كشفت بيانات البورصة المصرية تسجيل تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بقيمة 577 مليون دولار خلال الأسبوع الحالي، بما يعكس تبدلا سريعا في شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين.
وأظهرت البيانات أن المبيعات الأسبوعية تقترب من صافي البيع المسجل طوال يوليو عند 578 مليون دولار، بما يثير سؤالا حول ما إذا كانت الأموال الساخنة تعكس اتجاهها بعد أشهر من الشراء.
سيولة سريعة عالية الحساسية
وفي المقابل، لا يعني صافي البيع في السوق الثانوية أن كامل المبلغ غادر البلاد فعليا بالدولار، لكنه يكشف تراجعا في الطلب الأجنبي يستحق مراقبة التسويات وسوق الصرف خلال الأيام المقبلة.
وبينما سجلت الأموال الساخنة صافي شراء بنحو 11 مليار دولار منذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، فإن التحول الأخير يوضح طبيعة تدفقات تتحرك بسرعة كلما تغير تقييم المستثمرين للعائد والمخاطر.
ومن ناحية أخرى، جاء التخارج مع انحسار شهية المخاطرة في المنطقة، وهو عامل شديد التأثير على مستثمري الدين قصير الأجل، لأن قرارهم يعتمد على مقارنة العائد المرتفع باحتمالات الخسارة المفاجئة.
غير أن هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، وصف الأموال الساخنة بأنها سلاح ذو حدين، إذ توفر سيولة سريعة لكنها شديدة الحساسية للأخبار السلبية وتحتاج إلى بديل مستدام .
وفي هذا السياق، شدد جنينة على أن الاستدامة تتطلب تدفقات دولارية ناتجة عن الاستثمار الحقيقي والإنتاج والتصدير، لا الاعتماد على أموال يمكنها الخروج بسرعة عند تبدل الظروف أو ارتفاع المخاطر.
كذلك، تعني قراءة جنينة أن الرقم الأسبوعي لا ينبغي عزله عن تركيب مصادر النقد الأجنبي، لأن قوة الاقتصاد تقاس بقدرته على تعويض الدولارات المغادرة من موارد مستقرة غير مرتبطة بالفائدة.
وبحسب حركة السوق، فإن استمرار صافي البيع لعدة أسابيع سيكون أكثر دلالة من أسبوع واحد، خصوصا إذا ترافق مع ارتفاع عوائد الأذون أو زيادة الطلب على الدولار أو تراجع مشاركة الأجانب.
وعلى الجانب الآخر، إذا عادت المشتريات سريعا فقد يكون ما حدث إعادة تموضع مؤقتة داخل المحافظ الأجنبية، وليس بداية موجة خروج واسعة كتلك التي شهدتها مصر خلال صدمات أشد حدة.
الجنيه أمام ضغط التخارج
ومع ذلك، تراجع الدولار بنحو 1% بنهاية تعاملات الأسبوع، واقترب من مستوى 50 جنيها في عدة بنوك، وهو ما يبدو متناقضا ظاهريا مع صافي البيع المسجل في أدوات الدين الحكومية.
إضافة إلى ذلك، يوضح هذا التباين أن سعر الصرف لا يتحرك وفقا للأموال الساخنة وحدها، بل يتأثر أيضا بالتحويلات والصادرات والسياحة والاستثمار المباشر واحتياجات الاستيراد ومدفوعات الدين والسيولة المصرفية المحلية.
ومن ثم، يمكن أن يتزامن خروج مستثمرين من أدوات الدين مع تحسن الجنيه إذا كانت مصادر الدولار الأخرى أقوى، أو إذا لم تتحول عمليات البيع فورا إلى طلب على العملة الأجنبية.
وفي قراءة أوسع، حذر الخبير المصرفي محمد عبد العال من أن ضخامة استثمارات الأجانب في أدوات الدين جعلت الجنيه أكثر حساسية لتغير شهية المخاطر العالمية، بسبب انعكاس الدخول والخروج على الصرف .
علاوة على ذلك، قال عبد العال إن موجات التخارج المحدودة يمكن امتصاصها عندما تتوافر سيولة كافية، لكنه أشار إلى أن تصاعد المخاطر الخارجية قد يدفع المستثمرين إلى زيادة وتيرة الخروج من الأسواق.
وبموازاة ذلك، تكشف خبرات الأعوام الماضية أن الخطر لا يبدأ من خروج محدود في أسبوع منفرد، بل من تحوله إلى اتجاه متراكم يضغط على العملة ويرفع العوائد المطلوبة للاحتفاظ بالمستثمرين.
أما رفع العوائد لجذب الأموال مجددا فيحمل كلفة أخرى، إذ يزيد عبء خدمة الدين المحلي على الموازنة، ويجعل الدولة تدفع ثمنا أعلى للاحتفاظ بتدفقات قصيرة الأجل قابلة للانسحاب عند القلق.
العائد يتبع المخاطر
وفي تقدير محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين في قطاع البحوث لدى إي إف جي هيرميس، فإن عودة الأموال الساخنة سابقا ارتبطت بانحسار المخاطر الإقليمية وتراجع الضغوط على التضخم وميزان المدفوعات .
وبدوره، يعني منطق أبو باشا أن الاتجاه يمكن أن ينعكس عندما تتزايد المخاطر نفسها، لأن المستثمر الذي دخل بحثا عن العائد بعد هدوء المخاوف قد يخفف مراكزه عند اضطراب الأسواق.
وعند مقارنة صافي شراء 11 مليار دولار حتى نهاية يوليو بصافي بيع 577 مليون دولار خلال أسبوع، تبدو الكفة ما زالت لصالح التدفقات الداخلة، لكن سرعة التحول تظل مؤشرا يستدعي المتابعة.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس حجم ما خرج هذا الأسبوع فقط، بل مدى قدرة الاقتصاد على الاستغناء تدريجيا عن هذه التدفقات دون ضغط حاد على الجنيه أو قفزة في تكلفة الاقتراض الحكومي.
وفي المحصلة، تمنح التحويلات والسياحة والصادرات والاستثمار المباشر الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة تقلب المحافظ الأجنبية، لأنها تدفقات مرتبطة بنشاط حقيقي أو موارد متكررة، وليست مجرد رهان على فارق العائد.
وعلى هذا الأساس، يصبح استمرار تراجع الدولار رغم المبيعات الأخيرة إشارة إيجابية محدودة، لكنه لا يلغي حساسية السوق إذا اتسعت التخارجات، لأن مرونة الصرف ستظهر الضغوط الفعلية عند زيادة الطلب.
وبصورة أعمق، تكمن المشكلة في أن جاذبية الدين المصري للأجانب ترتبط بعائد مرتفع تتحمل الخزانة تكلفته، بينما يظل المستثمر قادرا على الانسحاب بسرعة، وهو اختلال يجعل الاستقرار رهنا بثقة متغيرة.
وأخيرا، فإن 577 مليون دولار ليست دليلا بمفردها على بدء هروب جماعي، لكنها جرس إنذار مبكر بعد شهر شهد صافي بيع مماثلا تقريبا، والاختبار الحقيقي سيكون في اتجاه الأسابيع المقبلة.

