يستعد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لتسلّم 477 قطعة أرض فضاء في محافظة البحر الأحمر، تمهيدًا لإدارتها وطرحها على المستثمرين خلال سنوات، بمشروعات سياحية وعقارية وترفيهية وفندقية وتجارية، باستثمارات مبدئية تُقدّر بنحو تريليوني جنيه.

 

يكشف هذا التحرك اتساعًا جديدًا لنفوذ جهاز يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بينما تتراجع قدرة الجهات المحلية والوزارات التقليدية على إدارة أصولها، بما يثير مخاوف من تركيز القرار الاقتصادي والأرض العامة داخل كيان واسع الصلاحيات محدود الرقابة.

 

وتتوزع الأراضي المستهدفة على خمس مدن، تتصدرها مرسى علم بـ324 قطعة، ثم الغردقة بـ121 قطعة، والقصير بـ29 قطعة، ورأس غارب بقطعتين، وسفاجا بقطعة واحدة، ما يجعل الساحل الجنوبي مركز الثقل الأساسي في الخطة.

 

وبحسب المعلومات المتاحة، يُفترض أن تمتد عملية الطرح بين 8 و10 سنوات، وهو أفق طويل يمنح الجهاز سلطة ممتدة على إعادة تشكيل استخدامات مساحات واسعة من الأراضي الساحلية، ويجعل قرارات التخصيص والتسعير وشروط الاستثمار شديدة الأهمية.

 

كما طلبت محافظة البحر الأحمر من الوحدات المحلية تجهيز محاضر مستقلة لكل قطعة، مرفقة بشهادات تؤكد عدم تخصيصها سابقًا أو التصرف فيها قانونيًا، في محاولة لتثبيت الموقف القانوني قبل انتقال الإدارة ومنع نزاعات قد تظهر لاحقًا.

 

وفي السياق نفسه، كانت المحافظة قد أسندت إلى الجهاز إدارة 185 قطعة أخرى سُحبت من مستثمرين بسبب ضعف نسب التنفيذ وعدم الالتزام باشتراطات الاستغلال، ما يرفع حجم الأصول التي تنتقل إلى نطاق إدارته ويعمق حضوره في المحافظة.

 

غير أن القضية لا تتعلق بعدد القطع وحده، بل بطريقة إدارة أصل عام بالغ الحساسية في منطقة سياحية وبيئية نادرة، وبمدى خضوع قرارات التخصيص لمعايير شفافة تضمن المنافسة العادلة وتحفظ حق المجتمع في معرفة العوائد والشروط.

 

ولذلك يفتح التوسع الجديد سؤالًا مباشرًا حول حدود الدور الذي يفترض أن تؤديه الدولة: هل تنظم السوق وتحمي المنافسة وتراقب استخدام الأرض، أم تتحول عبر جهاز واحد إلى مالك ومدير ومخطط ومخصص ومشارك في الاستثمار معًا.

 

ومن ثم تبدو المسألة أبعد من مشروع استثماري ضخم، لأنها تتصل بتحويل سلطة إدارة الأرض العامة إلى مركز واحد، بينما تعاني المجتمعات المحلية في البحر الأحمر من احتياجات خدمية وبيئية وعمرانية تتطلب مشاركة أوسع في تحديد الأولويات.

 

وعلى الجانب الإنساني، لا يمكن فصل قيمة الشواطئ والأراضي عن حقوق سكان المدن والعاملين في السياحة والصيد والخدمات، إذ إن أي إعادة رسم واسعة لاستخدامات الساحل قد ترفع الأسعار وتغير أنماط العمل والوصول إلى الموارد المحلية.

 

صلاحيات تتجاوز الإدارة

 

يقول يزيد صايغ، الباحث في مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط، إن نموذج جهاز مستقبل مصر يعكس اعتمادًا متزايدًا على السيطرة على الأراضي والبنية الأساسية والأصول العامة كمصدر لتوليد الإيرادات، بدلًا من توجيه الموارد أساسًا نحو الاستثمار الإنتاجي والتحديث.

 

ويعتبر صايغ أن نهج الجهاز يقوم على الاحتفاظ بالسيطرة والإدارة الشاملة للأراضي مع إتاحتها للمستثمرين، وهو ما يمنح الدولة موقع المؤجر والمنظم في آن واحد، ويخلق علاقة غير متكافئة إذا لم تقابلها قواعد واضحة للمساءلة والمنافسة.

 

وبهذا المعنى، فإن تسليم مئات القطع الساحلية للجهاز ينسجم مع مسار أوسع توسع خلاله من الزراعة والغذاء إلى العقارات والسياحة والطاقة والخدمات، بما يثير سؤالًا عن الحدود الفعلية بين الوظيفة العامة والنشاط الاستثماري التجاري.

 

وفوق ذلك، منح قانون إعادة تنظيم الجهاز الصادر في يوليو صلاحيات واسعة تتعلق بالأراضي والشركات ومناطق التنمية المستدامة، بما يجعل صفقة البحر الأحمر اختبارًا مبكرًا لكيفية استخدام هذه السلطات ومدى وضوح قواعد الاختيار والتخصيص والعائد.

 

وبالتالي لا يكفي إعلان رقم استثمارات مبدئي يبلغ تريليوني جنيه للحكم على جدوى الخطة، لأن القيمة الحقيقية تتوقف على سعر الأرض، ومدد الانتفاع، وحصة الدولة، ونسب التنفيذ، والالتزامات البيئية، وفرص العمل، وآليات مراجعة العقود.

 

رقابة أقل ومساحة أكبر

 

تحذر ندى عرفات، الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من أن الإطار القانوني الجديد للجهاز يجمع سلطات التخطيط ووضع القواعد والترخيص والتخصيص والاستثمار وإدارة الأصول والرقابة والتحصيل، وهو تركيز يجعل الكيان في موقع الرقيب والمشغل معًا.

 

وترى عرفات أن هذا الجمع بين الاختصاصات يفتح الباب لتداخل مؤسسي كان يفترض أن تضبطه قواعد رقابة وشفافية أوضح، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأصول عامة وموارد محدودة تمس حقوق المواطنين في المعرفة والمشاركة والاستفادة من الثروة العامة.

 

وعلى هذا الأساس، تكتسب عملية تسليم أراضي البحر الأحمر حساسية مضاعفة، لأن الجهاز لن يتعامل مع أراض هامشية عديمة القيمة، بل مع مواقع سياحية وعقارية يمكن أن تحقق عوائد ضخمة وتعيد تشكيل أنماط التنمية في مدن ساحلية كاملة.

 

كذلك فإن اشتراط تحرير محضر مستقل لكل قطعة والتحقق من سلامة موقفها القانوني خطوة ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة لاحقة بشأن أسلوب التسعير، ومعايير المفاضلة بين المستثمرين، ومدة التخصيص، وشروط سحب الأرض عند التعثر.

 

لهذا تصبح الرقابة السابقة واللاحقة على التخصيص ضرورة وليست إجراءً شكليًا، لأن طول مدة الطرح التي قد تصل إلى 10 سنوات يسمح بتراكم قرارات مالية وعمرانية يصعب تصحيح آثارها إذا غابت الشفافية منذ البداية.

 

الأرض بين العائد والحق

 

ويطرح يحيى شوكت، الباحث ومحلل سياسات الإسكان والعمران ومدير مرصد العمران، نقدًا متكررًا لتحول جهات الدولة من أداء أدوارها الاجتماعية والتخطيطية إلى تعظيم النشاط التجاري للأرض، معتبرًا أن ذلك قد يأتي على حساب الوظائف العامة الأصلية.

 

وتتقاطع رؤية شوكت مع حالة البحر الأحمر، إذ إن تحويل الأرض العامة إلى مورد استثماري يجب ألا يختزل في أعلى عائد مالي ممكن، بل ينبغي أن يوازن بين الاستثمار والاحتياجات المحلية وحماية الشواطئ والبيئة وإتاحة المجال العام.

 

وفي هذا الإطار، تصبح قيمة الأصل العام أوسع من سعر بيعه أو مقابل الانتفاع به، لأنها تشمل أثره على المجتمع والاقتصاد المحلي، وقدرته على دعم تنمية متوازنة بدل تحويل المواقع الأعلى قيمة إلى جيوب استثمارية منفصلة عن محيطها.

 

وبناءً على ذلك، فإن معيار النجاح الحقيقي ليس حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل قدرة المشروعات على خلق وظائف مستقرة وتحسين الخدمات وزيادة الإيرادات العامة دون تحويل المدن الساحلية إلى مساحات مغلقة تخدم المستثمرين والسياحة الثرية وحدها.

 

وفي المقابل، يحتاج سكان مرسى علم والغردقة والقصير وسفاجا ورأس غارب إلى معرفة ما إذا كانت خطط الاستثمار ستوفر بنية أساسية أفضل وفرصًا عادلة، أم ستزيد الضغط على المياه والسكن والمواصلات والخدمات في بيئة محدودة الموارد.

 

ثم إن وجود 324 قطعة في مرسى علم وحدها يعني أن المدينة ستكون أمام موجة تحول عمراني واستثماري كبيرة إذا نُفذت الخطط، وهو ما يستوجب تقييمًا بيئيًا ومكانيًا شاملًا قبل الطرح وليس بعد توقيع عقود طويلة الأجل.

 

وأخيرًا، تكشف عملية نقل 477 قطعة إلى جهاز مستقبل مصر عن معضلة أوسع من مجرد تنشيط الاستثمار، تتمثل في كيفية إدارة الدولة لأراضيها ومن يراقب هذه الإدارة ومن يحصل على العائد ومن يتحمل الكلفة الاجتماعية والبيئية.

 

وفي المحصلة، يمكن أن تتحول الأراضي إلى مشروعات منتجة إذا خضعت لمنافسة شفافة ورقابة معلنة ومشاركة محلية، لكن غياب هذه الضمانات يجعل التوسع في صلاحيات الجهاز أقرب إلى إعادة تركيز الثروة والقرار منه إلى تنمية مستدامة عادلة.