أعلن جيش الاحتلال الصهيوني، الأربعاء 19 أغسطس 2026، فتح تحقيقين جنائيين في قطاع غزة بعد مراجعة 150 واقعة عسكرية، يتعلق الأول بمقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب ومسعفين حاولا إنقاذها في مدينة غزة، ويتعلق الثاني بمقتل 15 من أفراد الطواقم الطبية والإنسانية في رفح، لتنتقل القضيتان من الفحص الداخلي إلى التحقيق الجنائي.

 

ويأتي القرار بعد أكثر من عامين على واقعة هند رجب وبعد نحو 17 شهرًا على مقتل مسعفي رفح، بينما أبقى الجيش 3 قضايا أخرى خارج المسار الجنائي، بينها مقتل 7 من موظفي المطبخ المركزي العالمي، وهو ما يعمق الانتقادات الموجهة إلى منظومة التحقيق الإسرائيلية بسبب التأخير وانتقائية الملفات وضعف الوصول إلى محاكمات.

 

 

مقتل هند رجب وتناقض الرواية

 

بدأت واقعة هند رجب في 29 يناير 2024 عندما علقت الطفلة داخل سيارة عائلتها في حي تل الهوى بمدينة غزة، بعدما تعرضت المركبة لإطلاق نار أثناء محاولة العائلة مغادرة المنطقة، وبقيت هند وحدها تقريبًا وسط جثامين أقاربها، بينما تمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلبت إرسال من ينقذها.

 

وخلال الاتصال الذي استمر لساعات، سجل موظفو الهلال الأحمر استغاثات هند وأصوات إطلاق النار المحيطة بالمركبة، ثم أرسل الهلال سيارة إسعاف تقل المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون بعد تنسيق الوصول إلى الموقع، غير أن الاتصال انقطع بالطفلة وبطاقم الإسعاف بعد وصول السيارة إلى المنطقة التي كانت تخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية.

 

وعندما انسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة بعد 12 يومًا، عثرت فرق الإنقاذ على جثمان هند وأفراد من عائلتها داخل السيارة المثقوبة بالرصاص، كما عثرت على جثماني المسعفين داخل سيارة الإسعاف المدمرة على مسافة قريبة، لتتحول المكالمة الأخيرة للطفلة إلى واحدة من أبرز الوقائع الإنسانية الموثقة خلال الحرب على غزة.

 

وبعد شهور من النفي الإسرائيلي لوجود قوات قريبة من موقع الحادث، أقر الجيش في 19 أغسطس 2026 بأن جنوده أطلقوا النار على سيارة هند أثناء اقترابها منهم، كما أقر بأن قذيفة أطلقت لاحقًا باتجاه سيارة إسعاف الهلال الأحمر، وقال إن إخفاقات محتملة في تنسيق حركة الإسعاف دفعت إلى فتح تحقيق جنائي.

 

ومن جانبه وصف الباحث السياسي ومدير مؤسسة هند رجب ضياء أبو جهجاه التحقيق العسكري بأنه مسار يهدف إلى تبرئة المسؤولين بدل محاسبتهم، وطالبت عائلة هند بتحقيق دولي مستقل، بينما تمسكت المؤسسة التي تحمل اسم الطفلة بملاحقة المسؤولين أمام جهات قضائية خارج إسرائيل، مستندة إلى آليات المحاسبة المتاحة بشأن الجرائم الدولية.

 

ولاحقًا تجاوزت قضية هند حدود التغطية الإخبارية بعدما تحولت قصتها إلى فيلم بعنوان صوت هند رجب، وحصل الفيلم على جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية وعلى ترشيح لجائزة أوسكار، وهو ما أعاد تسجيلات مكالمتها وساعات انتظار الإنقاذ إلى المجال العام، وزاد الضغط على الرواية الإسرائيلية التي أنكرت في البداية وجود قوات بالموقع.

 

 

مسعفو رفح ورواية متراجعة

 

في رفح بدأت القضية الثانية فجر 23 مارس 2025 عندما خرجت سيارات إسعاف وإنقاذ إلى منطقة تل السلطان استجابة لبلاغات عن مصابين، ثم أطلقت القوات الإسرائيلية النار على سيارة إسعاف كانت تتحرك لإنقاذ ضحايا، قبل أن تستهدف مركبات أخرى توجهت تباعًا للبحث عن الطاقم المفقود والوصول إلى موقع الاستغاثة.

 

وبحسب الأمم المتحدة، أسفر إطلاق النار عن مقتل 15 من العاملين في الطوارئ والإغاثة، بينهم 8 مسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني و6 من أفراد الدفاع المدني وموظف تابع للأمم المتحدة، ثم عثرت فرق الإغاثة بعد نحو أسبوع على الجثامين مدفونة في قبر جماعي إلى جوار مركبات إنسانية محطمة ومدفونة جزئيًا.

 

ثم قالت الرواية الإسرائيلية الأولى إن المركبات اقتربت من الجنود بطريقة مريبة ومن دون تشغيل أضواء التحذير، لكن تسجيلًا صوره أحد المسعفين أظهر سيارات الإسعاف وهي تتحرك ببطء وأضواؤها التحذيرية تعمل وعلاماتها واضحة، فتراجع الجيش عن أجزاء من روايته واتخذ إجراءات إدارية بحق ضابط قبل إحالة الواقعة إلى التحقيق الجنائي.

 

لكن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك طالب بتحقيق مستقل وسريع وشامل في مقتل الطواقم الإنسانية، كما اعتبر مكتب حقوق الإنسان الأممي أن الوقائع المتاحة تثير احتمال استهداف متعمد لأفراد محميين بموجب القانون الدولي، وطالب بمحاسبة المسؤولين وعدم الاكتفاء بتحقيق تجريه المؤسسة العسكرية التي نفذت العملية نفسها.

 

وعلى إثر ظهور التسجيل وشهادات الناجين، أصبحت مسألة حماية سيارات الإسعاف والعاملين الإنسانيين جزءًا مباشرًا من ملف التحقيق، لأن القانون الدولي الإنساني يمنح الطواقم الطبية ووسائل نقلها حماية خاصة أثناء النزاعات، ولأن التسجيل الذي أظهر العلامات الواضحة وأضواء التحذير ناقض الأساس الذي استخدمه الجيش في روايته الأولى لتبرير إطلاق النار.

 

 

تحقيق داخلي ومحاسبة نادرة

 

بالتوازي مع إحالة قضيتي هند رجب ومسعفي رفح للتحقيق الجنائي، قرر الجيش الإسرائيلي عدم فتح تحقيقات جنائية في 3 وقائع أخرى من أصل 5 قضايا حسمتها آلية تقصي الحقائق، وبينها غارات أبريل 2024 التي قتلت 7 من موظفي المطبخ المركزي العالمي رغم التنسيق المسبق لمسار مركبات المنظمة ووضوح علاماتها.

 

ورغم أن الجيش قال إن مراجعة الوقائع تأتي ضمن التزاماته بالقانون الإسرائيلي والدولي وإن قواته لا تتعمد استهداف المدنيين، فإن البيان لم يحدد أسماء العسكريين الذين سيخضعون للتحقيق ولا سقفًا زمنيًا لإنجازه، كما لم يضمن انتقال الملفين إلى لوائح اتهام، وهو ما أبقى النتيجة القانونية مفتوحة بالكامل أمام النيابة العسكرية.

 

وتظهر بيانات منظمة يش دين الحقوقية الإسرائيلية أن التحقيقات العسكرية المتعلقة بإيذاء فلسطينيين نادرًا ما تنتهي بملاحقة قضائية، كما توثق المنظمة تأخر إجراءات التحقيق وصعوبة وصول الضحايا والشهود إلى آليات الشكوى، وهي عوامل تقول المنظمة إنها تضعف جمع الأدلة وتقلل فرص توجيه اتهامات حتى في الوقائع التي تتوافر فيها مؤشرات واضحة.

 

إجرائيًا ستتولى الشرطة العسكرية التحقيق في الملفين ثم تحيل النتائج إلى النيابة العسكرية، ويملك المدعي العسكري صلاحية مواصلة التحقيق أو توجيه اتهامات أو إغلاق الملفات، غير أن هذا المسار يبدأ بعد مرور فترة طويلة على الوقائع وبعد خضوعها لفحوص داخلية سابقة، وهو عامل سبق أن انتقدته منظمات حقوقية بسبب تأثيره على الأدلة والشهادات.

 

أما المحامية الحقوقية طال شتاينر فتقول إن وصول قضايا قتل الفلسطينيين إلى المحاكم العسكرية يظل نادرًا، وإن صدور عقوبات مشددة أندر من ذلك، وتدعم أرقام منظمة يش دين هذا التقييم إذ أظهرت أن 0٫17 بالمئة فقط من التحقيقات العسكرية التي فتحت خلال 3 عمليات في غزة بين 2014 و2022 انتهت إلى ملاحقة قضائية.

 

ختامًا أعاد اعتراف الجيش بإطلاق النار على سيارة هند رجب وسيارة الإسعاف، وإحالته مقتل مسعفي رفح إلى تحقيق جنائي، فتح ملفين ظلا سنوات تحت ضغط الأدلة والشهادات، لكن رفض التحقيق جنائيًا في وقائع أخرى وغياب أسماء مشتبه بهم أو جدول زمني أو ضمان للمحاكمة يجعل الاختبار الحقيقي مرتبطًا بالاتهامات والأحكام لا بإعلان التحقيق.