يفضح قصر رصيف محطة التوفيقية بإيتاي البارود فجوة خطيرة بين وعود تطوير السكك الحديدية وواقع يومي يدفع الركاب إلى القفز من القطارات إلى الأرض، في مشهد يحول الرحلة العادية إلى مخاطرة مفتوحة.

 

وتكشف الشكاوى أن المحطة الواقعة على خط القاهرة والإسكندرية لا تستوعب سوى 4 عربات من القطار، بينما تقف بقية العربات خارج الرصيف، تاركة آلاف الركاب أمام نزول محفوف بالسقوط والإصابة.

 

 

خطر خارج الرصيف

 

وبالتالي، لا يقتصر الخلل على ضيق مساحة الانتظار أو سوء تنظيم الحركة، بل يتعلق بغياب أبسط شروط الصعود والنزول الآمن، حين يجد الراكب نفسه أمام درجات مرتفعة وأرض غير ممهدة وقضبان ملاصقة.

 

كما أن توقف القطار لدقيقة واحدة فقط يضاعف الخطر، إذ لا يمنح كبار السن والسيدات وذوي الإعاقة وقتا كافيا للنزول بتأن، خصوصا مع التزاحم وتدافع الركاب في ساعات الذروة.

 

ولزيادة العبء، دخلت القطارات الروسية الجديدة الخدمة بعربات أعلى من القطارات القديمة، ما جعل المسافة بين باب العربة والأرض أكبر، وحول النزول خارج الرصيف إلى قفزة قد تنتهي بإصابة بالغة.

 

لذلك، تصبح سلامة الراكب رهينة الحظ لا نتيجة تصميم مدروس، فالمحطة التي يفترض أن تستقبل قطارا كاملا تترك أغلب ركابه خارج نطاق الحماية، بينما تستمر الحركة كأن الخلل أمر عابر.

 

ومن ثم، فإن المسؤولية لا تتوقف عند عامل تشغيل أو مراقب رصيف، بل تمتد إلى المخطط الهندسي الذي تجاهل طول القطارات الفعلي، وإلى الجهة التي اعتمدت تشغيلا يعرف مسبقا أن جزءا كبيرا منه غير آمن.

 

غير أن المشكلة لا تبدو طارئة أو مفاجئة، فقد نقل الأهالي استغاثاتهم مطالبين بإطالة الرصيف قبل وقوع كارثة، مؤكدين أن الخطر يتكرر يوميا مع ركاب التوفيقية وإيتاي البارود وكوم حمادة.

 

علاوة على ذلك، فإن أي تطوير لا يقاس بعدد العربات الجديدة أو اللافتات المعلقة، بل بقدرة المحطة على حماية من يستخدمها، وخاصة الفئات التي لا تستطيع القفز أو التشبث بسلالم القطار المتحرك.

 

 

هندسة بلا أمان

 

وبحسب ما طرحه الدكتور أحمد محمود فرج، أستاذ هندسة السكك الحديدية بجامعة القاهرة، في حديث سابق عن معايير التشغيل، فإن السلامة تتطلب مواصفات واضحة وصيانة وتفتيشا منتظما، لا معالجة الأخطار بعد وقوعها.

 

كما أن حالة التوفيقية تضع هذا المبدأ تحت الاختبار، لأن الرصيف ليس تفصيلا معماريا ثانويا، وإنما عنصر أساسي في منظومة التشغيل، وأي قصور فيه ينعكس مباشرة على جسد الراكب وحركته.

 

وفي هذا السياق، سبق للدكتور إبراهيم مبروك، أستاذ هندسة السكك الحديدية بجامعة الأزهر، أن أكد أهمية تدريب العاملين ورفع كفاءة الورش والتشغيل، وهي عناصر لا تنفصل عن تأمين المحطات والركاب.

 

لذلك، لا يكفي أن يطالب العاملون الركاب بالحذر، لأن الحذر الفردي لا يعوض خطأ تصميميا ثابتا، ولا يزيل فارق الارتفاع بين باب العربة والأرض، ولا يمنع التعثر وسط الزحام.

 

وبالمقابل، تشير شكاوى السكان إلى أن معدات إشارات مرتبطة بمشروع كهربة خط القاهرة والإسكندرية تعيق مد الرصيف، وهي معدات ركبت حديثا دون معالجة أثرها على استيعاب القطار كاملا.

 

وهنا، يصبح السؤال ملحا: كيف جرى تركيب مهمات حديثة في موضع يمنع استكمال رصيف ضروري للسلامة، ومن الذي راجع المخطط قبل التنفيذ، ومن يتحمل تكلفة نقلها وتصحيح الخلل الناتج عنها.

 

فضلا عن ذلك، فإن ترك الركاب يدفعون ثمن تعارض بين مشروعين تابعين للجهات نفسها يعكس غياب التنسيق، لأن التطوير الحقيقي لا يصنع عائقا جديدا ثم يطلب من المواطنين التعايش معه.

 

وبناء على ذلك، ينبغي إجراء مراجعة هندسية عاجلة تحدد طول الرصيف المطلوب، وموقع معدات الإشارات، وخطة نقلها أو تعديلها، مع جدول زمني معلن يضمن توقف الخطر قبل أن يتحول إلى حادث.

 

 

مسؤولية لا تنتظر كارثة

 

وفي تقدير الدكتور عبد الله أبو خضرة، أستاذ هندسة النقل والطرق، فإن تحديث السكك الحديدية يشمل البنية الأساسية والإشارات والعربات والعنصر البشري، وهو ما يضع المحطة المتعثرة خارج معنى التطوير المتكامل.

 

كما أن إنفاق الأموال على قطارات جديدة دون تهيئة الأرصفة لاستقبالها يكشف خللا في ترتيب الأولويات، إذ تصبح العربة الحديثة أكثر خطورة عندما تصل إلى محطة لا تناسب ارتفاعها أو طولها.

 

ومن زاوية أخرى، حذر المهندس حمادة منصور، نائب رئيس هيئة السكك الحديدية السابق، في تصريحات سابقة من أثر الإهمال وضعف التأهيل على سلامة التشغيل، وهي ملاحظات تتجسد بوضوح في أزمة الرصيف.

 

لذلك، لا ينبغي انتظار سقوط راكب تحت القطار حتى تتحرك الهيئة، فالمعطيات كلها واضحة: رصيف قصير، عربات مرتفعة، زمن توقف محدود، ومواطنون يضطرون للنزول في مساحة لا تصلح لذلك.

 

وفي المقابل، تحتاج الهيئة القومية لسكك حديد مصر إلى إجراءات مؤقتة فورية، منها تحديد أبواب النزول الآمن، وزيادة زمن التوقف، وتكليف عمال بمساعدة الركاب، إلى حين إنهاء الحل الهندسي الجذري.

 

وعلاوة على ذلك، يجب إعلان نتيجة فحص فني مستقل للمحطة يوضح مسؤولية كل جهة عن وضع الإشارات وطول الرصيف، لأن الغموض الإداري لا يحمي راكبا ولا يمنع وقوع إصابة.

 

وبهذا، تتحول مطالب أهالي التوفيقية من شكوى محلية إلى اختبار مباشر لجدية سلامة السكك الحديدية، فالمطلوب ليس وعدا جديدا بالتطوير، بل رصيف كامل يحمي الناس قبل أن يسجل الموت حضوره.