كشفت وثائق المراجعة السابعة لصندوق النقد الدولي استعداد الحكومة المصرية لفرض زيادات مبكرة على الوقود والكهرباء في أنحاء البلاد إذا ارتفعت أسعار النفط عالميًا، بعد تجاوز دعم الطاقة المستهدف بنحو 15 مليار جنيه، بما ينذر بموجة غلاء جديدة.

 

وتدفع السلطة بالمصريين مجددًا إلى واجهة الأزمة، محملة الأسر نتائج قراراتها الاقتصادية وقروضها المتراكمة، بينما تتآكل الأجور تحت ضغط التضخم، ويصبح الحصول على الطعام والنقل والكهرباء عبئًا يوميًا يفوق قدرة ملايين المواطنين على الاحتمال.

 

الأسعار رهينة النفط العالمي

 

وفقًا للوثائق، تعهدت الحكومة بالعودة إلى آلية التسعير التلقائي للوقود اعتبارًا من يوليو 2026، بما يسمح بتحريك الأسعار المحلية وفق تغيرات التكلفة العالمية وسعر الصرف، ويجعل المواطن عرضة مباشرة لأي اضطراب خارجي في أسواق الطاقة.

 

 

وبموجب هذا التوجه، لن تنتظر السلطات المواعيد الدورية المعلنة لرفع الأسعار، إذ أبدت استعدادها لتقديم الزيادات إذا عادت أسعار النفط للصعود، مكررة السيناريو الذي طبقته خلال مارس بعد اضطراب أسواق الطاقة العالمية.

 

وفي المقابل، لا تتضمن التعهدات المعلنة ضمانة مماثلة لخفض الأسعار سريعًا عند تراجع النفط، ما يجعل آلية التسعير طريقًا شبه أحادي نحو الزيادة، بينما تتحمل الخزانة والمواطن الخسائر ولا يلمسان أثر الانخفاضات بالسرعة نفسها.

 

وخلال الفترة الماضية، رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار والمازوت بنسب تراوحت بين 15% و20%، كما زادت أسعار الغاز الطبيعي بنسب بين 22% و30%، لتنتقل الكلفة فورًا إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية.

 

وبالتزامن مع ذلك، تعرض مستهلكو الكهرباء لزيادات متفاوتة تراوحت بين 16% و91% وفق شرائح الاستخدام، وهو تفاوت يكشف ضخامة الصدمة التي أصابت فواتير المنازل والمنشآت، خصوصًا مع ثبات دخول قطاعات واسعة من العاملين وأصحاب المعاشات.

 

ومن جانبه، حذر الخبير الاقتصادي هاني جنينة من أن رفع أسعار الكهرباء والسولار يمكن أن يدفع التضخم إلى التسارع بنحو 2% خلال شهر واحد، بسبب انتقال تكلفة الطاقة إلى النقل والتصنيع والتوزيع والخدمات.

 

وبالتالي، لا تتوقف آثار الزيادة عند محطة الوقود أو عداد الكهرباء، لأن السولار يدخل في تشغيل وسائل النقل والآلات الزراعية والمصانع، بينما تؤدي زيادة تكلفته إلى رفع أسعار الغذاء والدواء ومواد البناء وسائر الخدمات.

 

وعلى نحو مماثل، تصبح الأسرة مطالبة بتقليص استهلاكها الضروري لا الترفيهي، إذ ترتفع كلفة الانتقال إلى العمل والمدارس والمستشفيات، بالتوازي مع فواتير الكهرباء والطعام، دون زيادات حقيقية في الأجور تعوض فقدان القوة الشرائية.

 

لهذا، تمثل العودة إلى التسعير التلقائي نقلًا منظمًا لمخاطر السوق العالمية إلى جيوب المواطنين، بدل بناء احتياطيات وتوسيع الإنتاج المحلي ومراجعة الإنفاق العام، بما يضمن امتصاص الصدمات دون إفقار المستهلك كلما ارتفع برميل النفط.

 

الدعم يتراجع والفاتورة تتضاعف

 

وبحسب بيانات صندوق النقد، تجاوز دعم الطاقة المقرر في موازنة السنة المالية 2025 و2026 نحو 15 مليار جنيه، بما يعادل 0٫07% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم سلسلة الزيادات وإجراءات ترشيد الاستهلاك التي فرضتها الحكومة.

 

وفي محاولة لاحتواء التجاوز، اتجهت السلطات إلى ترتيبات العمل عن بعد وتقليص استهلاك الطاقة، غير أن هذه التدابير لم تعالج أصل الأزمة المتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي وسوء تقدير الاحتياجات داخل الموازنة.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف الزيادة فوق المستهدف ضعف قدرة الحكومة على توقع احتياجات قطاع الطاقة، لكنها بدلًا من مراجعة سياساتها الاستثمارية والإنفاقية، تختار تعويض الفجوة عبر رفع الأسعار على المواطنين الذين لم يشاركوا في صنع الأزمة.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن اعتبار الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها دعمًا بصورة مطلقة مفهوم مضلل، لأن حساب التكلفة يجب أن يراعي كفاءة التشغيل وهيكل التمويل والخسائر داخل القطاع.

 

كما أن تحميل المستهلك كامل التكلفة دون مراجعة عناصر الهدر والديون والفوائد يساوي بين النفقات الضرورية ونتائج الإدارة غير الكفؤة، ويجعل المواطن مسؤولًا عن سداد أعباء لم يكن طرفًا في تحديدها أو مراقبتها.

 

وعلاوة على ذلك، وصلت السلطات في ديسمبر 2025 إلى استرداد تكلفة عدد من المنتجات البترولية، بحسب الوثائق، ما يعني أن زيادات جديدة لن تستهدف فقط تقليص الدعم، بل قد تتجاوز ذلك إلى تثبيت منهج تسعير تجاري كامل.

 

ومن ثم، يتراجع الدور الاجتماعي للدولة أمام منطق استرداد التكلفة، بينما لا تخضع الأجور والمعاشات للآلية نفسها التي ترفع الطاقة، فلا تتحرك الدخول تلقائيًا مع النفط أو التضخم أو انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية.

 

في الوقت ذاته، يفتح رفع الكهرباء بابًا لزيادة تكاليف المصانع والمحال والمخابز ومخازن التبريد، ما يدفع المنتجين إلى تمرير النفقات إلى أسعار السلع، ويضع المستهلك أمام موجات متتابعة تتجاوز النسبة الحكومية المعلنة.

 

وبناءً على ذلك، لا يمكن حصر تكلفة القرارات في 15 مليار جنيه تستهدفها الموازنة، لأن الخسارة الاجتماعية تشمل تراجع الاستهلاك وإغلاق مشروعات صغيرة وزيادة الديون الأسرية وعجز محدودي الدخل عن الوفاء باحتياجاتهم الأساسية.

 

تقشف يطارد محدودي الدخل

 

ورغم حديث الحكومة عن توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، لا تكشف وثائق البرنامج عن تعويض نقدي شامل يوازي آثار رفع الوقود والكهرباء، بينما تظل المساعدات محدودة القيمة والتغطية أمام موجة أسعار تمس جميع المواطنين يوميًا.

 

وفي هذا الإطار، حذرت الخبيرة الاقتصادية سلوى العنتري من الآثار المؤلمة لبرامج الإصلاح على محدودي الدخل والمنتجين، مؤكدة أن تحريك أسعار منتجات إضافية يؤدي إلى زيادة التضخم وتعميق الأوجاع الاجتماعية للفئات الأضعف.

 

وفوق ذلك، تتآكل قيمة أي مساعدة ثابتة سريعًا عندما ترتفع أسعار النقل والغذاء والكهرباء معًا، إذ لا تكفي الزيادات المحدودة في الأجور لمواجهة سلسلة متشابكة من التكاليف التي تنتقل بين القطاعات وتستقر في فاتورة الأسرة.

 

أما أصحاب الأعمال الصغيرة، فيواجهون خيارين أحلاهما مر، إما رفع أسعار منتجاتهم وخسارة الزبائن، أو تحمل كلفة الطاقة وتقليص العمالة والإنتاج، ما يحول قرار التسعير إلى تهديد مباشر للدخل وفرص العمل.

 

وبدورها، تتضرر المناطق الريفية بصورة أوسع بسبب اعتماد الزراعة على السولار في تشغيل المعدات والري والنقل، فيما تؤدي الزيادة إلى رفع تكلفة المحاصيل منذ بداية الإنتاج حتى وصولها إلى الأسواق، فيتحمل الفلاح والمستهلك الخسارة معًا.

 

وفي المحصلة، تعطي الحكومة الأولوية لشروط الانضباط المالي واسترداد التكلفة، بينما تتعامل مع العدالة الاجتماعية بوصفها وعدًا مؤجلًا، رغم أن قرارات رفع الأسعار تنفذ فورًا وتظهر آثارها على الفواتير والأسواق منذ اللحظة الأولى.

 

وأخيرًا، تؤكد خطط الزيادات المبكرة أن المواطن سيظل الممول الأسهل لعجز الموازنة وتعهدات صندوق النقد، فيما تغيب المحاسبة عن أخطاء الإدارة والإنفاق، لتتحول تقلبات النفط العالمية إلى ذريعة دائمة لانتزاع مزيد من دخول المصريين.