مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
مرت نحو ستة شهور على اندلاع الحرب على إيران والتي كانت دول الخليج في القلب منها، ولا يزال الاقتصاد الخليجي متماسكًا رغم ارتفاع المخاطر الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية لأعلى مستوى في تاريخ المنطقة، وزيادة مستوى الإنفاق العسكري، وضخامة كلفة الدفاع عن استقرار الأسواق المحلية سواء كانت سلعًا وخدمات أو صرفًا وعملات أو تدبير احتياجاتها من المواد الخام والسلع الوسيطة، ومواجهة الخسائر الناتجة من حجب النفط الخليجي عن الأسواق العالمية، والاضطرابات غير المسبوقة في أنشطة الطيران والملاحة الجوية والسياحة والاستثمارات المباشرة وهروب أموال ساخنة من البورصات وأدوات الدين الحكومية.
صحيح أن بعض الأرقام غير الرسمية تقدر الخسائر اليومية لدول الخليج بنحو ملياري دولار بسبب تعطل صادرتها من النفط والغاز ومشتقات الطاقة جراء الاستهدافات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز فعليا ولمدة شهور طويلة، وكلفة البحث عن بدائل ومسارات لتصدير النفط بعيدة عن هرمز.
لكن ورغم فداحة هذا الرقم ضمن خسائر أخرى لم يتم الكشف عنها، لم نرصد مثلا تهاوي إحدى العملات الخليجية مقابل الدولار رغم تراجع إيرادات معظم دول الخليج بشكل حاد، وضخامة التحويلات عقب اندلاع الحرب والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فقد بلغ حجم تحويلات الأجانب المقيمين السعودية نحو 13.7 مليار ريال (3.65 مليار دولار) في شهر يونيو الماضي فقط، علما بأن حجم تحويلات الأجانب المقيمين في دول الخليج تتجاوز قيمتها 124 مليار دولار في السنة، وهو مبلغ ضخم قد يمثل عبئا على الاقتصادات الخليجية في مواصلة أجواء الحرب وتأثر الإيرادات الدولارية سلبًا.
ولم نشهد انهيارات في أنشطة اقتصادية حيوية داخل الخليج، ولم تقدم دولة على اتخاذ إجراءات استثنائية مثل فرض قيود على أسواق الصرف الأجنبي والتحويلات الخارجية والأرباح الرأسمالية وأنشطة السحب من البنوك، ولم تشهد الأسواق غيابا لسلع حيوية رغم إغلاق مضيق هرمز، ولم يتم خفض تصنيف الائتماني لدول الخليج رغم الضربات الاقتصادية والمالية.
صحيح أن معظم موازنات دول الخليج تضررت من الحرب على إيران حيث سجلت عجزًا ماليًا ملحوظًا، فموازنة السعودية سجّلت عجزًا قياسيا بلغ 126مليار ريال (ما يعادل 33.5 مليار دولار) في الربع الأول من عام 2026 ثم انخفض إلى 34.3 مليار ريال، بالربع الثاني، وموازنة قطر سجلت عجزا بقيمة 10.3 مليارات ريال (2.83 مليار دولار) خلال الربع الأول من 2026، مع تراجع الإيرادات النفطية وانخفاض الإيرادات، وسجل عجز موازنة الكويت الفعلي 7.14 مليارات دينار (نحو 23 مليار دولار) للسنة المالية 2025-2026 المنتهية في 31 مارس 2026، أي بعد شهر من اندلاع الحرب، وتكرر العجز لدى البحرين وسلطنة عمان، أما الإمارات فتقول إنها من الدول القليلة التي تفادت العجز المالي بفضل قوة اقتصادها ومتانته.
وصحيح أن هناك اضطرابات في قطاعات استراتيجية مثل صادرات الطاقة من نفط وغاز وأسمدة وبتروكيمياوئات ومنتجات هيدروكربونية، وكذا في سلاسل التوريد، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز منذ بايدة الحرب على إيران إلى حجب جزء مهم من صادرات الطاقة والسلع المرتبطة بها عن أسواق العالم، إضافة إلى توقف حركة الشحن البحري واستهداف المرافق والمنشآت الحيوية.
وهناك خسائر فادحة في البنية التحتية حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أضرار البنى الأساسية والمرافق النفطية تراوحت بين 170 إلى أكثر من 200 مليار دولار، وأكبر دليل ما جرى لشركة أرامكو السعودية ومجمع راس لفان القطري، وهو أكبر مجمع لإنتاج الغاز المسال وتصديره في العالم، ومنشآت النفط في دول الخليج الأخرى وفي مقدمتها الكويت والإمارات.
وصحيح أنه حدث تضخم في بعض أسواق دول الخليج كما جرى في العديد من الاقتصادات العالمية حيث شهدت بعض أسواق السلع بدول المنطقة زيادة في أسعار السلع الغذائية، وحدث انكماش في معدلات نمو بعض الاقتصادات الخليجية، لكن المحصلة هي أن الاقتصاد الخليجي لا يزال متماسكًا، ولم نشهد أية حالات انهيار به.
والأسباب عدة أبرزها توافر احتياطيات مالية ضخمة لدى دول الخليج سواء عبر الصناديق السيادية التي تدير أصولا تقارب قيمتها 6 تريليونات دولار، وهذه الاحتياطيات تدر سيولة ضخمة سنويا تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، أو عبر الاحتياطيات الضخمة لدى البنوك المركزية الخليجية.
وهناك أسباب أخرى منها ضخامة الاقتصاد الخليجي وتعدد أنشطته وتنوعه، وقدرته العالية على تحمل الصدمات الخارجية، وتمتعه بشبكات أمان اجتماعي قوية حيث وسعت الحكومات نطاق الدعم المباشر للسلع الغذائية الأساسية وحماية الأسواق المحلية في السنوات الأخيرة، مع اعفاءات ضريبة واسعة، إضافة إلى نجاح دول الخليج في إيجاد بدائل لصادراتها من الطاقة.

