أعلن الجيش الباكستاني مقتل 49 مسلحا في خيبر بختونخوا وبلوشستان خلال مداهمات استخباراتية استهدفت مخابئ عدة، ليفتح الصراع الحدودي مرحلة أعنف ويؤكد ميدانيا توسيع الحملة الأمنية ضد المتمردين على نحو خطير.
تكشف الواقعة أن الدولة التي ترفع شعار مكافحة التمرد تعيد إنتاج الحل الأمني وحده، بينما تبقى المجتمعات الحدودية عالقة بين رصاص الجيش وعنف الجماعات المسلحة، بلا ضمانات كافية لحماية المدنيين أو مساءلة الانتهاكات.
الأمن بلا مساءلة
بالتالي تبدو حصيلة 49 قتيلا رقما كبيرا في بيان عسكري قصير، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة الأهداف ولا ظروف الاشتباك ولا مصير السكان المحيطين بالمخابئ التي قالت المؤسسة العسكرية إنها استهدفتها.
غير أن تقسيم الحصيلة بين 12 قتيلا في خيبر بختونخوا و37 في بلوشستان يوضح اتساع الجبهة الداخلية، ويؤكد أن التمرد لم يعد أزمة جيب معزول، بل تحديا ممتدا على حدود ملتهبة.
علاوة على ذلك، يستخدم الجيش توصيفي فتنة الخوارج وفتنة الهندوستان في خطاب رسمي مشحون، بما يحول المعركة من مواجهة أمنية قابلة للمراجعة إلى سردية تعبئة تضيّق مساحة السؤال والمحاسبة العامة.
لذلك لا يمكن قراءة البيان خارج أزمة الثقة بين المركز والأقاليم الطرفية، حيث تشكو مناطق قبلية وبلوشية من التهميش والعمليات الخشنة، بينما تقدم الدولة القوة بوصفها الطريق الأسرع لاستعادة السيطرة.
ويرى الباحث مايكل كوغلمان، المتخصص في شؤون جنوب آسيا، أن عنف طالبان باكستان يتغذى من الملاذات الحدودية ومن ضعف التنسيق مع كابل، لكنه لا ينفصل أيضا عن إخفاق الدولة في بناء ثقة محلية راسخة.
ومن ثم فإن المداهمات قد تخفض قدرة الخلايا المسلحة مؤقتا، لكنها لا تجفف مصادر التجنيد إذا بقيت المدارس والخدمات وفرص العمل غائبة، وإذا شعر السكان أن الدولة لا تعرفهم إلا عبر الحواجز والمداهمات.
في الأثناء، تبدو الاتهامات الموجهة إلى أفغانستان والهند جزءا من معركة أوسع على تفسير الأزمة، إذ تسعى إسلام آباد لتحويل الضغط إلى الخارج، بينما يبقى السؤال الداخلي حول إدارة المناطق الحدودية بلا جواب.
الحدود تصدر الأزمة
وفي السياق ذاته، يعكس حضور أفغانستان في البيان هشاشة العلاقة مع سلطة طالبان في كابل، بعدما كانت إسلام آباد تراهن على نفوذها هناك، ثم وجدت حدودها الغربية أكثر اضطرابا وأشد كلفة.
بالتوازي، ينفي الجانب الأفغاني توفير ملاذات لطالبان باكستان، كما تنفي الهند دعم الانفصاليين البلوش، وبين النفي والاتهام تتسع مساحة الغموض التي يدفع ثمنها السكان في كل مرة تقريبا كل يوم.
لكن أخطر ما في الخطاب الرسمي أنه يخلط بين التهديد الخارجي والغضب المحلي، فكل مطلب احتجاجي أو توتر اجتماعي يصبح قابلا للاندراج داخل قاموس التخوين، ما يضعف أي تسوية عادلة.
وتشير الباحثة مديحة أفضل، المتخصصة في باكستان لدى معهد بروكينغز، إلى أن صعود التشدد يرتبط أيضا بأزمات التعليم والخطاب العام والشرعية، وأن الأمن وحده لا يصنع استقرارا عندما تفشل الدولة في الإقناع.
من جهة أخرى، تمثل بلوشستان نموذجا صارخا لمعادلة الثروة والفقر، ففي الإقليم موارد وممرات استراتيجية، لكن قطاعات واسعة من السكان تشكو البطالة والاختفاء القسري وضعف التمثيل وتغول الأجهزة الأمنية داخل الإقليم نفسه.
إضافة إلى ذلك، يؤدي توصيف الانفصاليين بوصفهم أدوات هندية فقط إلى طمس جذور الأزمة البلوشية، وهي جذور تتصل بتوزيع السلطة والثروة والكرامة، لا بمجرد صراع استخباراتي عابر للحدود منذ عقود طويلة.
بناء على ذلك، تبدو العمليات الأخيرة انتصارا تكتيكيا قابلا للتسويق، لكنها لا تقدم إجابة عن اليوم التالي، ولا تكشف كيف ستمنع السلطات عودة الخلايا أو انتقامها أو انتقال العنف إلى مدنيين.
لهذا يحتاج الملف إلى شفافية قضائية وإعلامية مستقلة، لا إلى بيانات أحادية تكتفي بعد الجثث، لأن المجتمعات التي تعيش الحرب تحتاج معرفة الحقيقة لا الاكتفاء بصورة المنتصر التي تصنعها المؤسسة العسكرية.
المدنيون يدفعون الثمن
مقابل ذلك، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في خيبر بختونخوا وبلوشستان، فهم يتعرضون لضغط الجماعات المسلحة إذا تعاونوا مع الدولة، ولشكوك الأجهزة إذا التزموا الصمت، وبين الخوفين تضيع الحياة اليومية بلا حماية حقيقية.
كما يرى خبراء حقوق الإنسان أن العمليات الواسعة تفقد مشروعيتها عندما تغيب آليات التعويض والتحقيق في الأخطاء، لأن مكافحة التمرد بلا حماية اجتماعية تتحول بسرعة إلى عقاب جماعي غير معلن.
عليه، فإن الرقم 49 قد يبدو مريحا للسلطة أمام جمهور يبحث عن الحسم، لكنه لا يجيب عن أسئلة الأهالي حول النزوح والاعتقالات والمفقودين وتوقف الأعمال وحصار القرى أثناء الحملات ولا المساعدات المحلية.
وتحذر عائشة صديقة، المتخصصة في العلاقات المدنية العسكرية الباكستانية، من أن تضخم نفوذ المؤسسة العسكرية يضعف الرقابة المدنية، ويجعل القرارات الأمنية فوق النقاش العام، خصوصا في مناطق مهمشة ومغلقة إعلاميا.
في النهاية، تتكرر الحلقة ذاتها داخل باكستان، هجوم مسلح ثم حملة عسكرية ثم بيان نصر، بينما تغيب خطة طويلة تعالج الحدود المفتوحة والاقتصاد المحلي والتعليم العدائي وسوء العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وبينما تصف إسلام آباد خصومها بأسماء عقائدية ووطنية مشحونة، يحتاج الرأي العام إلى لغة دقيقة تفصل بين المقاتل والمدني، وبين المطالبة بالحقوق والعمل المسلح، وبين الأمن المشروع والقمع المنظم دون ضباب دعائي.
فضلا عن ذلك، فإن الصراع مع طالبان باكستان والانفصاليين البلوش يتحول تدريجيا إلى اختبار لقدرة الدولة على الاعتراف بأخطائها، لا اختبارا لقوة السلاح وحدها أو حجم العمليات الليلية الدموية أمام المجتمع كله.
من هنا، يجب أن ترافق أي حملة أمنية ضمانات واضحة، تشمل إعلان هوية القتلى بعد التحقق، وفتح تحقيق في أي أضرار مدنية، وتمكين الصحافة المستقلة من الوصول إلى مناطق العمليات.
إجمالا، لا تكفي حصيلة 49 قتيلا لتقديم صورة نصر كاملة، لأن النزاعات الحدودية لا تنتهي بالأرقام، بل تنتهي عندما يشعر السكان أن الدولة تحميهم ولا تستخدمهم كخلفية لصراعها في النهاية.
ختاما، تكشف عمليات خيبر بختونخوا وبلوشستان أن باكستان تواجه أزمة مركبة، جزء منها مسلح وجزء منها اجتماعي وحدودي، وأي سلطة تكتفي بالرصاص ستربح المعركة العاجلة وتخسر السلام الطويل بكلفة بشرية فادحة.

