فقدت بعثة منتخب مصر للمصارعة للشباب لاعبًا واحدًا، زياد حجاج، في سلوفاكيا عقب مشاركته ببطولة العالم لوزن 61 كيلوجرامًا وخروجه من دور الستة عشر، لتتحول رحلة رسمية إلى اختبار جديد لفشل المتابعة وحماية المواهب.

 

ولا تبدو الواقعة مجرد غياب لاعب عن الفندق، بل تعكس مأزقًا إنسانيًا واجتماعيًا أكبر: شاب موهوب يخرج باسم بلده إلى بطولة عالمية، ثم يصبح مصيره غير معلوم، بينما تكتفي المنظومة غالبًا بإدارة الأزمة بعد انفجارها.

 

شارك حجاج، البالغ 19 عامًا، في منافسات المصارعة الحرة ضمن بطولة العالم للشباب المقامة في سلوفاكيا، قبل أن يخسر أمام منافسه المكسيكي بنتيجة 12-2، ويودع البطولة من دور الستة عشر.

 

لكن الخسارة الرياضية لم تكن نهاية القصة، إذ بدأت الأزمة بعد انتهاء مشاركته، عندما غادر مقر الإقامة ولم يعد إليه، وفق ما أعلنته البعثة، وسط تضارب بشأن تفاصيل لحظة مغادرته وانقطاع الاتصال به.

 

وتداولت مصادر رياضية روايتين متقاربتين: الأولى أنه طلب تناول الغداء ثم وعد باللحاق بالمنتخب في التدريب، والثانية أنه غادر الفندق بعد منافساته مباشرة، قبل أن ينقطع التواصل معه دون إعلان تفسير واضح.

 

وأخطر الاتحاد المصري للمصارعة وزارة الشباب والرياضة بالواقعة، بينما قالت الوزارة إنها تتابع الأمر بشكل عاجل. غير أن الإخطار اللاحق لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف يغادر لاعب بعثة رسمية دون متابعة فورية؟

 

واقعة معلقة بلا إجابة

 

التحقيق مطلوب، لكن وصف اللاعب بـ«الهارب» قبل ظهور نتائجه يظل حكمًا متسرعًا. الواقعة المؤكدة حتى الآن هي مغادرته الفندق وانقطاع الاتصال به، أما الدوافع والوجهة والمسؤوليات فهي مسائل يجب إثباتها لا افتراضها.

 

ويزيد الغموض لأن حجاج ليس لاعبًا عابرًا داخل المنتخب؛ فقد حقق ذهبية بطولة أفريقيا تحت 20 عامًا في وزن 61 كيلوجرامًا، بعد فوزه على منافسه الجزائري 4-2 في النهائي، ما يجعله مشروع بطل لا اسمًا هامشيًا.

 

وتضع الواقعة إدارة البعثة أمام مسؤولية مباشرة عن نظام المتابعة، بدءًا من توزيع اللاعبين داخل الفندق، مرورًا بتحركاتهم اليومية، وانتهاءً بإجراءات التعامل مع خروج أي عضو من المقر الرسمي دون تنسيق أو مرافقة.

 

وكانت وزارة الشباب والرياضة قد تحفّظت، في أزمة أحمد بغدودة عام 2023، على توصيف «الهروب»، إذ قال المتحدث باسمها محمد الشاذلي إن الوصف الأدق وقتها هو «السفر» إلى حين اتضاح الملابسات.

 

وتبدو هذه القاعدة ضرورية الآن أيضًا؛ فلا يجوز تحويل اللاعب إلى متهم في خطاب إعلامي سريع، ولا إعفاء مسؤولي البعثة من المساءلة بحجة أن القرار فردي، إذا ثبت وجود ثغرات في الإشراف والتنظيم.

 

اللواء عصام نوار، رئيس الاتحاد المصري للمصارعة سابقًا، تحدث في أزمة بغدودة عن وجود سماسرة وشبكات تستهدف الرياضيين، لكن هذا التفسير لا يلغي واجب الاتحاد في بناء وسائل وقاية حقيقية قبل السفر وأثناءه.

 

فالحديث عن وسطاء محتملين لا يكفي إذا تكرر المشهد في اللعبة نفسها. كل واقعة جديدة تعني أن التحذيرات لم تتحول إلى نظام، وأن الإجراءات السابقة إما كانت ضعيفة أو لم تُراجع بجدية بعد كل أزمة.

 

سجل لا يعالج أسبابه

 

تعود إحدى أبرز الوقائع إلى 2015، حين غادر المصارع طارق عبد السلام معسكر المنتخب في بلغاريا. وبعدها مثّل بلغاريا دوليًا، ليصبح ملفه نموذجًا مبكرًا لعجز المؤسسات عن احتواء رياضيين موهوبين.

 

وقال طارق عبد السلام، في تصريحات صحفية عام 2017، إن إصابة في الرقبة واجهها بإهمال ونقص في الرعاية الطبية، معتبرًا أن العلاج لم يُوفر له كما يجب؛ وهي رواية تستحق الفحص لا التجاهل.

 

وفي أغسطس 2017، تخلّف لاعب منتخب الشباب محمد أحمد حسن عن العودة من فنلندا عقب بطولة العالم، ثم تكرر الأمر بعد عامين مع شقيقه حسن خلال بطولة العالم في المجر.

 

كما تخلّف إبراهيم غانم عن العودة مع المنتخب بعد بطولة العالم في بولندا، قبل أن يمثل فرنسا لاحقًا. وتكشف الوقائع أن المشكلة لا ترتبط ببلد بعينه أو بعثة وحيدة، بل بنمط ممتد.

 

وفي 2023، أثار اختفاء أحمد فؤاد بغدودة في تونس أزمة واسعة، بعدما كان قد حصد فضية بطولة أفريقيا. وانتهى الأمر بتحقيقات رسمية وإحالة ملف الاتحاد إلى النيابة العامة، دون أن يمنع ذلك تكرار الظاهرة.

 

وامتد فقدان المواهب إلى ألعاب أخرى؛ إذ غادر لاعب الجمباز عبد الرحمن مجدي إلى تركيا عام 2018، ثم جرى تجنيسه ليمثلها رياضيًا، في صورة تكشف أن المصارعة ليست الاستثناء الوحيد.

 

ويربط كثير من اللاعبين وأسرهم هذه القرارات بتدني الدخل، وضعف الرعاية الطبية، وانعدام الاستقرار المهني. لكن هذا التفسير لا ينبغي أن يتحول إلى شعار جاهز، بل يجب اختباره ببيانات معلنة عن الإنفاق والرواتب.

 

وفي أزمة بغدودة، أعلن مسؤولون بالاتحاد أن اللاعب يتلقى دعمًا شهريًا، بينما نفى والده أرقامًا أُعلنت وقتها. هذا التناقض وحده يكشف غياب الشفافية في ملف مستحقات الرياضيين وتفاصيل رعايتهم.

 

ويؤكد الناقد الرياضي بليغ أبو عايد، في قراءته لأزمات التجنيس السابقة، أن التعامل مع خروج لاعب لا يجب أن يقتصر على البحث عن «خائن» أو «سمسار»، بل على تفكيك أخطاء الإدارة والرعاية.

 

المساءلة قبل الحراسة

 

تكشف واقعة حجاج أن إجراءات الحراسة وحدها ليست حلًا. مصادرة الجوازات أو تشديد الرقابة قد تمنع خروجًا مؤقتًا، لكنها لا تعالج شعور اللاعب بأن مستقبله الصحي والمهني والمالي معلق بقرارات إدارية غير شفافة.

 

ويرى الدكتور كمال درويش، أستاذ الإدارة الرياضية، أن اللاعب الحديث يمثل استثمارًا حقيقيًا، وأن المؤسسات الرياضية لا يجوز أن تدار بعقلية الهواة. هذا المبدأ ينطبق بقوة على الاتحادات التي تصنع أبطال الألعاب الفردية.

 

المطلوب أولًا تقرير معلن عن واقعة سلوفاكيا يحدد التسلسل الزمني، وأسماء المسؤولين عن الإشراف، ووقت اكتشاف الغياب، والإجراءات التي اتُخذت، دون اختباء وراء عبارات فضفاضة مثل «تجري المتابعة».

 

كما يجب إنشاء سجل مخاطر قبل كل بعثة خارجية، يتضمن تقييمًا مهنيًا ونفسيًا واجتماعيًا لكل لاعب، وقنوات تواصل مباشرة وسرية، تسمح برصد أي أزمة قبل أن تتحول إلى اختفاء أو قطع اتصال.

 

وتحتاج الاتحادات إلى عقود رعاية واضحة للاعبين الناشئين، تضمن بدلات عادلة، وتأمينًا طبيًا، وخطة علاج للإصابات، ودعمًا تعليميًا ووظيفيًا؛ لأن الموهبة لا تُحمى بالوعود ولا بالصور الجماعية قبل السفر.

 

ولا تقل الشفافية أهمية عن التمويل؛ فالجمهور من حقه معرفة ما يُنفق على إعداد الأبطال، وما يصل إليهم فعليًا، وكيف تُحدد المكافآت والمعسكرات والعلاج، ومن يُحاسب عند ضياع لاعب أو موهبة.

 

إن تكرار ست وقائع في المصارعة خلال نحو 11 عامًا لا يسمح بوصف ما حدث في سلوفاكيا بأنه «حادث فردي». إنه إنذار واضح بأن المنظومة تُحسن إعلان البطولات، لكنها تفشل في الاحتفاظ بأصحابها.

/