كشفت مراجعة بيانات التعاقدات الحكومية أن 3 كيانات تابعة لوزارة الداخلية حصلت على عقود مع جهات حكومية أخرى تتجاوز 80 مليون جنيه، شملت خدمات أمن وحراسة ونظافة وتوريدات لصالح هيئة الرعاية الصحية وهيئة الإسعاف.

 

كما أن هذه التعاقدات تفتح نقاشاً واسعاً حول توسع جهات أنشئت أساساً لخدمة العاملين بالشرطة في الدخول إلى مجالات تجارية وتوريدية، بينما يرى منتقدون أن ذلك يثير أسئلة حول المنافسة وتكافؤ الفرص.

 

لذلك أصبحت منظومة أمان وصندوق تأمين ضباط الشرطة وصندوق تحسين خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء هيئة الشرطة أطرافاً فاعلة في تعاقدات حكومية خارج نطاق الخدمات التقليدية التي أنشئت من أجلها.

 

ومن ثم فإن انتقال كيانات تابعة لوزارة الداخلية من أدوار الرعاية والدعم الاجتماعي إلى تقديم خدمات لجهات حكومية أخرى يعكس تغيراً كبيراً في طبيعة عملها، وفق ما أظهرته مراجعات التعاقدات الأخيرة.

 

غير أن هذا التوسع لا يخلو من الجدل، خاصة مع تساؤلات خبراء حول مدى تأثير ارتباط هذه الكيانات بمؤسسة أمنية كبيرة على قدرة الشركات الخاصة على المنافسة في السوق الحكومية.

 

علاوة على ذلك تكشف العقود أن منظومة أمان حصلت على عقدين مع الهيئة العامة للرعاية الصحية بقيمة إجمالية بلغت نحو 80.26 مليون جنيه لخدمات الأمن والحراسة والنظافة داخل منشآت صحية.

 

 

توسع في الأدوار

 

كما أن الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق يرى أن توسع المؤسسات التابعة للدولة في النشاط التجاري يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن عدم حدوث اختلال بين الجهات المختلفة عند المنافسة على العقود العامة.

 

لذلك فإن دخول كيانات مرتبطة بوزارة الداخلية إلى مجالات التوريد والخدمات يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الدور الأصلي لهذه المؤسسات وبين الأنشطة الاقتصادية التي تمارسها حالياً.

 

ومن ناحية أخرى يوضح الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن وجود كيانات حكومية في الأسواق قد يكون مقبولاً قانونياً، لكن المشكلة الأساسية ترتبط بمدى تحقيق الشفافية وتكافؤ الفرص أمام جميع المتعاملين.

 

وبالتالي فإن عقود منظومة أمان مع هيئة الرعاية الصحية تمثل مثالاً واضحاً على انتقال كيان بدأ بتوفير السلع للمواطنين إلى تقديم خدمات أمنية وإدارية لجهات حكومية مستقلة.

 

كما أن المنظومة التي تأسست عام 2015 بهدف توفير السلع بأسعار مخفضة توسعت تدريجياً، وامتلكت بنية لوجستية كبيرة تضم منافذ ومخازن وثلاجات في عدد من المحافظات.

 

ومن ثم يرى مراقبون أن التحول من النشاط الاجتماعي إلى النشاط التعاقدي يحتاج إلى رقابة أكبر، خصوصاً عندما تتعامل الجهات التابعة للدولة مع مؤسسات حكومية أخرى بأموال عامة.

 

 

جدل قانوني

 

غير أن أستاذ القانون الدستوري نور فرحات يشير إلى أن الإطار القانوني المنظم للشركات والجهات التابعة للدولة يجب أن يفسر دائماً مع مراعاة مبادئ المنافسة والشفافية وحماية المال العام.

 

لزيادة الجدل حول هذه التعاقدات جاء ظهور صندوق تحسين خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء هيئة الشرطة كمورد لهيئة الإسعاف المصرية، بعد توريده أغطية مراتب شفافة للنقالات بقيمة تقارب 3 ملايين جنيه.

 

كما أن الصندوق أنشئ أساساً لتحسين خدمات الرعاية لأعضاء الشرطة وأسرهم، لكنه أصبح قادراً على الدخول في تعاقدات توريد حكومية بعد تطوير لوائح العمل الخاصة به.

 

لذلك فإن انتقال الصندوق إلى نشاط التوريد يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين أهداف الرعاية الاجتماعية وبين العمل التجاري الذي تتنافس عليه شركات متعددة في السوق.

 

وبناء على ذلك يرى خبراء أن المشكلة ليست في وجود كيانات حكومية تقدم خدمات، وإنما في ضرورة وجود قواعد معلنة تضمن عدالة المنافسة وعدم استغلال النفوذ المؤسسي.

 

ومن ناحية أخرى ظهر صندوق تأمين ضباط الشرطة في تعاقدات توريد مختلفة، منها عقد توريد مطبات شوكية لإدارة مرور الأقصر بقيمة 960 ألف جنيه، وفق مراجعة التعاقدات المنشورة.

 

 

اقتصاد مؤسسي جديد

 

كما أن الباحث الاقتصادي مدحت نافع يؤكد أن توسع المؤسسات العامة في الاستثمار يحتاج إلى تقييم مستمر لمعرفة تأثيره على الاقتصاد وعلى قدرة القطاع الخاص على العمل بحرية.

 

لذلك فإن تعدد الأنشطة التي تقوم بها كيانات مرتبطة بوزارة الداخلية يعكس نمطاً اقتصادياً جديداً، تتحول فيه مؤسسات خدمية إلى أطراف مشاركة في مجالات متنوعة.

 

علاوة على ذلك فإن الجدل لا يرتبط بقيمة العقود فقط، بل بطبيعة الجهات المتعاقدة معها، إذ إن بعضها يقدم خدمات تقع أصلاً ضمن اختصاصات مؤسسات أمنية أو إدارية.

 

ومن ثم يطالب منتقدون بنشر تفاصيل أوسع عن هذه العقود وآليات إسنادها، لضمان وضوح المعايير التي تحدد الجهات الفائزة في التعاقدات الحكومية المختلفة.

 

غير أن مؤيدين لهذا النموذج يرون أن امتلاك الدولة لكيانات خدمية يمكن أن يساعد في تنفيذ المشروعات بسرعة وتوفير بدائل للجهات الحكومية عند الحاجة.

 

ختاماً تكشف العقود الجديدة تحولاً ملحوظاً في أدوار كيانات تابعة لوزارة الداخلية، بين أهداف الرعاية الأصلية والانتقال إلى النشاط التجاري، وهو ما يفتح نقاشاً مستمراً حول الشفافية والمنافسة.