حول حي سموحة، أحد أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، بعد صلاة الجمعة في 16 أغسطس 2013، إلى ساحة جديدة للقتل والقنص، عندما تعرضت مسيرة حاشدة من رافضي الانقلاب لإطلاق الرصاص الحي والخرطوش وقنابل الغاز، بعد خروج المشاركين من تشييع جثماني اثنين من ضحايا فض اعتصام رابعة العدوية. 

 

وتباينت حصيلة الشهداء بين الروايات الرسمية والتوثيق الحقوقي وشهادات المشاركين، إذ أعلنت مديرية الأمن وفاة 24 شخصًا وإصابة 95، بينما سجلت مديرية الشؤون الصحية أسماء 30 شهيدًا، ووثقت منظمات حقوقية مقتل 32 متظاهرًا وإصابة قرابة 200 واعتقال 357 آخرين، في حين قدرت شهادات أخرى عدد الشهداء بنحو 40.

 

من الجنازة إلى الرصاص

 

بدأت الأحداث بتجمع آلاف المشاركين في ميدان مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية لتشييع جثماني اثنين من ضحايا فض اعتصام رابعة العدوية، الذي وقع قبل يومين فقط، في وقت لم تكن فيه المدينة قد انتهت من دفن ضحاياها.

 

وبعد دفن الجثمانين، خرجت مسيرة غاضبة مرت بمنطقة الإبراهيمية وسارت عبر شارع أبي قير، وصولًا إلى مسجد علي بن أبي طالب في حي سموحة، وسط حالة من الغضب الشعبي والحزن على قتلى الفض.

 

وبحسب روايات شهود العيان، بدأ مسلحون وصفهم المشاركون بالبلطجية إطلاق الخرطوش على المسيرة عند كوبري كليوباترا، قبل أن تتدخل قوات الأمن المركزي وتطلق قنابل الغاز داخل سموحة، وخصوصًا بالقرب من سلالم مسجد علي بن أبي طالب.

 

https://www.facebook.com/watch/?v=1601525288162491

 

وسرعان ما تحول محيط المسجد والشوارع المجاورة إلى ساحة من الفوضى والدماء، مع إطلاق الرصاص الحي والخرطوش على المشاركين، وسقوط قتلى ومصابين، بينما حاول آخرون الاحتماء بالمباني والمحال والمنشآت الموجودة في المنطقة.

 

وتحدث الشهود عن استهداف الشباب الذين حاولوا الوصول إلى الجرحى وإسعافهم، ما جعل نقل المصابين أو انتشال القتلى مخاطرة قد تنتهي بإصابة جديدة. ووصل الأمر، وفق إحدى الشهادات، إلى احتماء متظاهر بجثمان لتجنب رصاص القناصة.

 

وأفاد شاهد اعتقل من داخل إحدى كبائن الصراف الآلي بأن شابًا شاهد شقيقه مقتولًا في منتصف الطريق، لكنه عجز عن الوصول إليه خوفًا من القناصة، في مشهد يلخص حالة الرعب التي سيطرت على المكان.

 

كما روت والدة أحد القتلى أنها اتصلت بهاتف ابنها، فرد عليها شخص آخر وأخبرها بأن الهاتف أصبح مع الجيش، لتقول في شهادتها إن الجيش هو من يقتل شعبه، معبرة عن صدمتها من المصير الذي لقيه ابنها.

 

وتكشف هذه الروايات أن المشاركين لم يواجهوا فقط خطر إطلاق النار، بل حرم بعضهم من إسعاف المصابين أو الوصول إلى أقاربهم، بينما بقيت الجثامين والجرحى في الشوارع تحت مرمى الرصاص لفترات متفاوتة.


 

قناصة يستهدفون المسعفين

 

قدم المصور الصحفي محمد سعيد واحدة من أبرز الشهادات عن أحداث ذلك اليوم، إذ قال إنه سقط على الأرض وبجواره أكثر من عشرة قتلى، بينهم شخص أصيب برصاص سلاح من نوع غرينوف، وسط استمرار إطلاق النار.

 

وأوضح سعيد أنه نجا من الموت بعدما اخترقت رصاصة ذراعه، ثم أصابت شخصًا كان يقف خلفه فقتلته. وتحولت إصابته إلى شهادة مباشرة على طبيعة النيران المستخدمة ومدى خطورتها على الموجودين في الشارع.

 

أما عاصم الشامي، أحد شهود المجزرة، فقال إن تلك كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها الدماء بهذه الصورة، مؤكدًا أن مشاهد الجثث والقناصة والشباب الملقين على الأرض ستظل حاضرة في ذاكرته ولا يمكن نسيانها.

 

وتباينت الأرقام المعلنة بشأن الخسائر البشرية، ما أضاف طبقة أخرى من الغموض إلى الواقعة. فقد أعلنت مديرية الأمن وقتها وفاة 24 شخصًا وإصابة 95، بينما تحدث مشاركون وشهود عن حصيلة ربما وصلت إلى 40 قتيلًا.

 

وأعلنت مديرية الشؤون الصحية بالإسكندرية لاحقًا قائمة تضم أسماء 30 قتيلًا في أحداث سموحة، وهي حصيلة أعلى من الرقم الذي أعلنته مديرية الأمن، بينما تبنت جهات حقوقية رقمًا آخر بلغ 32 قتيلًا ونحو 200 مصاب.

 

كما وثقت المنظمات الحقوقية اعتقال 357 شخصًا على خلفية الأحداث، ما يشير إلى أن القمع لم يقتصر على إطلاق النار وتفريق المسيرة، بل امتد إلى حملة توقيف واسعة طالت مئات المشاركين والموجودين في المنطقة.

 

ويعكس اختلاف أعداد القتلى والمصابين والمعتقلين بين الجهات الرسمية والحقوقية غياب رواية موحدة وشفافة لما جرى، ويؤكد الحاجة إلى تحقيق مستقل يراجع سجلات المستشفيات والمشارح والشرطة ومقاطع الفيديو وشهادات سكان المنطقة.

 

وتظل الشهادات الفردية عنصرًا رئيسيًا في توثيق المجزرة، خصوصًا مع حديث شهود عن وجود قناصة واستهداف من حاولوا إسعاف المصابين، واستخدام الرصاص الحي داخل منطقة سكنية مكتظة بالمواطنين والعقارات والمحال التجارية.

 

توثيق حقوقي بلا محاسبة

 

أصدر ائتلاف ضم منظمات حقوقية، بينها مركز ضحايا لحقوق الإنسان والمركز العربي الأفريقي للحقوق والحريات ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، بيانًا أعلن فيه توثيق الانتهاكات التي وقعت في سموحة ومحيط مسجد الفتح بالقاهرة.

 

وقال الائتلاف إنه أعد مذكرة قانونية تتضمن أدلة اتهام بحق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع وقت الأحداث، ومحمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، على خلفية مسؤولية القوات التابعة لهما عن الانتهاكات الموثقة.

 

كما أعلن توثيق أسباب وفاة عشرة من ضحايا أحداث الإسكندرية، والحصول على مقاطع مصورة قال إنها تظهر ضباطًا من الجيش والشرطة يستخدمون الأسلحة النارية والرصاص الحي في استهداف المتظاهرين خلال المواجهات.

 

وبحسب حصيلة الائتلاف، أسفرت مجزرة سموحة عن مقتل 32 متظاهرًا وإصابة قرابة 200 واعتقال 357 آخرين. كما جمع فريقه شهادات أكثر من 35 شاهد عيان من سكان العقارات وأصحاب المحال المحيطة بالموقع.

 

وتحدثت الشهادات، وفق الائتلاف، عن كواليس قنص المتظاهرين وإطلاق الرصاص عليهم بواسطة قوات الجيش والشرطة. وأعلن الحقوقيون استعدادهم لتقديم الأدلة إلى سلطات التحقيق المصرية، إلى جانب إعداد ملف للتحرك أمام جهات قضائية دولية.

 

وضمت قائمة مديرية الشؤون الصحية 30 اسمًا، بينهم رجب السيد أحمد ومحمد عبد الفتاح عبد العزيز وإبراهيم علي أحمد وجمال فوزي عبد الحميد وأحمد السيد عبد الحي ورجب محمد معوض ومحمد عبد الرؤوف علي.

 

وشملت القائمة كذلك عصام أحمد محمد ونصر محمد عبد الله وعماد عبد الله عبد اللطيف وشريف محمود سليمان وأحمد محمود شبل وأحمد أسامة إمام وعمرو محمد محمد وإبراهيم شعبان محمد وعصام علي الصاوي.

 

كما وردت أسماء محمد بكر رمضان وأسامة السيد إبراهيم ومحمد محمود عباس وأحمد شعبان تاج الدين وأحمد عبد الفتاح المغربي ومصطفى فريد محفوظ ومحمد خميس حبشي ووليد محمد طومان وإسلام عاطف فؤاد.

 

واختتمت القائمة بأسماء أحمد محمد علي ومحروس أحمد زغلول ومصطفى محمد أبو العزم ومحمد عبد الرحمن حسن وعبد السلام عبد القادر، لتبقى هذه الأسماء شاهدًا على يوم تحول فيه تشييع ضحايا إلى مجزرة جديدة.

 

وبعد مرور 13 عامًا، تظل أحداث سموحة إحدى حلقات العنف التي أعقبت فض رابعة والنهضة، فيما بقيت مطالب كشف المسؤولين عن إطلاق النار والقنص، وتفسير تضارب أعداد الضحايا، وتحقيق العدالة لأسرهم دون استجابة حقيقية.