يتواصل التصعيد العسكري والسياسي في الشرق الأوسط على أكثر من جبهة، وسط مخاوف من تحول الضربات المتفرقة إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها. ففي جنوب لبنان، كثّف الاحتلال الإسرائيلي غاراته الجوية وقصفه المدفعي وعمليات التفجير داخل البلدات الحدودية، بالتزامن مع إعلانه اغتيال قيادي في حزب الله. وفي اليمن، أفادت وسائل إعلام حكومية بتعرض مدينة المخا لهجمات جديدة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي. ويتزامن ذلك مع تصاعد أزمة مضيق هرمز بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قابلتها طهران بتأكيد أن الممر المائي الاستراتيجي «سيبقى إيرانيًا»، ما يرفع مستوى التوتر حول أحد أهم شرايين نقل الطاقة والتجارة في العالم.

 

 

إسرائيل توسّع ضرباتها وتفجيراتها في جنوب لبنان 

 

شهد جنوب لبنان صباح الأحد 16 أغسطس 2026 موجة جديدة من الغارات والقصف الإسرائيلي، في استمرار واضح للعدوان الذي يستهدف القرى والبلدات الجنوبية، ويهدد بإشعال مواجهة عسكرية واسعة على الجبهة اللبنانية.

 

واستهدفت غارات إسرائيلية أطراف بلدة مجدل زون ومحيط بلدة المنصوري، في وقت تعرضت فيه المنصوري وبلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل لقصف مدفعي إسرائيلي.

ويكشف الجمع بين الغارات الجوية والقصف المدفعي عن تصعيد متزامن يستهدف أكثر من منطقة في جنوب لبنان، ويضاعف المخاطر التي يواجهها السكان والمنشآت المدنية.

 

كما نفذ الاحتلال الإسرائيلي تفجيرين داخل بلدة الطيبة جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار عمليات التفجير والنسف في البلدة. وتمثل هذه العمليات تطورًا خطيرًا يتجاوز الضربات الجوية المؤقتة إلى إحداث دمار مباشر داخل المناطق المستهدفة، بما يهدد المنازل والبنية التحتية وممتلكات الأهالي.

 

ويأتي التصعيد في ظل استمرار حالة القلق بين سكان الجنوب، خصوصًا مع اتساع نطاق الاستهداف وتكرار الضربات في القرى القريبة من الحدود. كما تزيد عمليات النسف من صعوبة عودة النازحين إلى منازلهم، وتفرض واقعًا أمنيًا وإنسانيًا بالغ القسوة على المناطق التي تعاني أصلًا من آثار المواجهات السابقة.

 

وفي سياق متصل، زعم الجيش الإسرائيلي أنه تمكن من اغتيال قائد بارز في وحدة بدر التابعة لحزب الله، خلال عملية نفذها في منطقة دير الزهراني جنوبي لبنان. ولم تتوافر تفاصيل مستقلة تؤكد هوية القيادي أو طبيعة دوره داخل الحزب، إلا أن الإعلان الإسرائيلي يعكس محاولة لإظهار الضربات الأخيرة باعتبارها عمليات نوعية تستهدف البنية القيادية والعسكرية لحزب الله.

 

ويفتح استمرار عمليات الاغتيال والقصف الباب أمام ردود متبادلة، قد تدفع الجبهة اللبنانية نحو مستوى أعلى من المواجهة. كما يثير تكرار الاعتداءات تساؤلات بشأن قدرة التحركات الدبلوماسية على وقف التصعيد، في ظل غياب ضمانات حقيقية تمنع الاحتلال من مواصلة عملياته داخل الأراضي اللبنانية.

 

 

صواريخ ومسيّرات تستهدف المخا وتعيد تسخين الجبهة اليمنية

 

بالتزامن مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، عادت الجبهة اليمنية إلى واجهة الأحداث بعد تعرض مدينة المخا لهجمات جديدة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، وفق ما نقلته وسائل إعلام حكومية يمنية.

 

وتحظى المخا بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الساحلي القريب من مضيق باب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب. ولذلك فإن استهداف المدينة لا يمثل تطورًا عسكريًا محليًا فحسب، بل يحمل أبعادًا إقليمية ترتبط بأمن الملاحة الدولية وحركة السفن التجارية.

 

وتشير طبيعة الهجمات، التي جمعت بين الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، إلى استمرار اعتماد الحوثيين على أدوات هجومية بعيدة المدى، قادرة على استهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية. كما تعكس الهجمات بقاء الصراع اليمني مفتوحًا رغم فترات التهدئة ومحاولات الوصول إلى تسوية سياسية.

 

ويهدد التصعيد الجديد بإعادة دوامة الضربات والردود العسكرية، خاصة إذا توسعت الهجمات لتشمل منشآت ساحلية أو مواقع قريبة من خطوط الملاحة. كما قد تؤدي أي مواجهة واسعة حول المخا وباب المندب إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين، ودفع شركات النقل البحري إلى تجنب بعض المسارات أو البحث عن طرق أكثر طولًا وكلفة.

 

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توترًا متزامنًا حول أكثر من ممر مائي استراتيجي؛ فبينما تتصاعد المخاوف في البحر الأحمر وباب المندب، تزداد حدة الأزمة حول مضيق هرمز. ويضع هذا التزامن حركة التجارة العالمية أمام دائرة متشابكة من المخاطر الأمنية والسياسية.

 

ولا تزال التفاصيل المتعلقة بالخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الهجمات على المخا محدودة، لكن تكرار استهداف المدينة يؤكد أن الجبهة اليمنية لم تتجه إلى الاستقرار، وأن احتمالات الانفجار العسكري تظل قائمة ما دامت التسوية السياسية غائبة وأسباب الصراع الأساسية دون معالجة.

 

 

هرمز بين تهديدات ترمب ورد طهران ومخاوف على إمدادات الطاقة

 

تزامن التصعيد في لبنان واليمن مع اشتداد المواجهة السياسية بشأن مضيق هرمز، عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه سيعلن قريبًا المضيق جزءًا من أراضي الولايات المتحدة، في موقف أثار ردًا إيرانيًا حادًا.

 

وردت طهران، السبت 15 أغسطس 2026، بالتأكيد أن الممر المائي الحيوي «سيبقى إيرانيًا»، في إشارة إلى رفضها التصريحات الأميركية وتمسكها بنفوذها في المضيق الذي تفرض عليه قيودًا مشددة على حركة الملاحة.

 

ويمثل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بسبب مرور كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز عبره يوميًا. ولذلك فإن أي اضطراب أمني أو قيود إضافية على الملاحة قد تنعكس سريعًا على أسعار الطاقة والأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.

 

وتحمل التصريحات المتبادلة مخاطر تتجاوز الحرب الكلامية؛ إذ قد يقود أي تحرك عسكري أو محاولة لتغيير قواعد الملاحة إلى احتكاك مباشر بين القوات الإيرانية والأميركية. وقد يتحول حادث محدود أو اعتراض سفينة إلى أزمة أوسع، خصوصًا مع ارتفاع مستوى الاستنفار وتبادل التهديدات.

 

وتكشف التطورات في لبنان واليمن ومضيق هرمز عن ترابط ساحات التصعيد في المنطقة. فالغارات الإسرائيلية تهدد بتفجير الجبهة اللبنانية، وهجمات الحوثيين تعيد المخا وباب المندب إلى دائرة الخطر، بينما تضع المواجهة الأميركية الإيرانية أمن الخليج وإمدادات الطاقة أمام احتمالات شديدة الخطورة.

 

وبينما تتعدد بؤر التوتر، تظل المنطقة بحاجة إلى تحرك دبلوماسي عاجل يمنع توسع المواجهات. لكن استمرار الضربات والتهديدات وفرض الوقائع بالقوة يجعل الشرق الأوسط أقرب إلى انفجار إقليمي قد تمتد تداعياته من أمن السكان والدول إلى حركة الملاحة وأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.