تحسّن المزاج، لكن صفاء التفكير قد يتأخر أسابيع أو حتى لفترة أطول، وهو ما توضحه عالمة الأعصاب والباحثة السريرية لورا بيلباو بروش، ماجستير العلوم (Laura Bilbao Broch MSc) في مقال نشرته مجلة سايكولوجي توداي. فبعد تحسن أعراض الاكتئاب والنوم وعودة الشعور إلى طبيعته، قد يظل الشخص يعاني بطء التفكير، وصعوبة استحضار الكلمات، وبطء إنجاز المهام، والنسيان، وعدم القدرة على استيعاب ما يقرأه رغم تكراره أكثر من مرة.

 

ضبابية الدماغ قد تستمر رغم تحسن الاكتئاب

 

 

تشير الكاتبة إلى أن المشكلات المعرفية، بما في ذلك صعوبات التفكير والتخطيط والذاكرة، شائعة لدى المصابين بالاكتئاب واضطرابات نفسية أخرى، وقد تستمر حتى بعد تحسن المزاج. ووفقًا للطبيبة النفسية أنجاراد دي كاتس، الباحثة الرئيسية في دراسة جديدة أجرتها جامعتا برمنجهام وأكسفورد، يعاني نحو 80% من الأشخاص هذا النوع من الضبابية خلال نوبة الاكتئاب، ولا تختفي المشكلة لدى كثيرين بصورة كاملة مع انتهاء النوبة.

 

ويطرح هذا الأمر سؤالًا محيرًا لدى كثير ممن يمرون بمرحلة التعافي: هل لا تزال هذه الأعراض جزءًا من الاكتئاب؟ أم أنها مرتبطة بالأدوية؟ أم أن المشكلة تكمن في الشخص نفسه؟ وتوضح النتائج البحثية أن استمرار الصعوبات المعرفية بعد تحسن الحالة المزاجية ليس أمرًا متخيلًا، بل ظاهرة يمكن أن تستمر بصورة مستقلة عن تحسن بعض أعراض الاكتئاب.

 

مستقبلات السيروتونين تكشف جانبًا مختلفًا من القصة

 

 

يرتبط السيروتونين عادةً بمضادات الاكتئاب، ولا سيما مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، أو SSRIs، وهي الفئة الأكثر شيوعًا في وصف مضادات الاكتئاب. وتعمل هذه الأدوية على زيادة توافر السيروتونين في الدماغ عبر عدة أنواع من المستقبلات، وتساعد كثيرًا من المرضى، لكنها لا تحسن الأعراض المعرفية المصاحبة للاكتئاب بصورة موثوقة.

 

وقد يعني ذلك أن تحسن المزاج وضبابية التفكير لا يستجيبان بالضرورة للهدف البيولوجي نفسه.

 

وتركز الدراسة الجديدة، التي نُشرت في يونيو في دورية Psychological Medicine، على مستقبل محدد للسيروتونين يُعرف باسم 5-HT4، ويوجد في الدماغ والجهاز الهضمي. وأشارت أبحاث سابقة إلى ارتباط هذا المستقبل بالذاكرة والقدرات المعرفية، لذلك سعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كان استهدافه قد يساعد في علاج الأعراض المعرفية التي لا تستجيب عادةً لمضادات الاكتئاب.

 

وشملت الدراسة 50 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عامًا، سبق أن مر كل منهم بنوبتين من الاكتئاب على الأقل. وكان جميع المشاركين قد تعافوا من الاكتئاب وتوقفوا عن تناول الأدوية لمدة لا تقل عن ستة أشهر قبل بدء التجربة، وهو ما سمح للباحثين بدراسة تأثير الدواء على الوظائف المعرفية بعيدًا عن تأثير الاكتئاب النشط أو مضادات الاكتئاب الحالية.

 

وقسّم الباحثون المشاركين عشوائيًا إلى مجموعتين، تناولت إحداهما جرعة مقدارها مليغرامان من بروكالوبرايد (prucalopride)، وهو دواء مرخص أصلًا لعلاج الإمساك المزمن، بينما تناولت المجموعة الأخرى دواءً وهميًا لمدة تراوحت بين سبعة وعشرة أيام. وأجرى المشاركون قبل التجربة وبعدها اختبارات لقياس الذاكرة والانتباه والوظائف التنفيذية.

 

وأظهرت المجموعة التي تناولت بروكالوبرايد أداءً أفضل بصورة ملحوظة في عدة مقاييس معرفية، إذ أصبحت أسرع وأكثر دقة. كما ظهر التحسن في الاختبارات الموضوعية، وليس فقط في التقارير الذاتية التي يقدمها المشاركون عن حالتهم.

 

دراسة واعدة.. لكنها ليست علاجًا لضبابية الدماغ بعد

 

 

رغم النتائج اللافتة، تبقى الدراسة صغيرة، وتؤكد دي كاتس أن هذا المجال لا يزال في مراحله الاستكشافية. ولا تزال هناك حاجة إلى تجارب سريرية أكبر ومصممة خصيصًا لدراسة هذه الفرضية قبل الوصول إلى استنتاجات حاسمة.

 

ولا يعني ذلك أن بروكالوبرايد أصبح علاجًا لضبابية الدماغ المرتبطة بالاكتئاب. فالدواء غير معتمد حاليًا لعلاج الأعراض المعرفية المصاحبة للاكتئاب، وحذرت دي كاتس من أن الوقت لا يزال مبكرًا لاستخدامه لهذا الغرض. لذلك، ينبغي لمن يعاني ضبابية الدماغ المرتبطة بالاكتئاب أو مرحلة التعافي منه أن يناقش الأعراض مع الطبيب أو الطبيب النفسي بدلًا من استخدام الدواء لهذا الغرض من تلقاء نفسه.

 

لكن ما تقدمه الدراسة قد يكون أهم من إيجاد حل سريع؛ فهي تمنح الباحثين تصورًا أوضح عن سبب استمرار ضبابية الدماغ لدى بعض الأشخاص.

 

فإذا كانت أعراض المزاج والأعراض المعرفية تنشأ عن مسارات عصبية مختلفة، وإذا كانت الأولى تستجيب لمسارات السيروتونين التي تستهدفها معظم مضادات الاكتئاب بينما تستجيب الثانية لمستقبل مختلف، يصبح من المنطقي ألا يؤدي علاج أحدهما تلقائيًا إلى اختفاء الآخر.

 

وبهذا المعنى، قد لا تكون ضبابية الدماغ مجرد عرض متبقٍ من الاكتئاب، وإنما مشكلة مستقلة ذات أساس بيولوجي مختلف.

 

وبالنسبة إلى ملايين الأشخاص الذين عاشوا تلك المنطقة الرمادية بين الشعور بالتحسن واستعادة صفاء التفكير، فإن التمييز بين الأعراض المزاجية والأعراض المعرفية قد يمثل خطوة مهمة نحو فهم التعافي بصورة أكثر دقة.

 

https://www.psychologytoday.com/gb/blog/cell-on-the-self/202607/your-mood-has-lifted-why-is-your-brain-still-foggy