سجل الدولار قفزة جديدة فوق 51 جنيها في عدد من البنوك، كاشفا هشاشة الإدارة النقدية التي روجت لاستقرار مؤقت، بينما عادت العملة المحلية للتراجع مع تصاعد الضغوط وخروج الأموال الأجنبية.

 

وفي اليوم التالي، بدت فروق الأسعار بين البنوك دليلا على اضطراب السوق، إذ تراوح الدولار بين 50 جنيها و17 قرشا و51 جنيها و04 قروش للشراء، بما يعكس غياب مرساة واضحة للتسعير.

 

وبالتوازي، لم تمنع الفائدة التي تقترب من 20 في المئة عودة الضغط على الجنيه، وهو ما يكشف أن الاقتراض الباهظ لم ينتج استقرارا، بل راكم أعباء خدمة الدين على الموازنة.

 

وفي المقابل، تحولت مرونة سعر الصرف المعلنة إلى آلية لنقل الصدمات مباشرة إلى الأسعار، إذ يدفع المواطن كلفة كل تراجع جديد عبر الغذاء والدواء والنقل ومدخلات الإنتاج المستوردة في السوق.

 

ومن ناحية أخرى، يفضح صعود الدولار حدود الاعتماد على الأموال الساخنة، بعدما سجل العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 577 مليون دولار خلال أسبوع، في مؤشر على سهولة خروج التدفقات عند اضطراب المخاطر.

 

وعليه، فإن تسجيل صافي شراء بنحو 11 مليار دولار منذ بداية العام لا يلغي خطورة النموذج، لأن هذه التدفقات مرتبطة بفائدة مرتفعة، ويمكن أن تنقلب إلى ضغط حاد عند موجة بيع.

 

وفوق ذلك، تزامن تراجع الجنيه مع اتساع عجز الطاقة وحساسية الاقتصاد لأسعار النفط، وهو خلل يعكس سنوات من ضعف القاعدة الإنتاجية وعدم تقليص الاعتماد على الواردات رغم الوعود المتكررة بالتصنيع.

 

وبهذا، يصبح كل ارتفاع خارجي في أسعار الطاقة اختبارا جديدا للجنيه والاحتياطي، بدلا من أن يكون الاقتصاد قد بنى هوامش حماية حقيقية عبر التصدير والإنتاج وتقليص فاتورة الاستيراد والديون الخارجية.

 

 

فائدة تحرس أموالا هاربة

 

وفي هذا السياق، يربط الخبير الاقتصادي هاني جنينة استقرار الجنيه بقدرة الاقتصاد على جذب تدفقات مستقرة لا مضاربية، وهي زاوية تكشف ضعف الرهان على أدوات الدين قصيرة الأجل موردا دائما للعملة.

 

كذلك، تبتلع الفائدة المرتفعة جزءا متزايدا من موارد الدولة، لأن الحفاظ على جاذبية الدين المحلي يتطلب عائدا ضخما للمستثمرين، بينما تتحمل الخزانة التكلفة وتضيق المساحة المتاحة للخدمات والاستثمار المنتج وفرص العمل.

 

ثم إن خروج 577 مليون دولار خلال أسبوع يوضح سرعة تحول المزاج الاستثماري، فالأموال التي تدخل بحثا عن العائد لا ترتبط بمصانع أو صادرات، وتتحول من مورد مؤقت إلى ضغط فوري.

 

وبالتالي، تبدو مكاسب الجنيه السابقة أقرب إلى هدنة اشتراها الاقتصاد بفائدة مرتفعة وتدفقات قابلة للفرار، لا نتيجة تحسن هيكلي يرفع الإنتاجية ويزيد الصادرات ويخفض الواردات ويخلق موردا مستقرا للعملة الأجنبية.

 

كما أن استنزاف السياسة النقدية في الدفاع عن جاذبية أدوات الدين يضع البنك المركزي أمام معادلة مكلفة، إما إبقاء الفائدة عند مستويات خانقة للنشاط، أو خفضها والمجازفة بتراجع شهية المستثمرين.

 

ولذلك، تتحول كل إشارة إلى خفض الفائدة أو تصاعد التوتر الإقليمي إلى تهديد لسعر الصرف، لأن أساس الاستقرار قائم على استمرار عائد استثنائي لا تستطيع الموازنة تحمله إلى أجل مفتوح.

 

ومن ثم، لا يمثل احتياطي النقد الأجنبي البالغ 56 مليارا و300 مليون دولار حصنا كافيا، لأن الرقم المجرد لا يكشف حجم الالتزامات ولا طبيعة التدفقات، كما لا يعالج الخلل المزمن بالحساب الجاري.

 

إلى جانب ذلك، فإن بلوغ الاحتياطي هذا المستوى لم يمنع الدولار من تجاوز 51 جنيها، وهي مفارقة تكشف أن تراكم الأصول الأجنبية لا يكفي عندما تظل احتياجات التمويل والواردات والدين مرتفعة.

 

 

احتياطي عاجز أمام الدولار

 

وفي قراءة موازية، يشدد الخبير الاقتصادي محمد أبو باشا على أهمية مصادر العملة الأجنبية المستدامة، وهو ما يبرز الفارق بين تحويلات وصادرات متكررة وبين تدفقات ديون تتحرك مع الفائدة والمخاطر.

 

مع ذلك، وصلت التحويلات إلى 47 مليارا و300 مليون دولار خلال العام المالي الماضي، لكن هذا التدفق لم يمنع تراجع الجنيه، ما يعني أن الطلب على الدولار والالتزامات الخارجية يبتلعان موارد ضخمة.

 

وفضلا عن ذلك، فإن ارتفاع التحويلات لا يعفي الإدارة الاقتصادية من مسؤولية بناء قاعدة تصديرية، لأن الاعتماد على دخول المصريين بالخارج لتحسين ميزان النقد الأجنبي يترك الاقتصاد رهينة لعوامل خارج الإنتاج.

 

وبناء على ذلك، يصبح الحديث عن صلابة القطاع الخارجي منقوصا حين يظل العجز الجاري مرشحا للاتساع مع النفط، وتظل العملة معرضة للتراجع رغم الاحتياطي والتحويلات والفائدة التي تستنزف المالية العامة.

 

 

الغلاء ثمن انهيار الجنيه

 

أما على صعيد الأسعار، فإن هبوط الجنيه يمر سريعا إلى تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ما يجعل المواطنين يدفعون ثمن كل اضطراب في سوق الصرف دون شراء الدولار أو التعامل معه.

 

ولهذا، فإن تجاوز الدولار 51 جنيها لا يخص سوق النقد وحده، بل يفتح بابا لجولة جديدة من إعادة التسعير، خصوصا في اقتصاد تعتمد قطاعات واسعة منه على خامات وآلات مستوردة.

 

ويضاف إلى ذلك، أن الفائدة المرتفعة ترفع تكلفة التمويل على المصانع والشركات بالتزامن مع صعود الاستيراد، فتتعرض المنشآت لضغط مزدوج بين اقتراض باهظ ومدخلات أغلى، ثم تنتقل الكلفة إلى المستهلك.

 

وفي تقدير الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، تظل زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص الواردات الطريق الأساسي لتخفيف ضغط العملة، وهي خلاصة تدين نموذج إدارة الأزمة عبر الاقتراض والفائدة والتدفقات المالية قصيرة الأجل.

 

وأخيرا، يكشف صعود الدولار الأخير أن السنوات الماضية لم تنتج نظاما قادرا على حماية العملة من صدمة عابرة، وأن الاستقرار المعتمد على فائدة استثنائية وأموال ساخنة سيظل قابلا للانكسار مع تغير.