كشفت شكاوى أسر مرضى أمراض الدم بمحافظة مطروح عن تجدد أزمة غياب الاستشاري المتخصص في أمراض دم الأطفال داخل خدمات التأمين الصحي بالمحافظة، وقال أصحاب الشكاوى إن الأزمة تمس قرابة 2000 طفل يحتاجون متابعة منتظمة وإقرار علاج، بما يضع استمرار الرعاية الطبية والصرف الدوري للأدوية تحت ضغط مباشر.

 

وتأتي الشكاوى بينما تروج الحكومة لتوسيع خدمات التأمين الصحي والاستعداد لإدراج مطروح ضمن المرحلة الثانية من المنظومة الشاملة، في وقت تكشف الوقائع المنشورة منذ نوفمبر 2025 أن بعض الأسر اضطرت إلى السفر إلى الإسكندرية للحصول على كشف متخصص وموافقة علاج كان يفترض أن تكون متاحة داخل المحافظة نفسها.

 

 

علاج معلق بطبيب زائر

 

وبحسب شكاوى منشورة في يناير 2026، توقفت الطبيبة المتعاقدة مع التأمين الصحي عن الحضور منذ نوفمبر 2025، وهو ما دفع أسر أطفال مصابين بأنيميا البحر المتوسط إلى المطالبة بتوفير بديل ثابت، بعدما ارتبط صرف بعض الأدوية بضرورة عرض الأطفال على طبيب أمراض دم مختص واعتماد الخطة العلاجية المقررة لهم.

 

وفي المقابل أعلنت هيئة التأمين الصحي يوم 23 يناير 2026 أنها ستوفر طبيبة أمراض دم في مطروح يوم 26 يناير، وأقرت بأن غياب التخصص أجبر المرضى على التوجه إلى الإسكندرية للكشف وإقرار العلاج ثم العودة إلى مطروح للصرف، وهو اعتراف رسمي بأن الخدمة لم تكن مستقرة داخل المحافظة.

 

طبيًا تحذر الدكتورة آمال البشلاوي أستاذة طب الأطفال وأمراض الدم بكلية طب قصر العيني ورئيسة الجمعية المصرية لمرضى أنيميا البحر المتوسط من أن الحالات الشديدة قد تحتاج نقل الدم منذ عمر 6 أشهر مع متابعة مستمرة وأدوية للتخلص من الحديد المتراكم، لأن انقطاع العلاج يهدد الكبد والقلب والبنكرياس.

 

ولهذا تكتسب أزمة مطروح خطورتها من طبيعة المرض نفسه، فمرضى أنيميا البحر المتوسط لا يحتاجون زيارة عابرة عند ظهور الأعراض فقط، بل يعتمد جزء منهم على نقل دم دوري وتحاليل ومتابعة وظائف أعضاء وصرف أدوية محددة، ما يجعل غياب الاستشاري أو قصر حضوره على فترات متباعدة خللًا في مسار العلاج.

 

ومن جهة أخرى تشير الصفحة الحكومية الخاصة بخدمات فحص المقبلين على الزواج إلى وجود عيادة أمراض دم في عيادة مطروح النموذجية التابعة للتأمين الصحي في السبت الأول من كل شهر، بينما تسجل عيادة أمراض دم بمستشفى مطروح العام يومي الثلاثاء والخميس، وهو تفاوت يطرح سؤالًا عن قدرة التأمين على تغطية مرضاه فعليًا.

 

 

السفر للإسكندرية بدل الرعاية

 

وعلى الأرض لا تعني إحالة الطفل إلى الإسكندرية مجرد تغيير مكان الكشف، لأن مرسى مطروح تبعد نحو 290 كيلومترًا عن الإسكندرية وفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، وهو ما يحول موافقة علاج روتينية إلى رحلة سفر طويلة تتحمل الأسرة خلالها تكاليف الانتقال وغياب ولي الأمر عن عمله وإرهاق الطفل المريض.

 

إلى جانب ذلك سبق أن اشتكت أسر مرضى الثلاسيميا في مطروح خلال سبتمبر 2025 من نقص دواء هايدروكسي يوريا، وربطت الشكاوى بين أزمة الدواء وغياب التخصصات الدقيقة والاعتماد على زيارة طبيبة من خارج المحافظة، بما يكشف أن مشكلة الاستشاري ليست واقعة منفصلة عن سلسلة اضطرابات في استمرارية الرعاية.

 

الأخطر أن الدكتورة منى مينا الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء ربطت أزمة نقص الأطباء في المستشفيات الحكومية بتدني الأجور وقلة أعداد الأطباء وكثرة المرضى وضعف الإمكانات، وأكدت أن استمرار هذه الظروف يدفع مزيدًا من الأطباء إلى الهجرة ويجعل تقديم خدمة طبية مرضية أكثر صعوبة داخل القطاع الحكومي.

 

وتوضح شهادة مينا البعد الذي تتجاهله الحلول المؤقتة في مطروح، لأن استدعاء طبيب من خارج المحافظة ليوم محدد قد يغطي عددًا من الملفات لكنه لا ينشئ خدمة تخصصية مستقرة، ولا يضمن وجود طبيب عند حدوث مضاعفات أو الحاجة إلى تعديل العلاج، كما لا يعالج سبب عجز المحافظات البعيدة عن جذب الكفاءات.

 

وبالتزامن مع ذلك أعلنت مديرية صحة مطروح في أكتوبر 2025 حاجتها إلى التعاقد الجزئي مع أطباء في تخصصات الباطنة والأطفال وطب الأسرة مقابل مادي وصفته بالمجزي، ثم فتحت في مايو 2026 تسجيل رغبات أطباء التكليف لتوزيعهم على الإدارات الصحية، وهي خطوات تعكس استمرار الحاجة إلى تدعيم القوة البشرية بالمحافظة.

 

 

عجز مزمن بلا حل

 

أما الدكتور إيهاب الطاهر عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا فيرى أن هجرة الأطباء خلفت عجزًا في مقدمي الخدمة الصحية خاصة في التخصصات الأكثر جهدًا وخطورة، وحدد تدني الأجور ومخاطر العدوى والاعتداءات ونقص المستلزمات وسوء أماكن الإقامة ضمن عوامل الطرد التي تدفع الأطباء إلى ترك العمل الحكومي أو السفر.

 

وفي هذا السياق تصبح أزمة أمراض الدم للأطفال في مطروح جزءًا من سياسة إدارة العجز بدل إنهائه، فالحكومة تستطيع إعلان قافلة أو زيارة استشاري أو فتح باب تعاقد مؤقت، لكن المريض المزمن يحتاج جدولًا ثابتًا وطبيبًا متاحًا ونظام إحالة واضحًا وصرفًا منتظمًا للدواء من دون ربط حقه في العلاج بموعد زيارة عابر.

 

وبالعودة إلى رقم 2000 طفل الذي تتداوله الشكوى الحالية، لا تظهر في البيانات الرسمية المنشورة التي أمكن مراجعتها إحصائية تثبت أن هذا العدد يخص مرضى أمراض الدم في مطروح وحدها، بينما تؤكد آمال البشلاوي أن مصر تشهد ولادة قرابة 2000 طفل مصاب بالثلاسيميا سنويًا، وهو فارق توثيقي يستوجب إعلان الأعداد المحلية بوضوح.

 

وبذلك لا تقتصر مسؤولية وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحي على الرد بعد انتشار الشكاوى، لأن الجهات الحكومية تملك ملفات المنتفعين وقرارات العلاج ومواعيد العيادات وأعداد المترددين، ويمكنها نشر حصر دقيق للمرضى وتحديد عدد الأطباء المطلوبين وضمان جدول ثابت لأمراض دم الأطفال بدل ترك الأسر تبحث عن موعد أو محافظة بديلة.

 

وأخيرا أمام تكرار الشكاوى منذ 2025، يبقى غياب استشاري ثابت لأمراض الدم في مطروح مؤشرًا على عجز حكومي يمس مرضى يحتاجون رعاية مستمرة لا موسمية، وتصبح أي استجابة مؤقتة ناقصة ما لم تنته بسد التخصص وتثبيت مواعيد المتابعة وتأمين الدواء ونقل الدم، حتى لا يتحول عنوان العلاج المجاني إلى رحلة إجبارية نحو الإسكندرية.