقة المراكب وإغراقها واعتقال العاملين، وهي ممارسات كانت قائمة قبل الحرب، لكنها تصاعدت مع تدمير جانب كبير من قطاع الصيد.

 

ومن ناحية معيشية، يعتمد الصيادون كل يوم على قوارب يدوية صغيرة بعدما دمرت إسرائيل مراكبهم ومعداتهم، ما يضعهم أمام خيارين قاسيين، المجازفة بالحياة داخل البحر أو العودة دون غذاء ودخل.

 

علاوة على ذلك، لا يقتصر أثر الهجمات بصورة مباشرة على المصابين والمعتقلين، لأن تعطيل الصيد يحرم الأسواق من مصدر غذاء نادر، ويعمق فقدان الأسر لوسائل الكسب وسط أزمة إنسانية ممتدة.

 

لذلك، تتحول المساحة البحرية دون إنذار إلى نطاق خطر بدلا من كونها موردا للغذاء والعمل، بينما لا يعرف الصياد مسبقا المسافة التي قد تقوده إلى إطلاق النار أو المصادرة والاعتقال.

 

وبذلك، يمثل اعتقال الصيادين بهذه الطريقة خرقا مزدوجا يمس سلامتهم وحقهم في العمل، ويكشف أن وقف إطلاق النار لم يوفر حماية للمدنيين حتى خلال ممارسة نشاط اقتصادي محدود قرب الساحل.

 

 

الاقتحامات تطوق المدن

 

وفي الضفة الغربية، اعتقلت القوات الإسرائيلية 12 فلسطينيا في أنحاء مختلفة خلال اقتحامات طالت نابلس وجنين وبيت لحم والخليل، وترافقت مع تفتيش منازل والعبث بمحتوياتها والاعتداء بالضرب وإقامة حاجز عسكري.

 

ففي نابلس، اعتقلت القوات فهد الجبالي ومحرم مسعود بعد مداهمات في البلدة القديمة وبلاطة البلد، كما اعتدى الجنود خلال الاقتحام على شاب نقله الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المستشفى عقب إصابته.

 

أما في قرية رمانة غرب جنين، فاعتقلت القوات 5 شبان بعد اقتحام منازلهم وتفتيشها، ضمن حملات شبه يومية متصاعدة تستهدف القرى والبلدات في الضفة وتبقي العائلات تحت تهديد المداهمة الليلية.

 

ومن جانب آخر، اعتقلت القوات فجر اليوم الثلاثاء ثائر الهريمي وأشرف عساكرة في بيت لحم، ثم اعتقلت محمد الجمل والشقيقين أمير وسلامة ارزيقات خلال اقتحامات نفذتها بمدينة الخليل وبلدة تفوح.

 

ويصف عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى، الاعتقالات بأنها نهج منظم وممارسة مؤسساتية تستخدم على نطاق واسع لقمع الفلسطينيين وبث الخوف وإلحاق الضرر بحياتهم وصحتهم.

 

وإلى جانب الاعتقالات، رعى مستوطنون أغنامهم داخل أراضي المواطنين في خلايل اللوز جنوب بيت لحم، ما ألحق أضرارا بالأشجار والمزروعات المحلية، ضمن اعتداءات تشمل المنازل والمركبات وإغلاق الطرق وسرقة المواشي.

 

وبناء على ذلك، يؤدي الجمع بين المداهمات والحواجز وهجمات المستوطنين بصورة متواصلة ومنظمة إلى تقييد الحركة والوصول إلى الأرض، ويترك التجمعات الفلسطينية أمام استنزاف يومي يستهدف السكن والعمل ومصادر الرزق.

 

وأخيرا، تربط وقائع اليوم حتى الآن بين سماء غزة وبحرها ومدن الضفة، حيث يستمر القتل والاعتقال ومصادرة المجال المعيشي، بينما تبقى الحماية الموعودة للفلسطينيين غائبة أمام إجراءات تتكرر بلا مساءلة.