كشفت منظمة التحرير الفلسطينية عن إصدار سلطات الاحتلال الإسرائيلي 114 أمرًا عسكريًا لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026، استولت بموجبها على أكثر من 25 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية.

 

وتظهر الأرقام أن الحرب لم تقتصر على التدمير والقتل في قطاع غزة، بل استُغلت لتسريع عملية ضم زاحف في الضفة الغربية، عبر تحويل الأوامر العسكرية المؤقتة إلى أداة لانتزاع الأراضي وتوسيع المستوطنات وربطها بشبكة طرق، في مقابل عزل البلدات الفلسطينية وخنق امتدادها العمراني والزراعي.

 

أوامر عسكرية لابتلاع الأرض

 

وردت البيانات في التقرير الأسبوعي الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي يرصد انتهاكات جيش الاحتلال والمستوطنين ومخططات التوسع الاستيطاني في أنحاء الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.

 

وبحسب التقرير، أسهمت الأوامر العسكرية الإسرائيلية في ضم أكثر من 25 ألف دونم إلى مناطق نفوذ المستوطنات، ومهدت الطريق لإقامة 53 مستوطنة وبؤرة استيطانية ومزرعة رعوية جديدة، في واحدة من أكبر موجات الاستيلاء على الأرض خلال السنوات الأخيرة.

 

ولا تتوقف خطورة هذه الأوامر عند نقل السيطرة على الأرض، إذ تمنح المستوطنات مجالًا أوسع للتوسع، وتحرم أصحاب الأراضي الفلسطينيين من الوصول إليها أو استثمارها. كما تصبح الأراضي المصادرة لاحقًا قاعدة لإنشاء طرق ومنشآت ومناطق عازلة تخدم المشروع الاستيطاني.

 

وسجل المكتب صدور نحو 173 أمرًا لوضع اليد على أراض فلسطينية بذريعة أغراض أمنية وعسكرية، استولت إسرائيل من خلالها على قرابة 4211 دونمًا بصورة مباشرة. وتستخدم سلطات الاحتلال هذه الصيغة عادة لتقديم المصادرة باعتبارها إجراء مؤقتًا، رغم استمرار السيطرة على الأراضي لسنوات طويلة.

 

كما أصدرت السلطات الإسرائيلية نحو 140 أمر استيلاء عسكري تحت ذريعة الاحتياجات الأمنية، فيما استُخدمت أوامر أخرى لإنشاء مناطق عازلة حول المستوطنات وشق طرق عسكرية جديدة وتوسيع الطرق الاستيطانية القائمة وربط البؤر المعزولة بالتجمعات الكبرى.

 

ويؤدي انتشار الطرق والمناطق العسكرية إلى تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، وإجبار السكان على استخدام مسارات أطول والخضوع لمزيد من الحواجز والبوابات. وفي المقابل، يحصل المستوطنون على شبكة انتقال مترابطة تحميها قوات الاحتلال وتمتد فوق أراض انتُزعت من أصحابها.

 

ويحذر التقرير من أن الأوامر العسكرية والممارسات التي ينفذها المستوطنون تمثل مسارين متكاملين، إذ تبدأ السيطرة بإعلان عسكري أو إقامة بؤرة رعوية، ثم تتوسع عبر الطرق والكهرباء والمياه والحماية الأمنية، قبل أن تتحول إلى مستوطنة معترف بها إسرائيليًا.

 

جنين داخل دائرة الاستيطان

 

في أحدث التطورات، تمضي سلطات الاحتلال في إقامة مستوطنة جديدة تحمل اسم عيمك دوتان على أراضي بلدة عرابة جنوب جنين، ضمن مخطط أوسع يستهدف تعزيز الوجود الاستيطاني في شمال الضفة الغربية، وهي منطقة ظلت كثافة المستوطنات فيها أقل من وسط الضفة وجنوبها.

 

ووضع وزراء إسرائيليون وأعضاء في الكنيست وممثلون عن مجالس المستوطنات حجر الأساس للمستوطنة الجديدة، فيما بدأت أعمال التجريف وإدخال المنازل المتنقلة. ويأتي المشروع بالتزامن مع شق طريق يربط عيمك دوتان بمستوطنة مافو دوتان، وصولًا إلى مستوطنة سانور قرب بلدة جبع.

 

وتقام المستوطنة على نحو 400 دونم من أراضي الفلسطينيين، ضمن خطة إسرائيلية تتضمن إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، بينها 6 مستوطنات في محافظة جنين، ما يكشف تحول المنطقة إلى هدف رئيسي لمرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني.

 

وتشمل قائمة المستوطنات المستهدفة في جنين، إلى جانب عيمك دوتان، مستوطنات آلوني شومرون وروم جلبوع ومعيانوت ونوعا وتعناخ. وتعمل هذه المشاريع على إنشاء حزام استيطاني يربط البؤر القائمة ويعيد رسم المجال الجغرافي حول البلدات الفلسطينية.

 

وقال رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة إن المستوطنات تحاصر البلدة من جهتي الشمال والغرب، بينما يقع معسكر لجيش الاحتلال في الجهة الشرقية. ووصف إقامة المستوطنة الجديدة بأنها مصيبة تهدد حركة السكان ومصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية.

 

ولا يقتصر تأثير المخطط على المساحات المقامة عليها المباني، لأن المستوطنة تستدعي إنشاء طرق وحواجز ومناطق أمنية تحرم الفلسطينيين من مساحات إضافية. كما يهدد ذلك بفصل عرابة عن محيطها وتقليص قدرتها على التوسع العمراني مستقبلًا.

 

ويشير تركيز الاستيطان في جنين إلى توجه إسرائيلي لتغيير واقع شمال الضفة، بالتزامن مع الاقتحامات العسكرية المتكررة وعمليات الهدم والتهجير في مخيمات المنطقة، بما يجمع بين الضغط العسكري والاستيلاء التدريجي على الأرض.

 

آلاف الوحدات في القدس

 

في القدس المحتلة، طرحت سلطات الاحتلال مناقصة لبناء 627 وحدة استيطانية في مستوطنة كوخاف يعقوب المقامة على أراضي كفر عقب، في خطوة تنقل المشروع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي وتوسع الكتلة الاستيطانية شمال المدينة.

 

وتدفع السلطات الإسرائيلية بالتوازي مخططات لبناء أكثر من 3400 وحدة استيطانية في 3 مواقع داخل القدس ومحيطها، بما يعمق عزل الأحياء الفلسطينية ويعزز السيطرة الديموغرافية والجغرافية على المدينة المحتلة.

 

وتستخدم إسرائيل مشاريع الإسكان والطرق لتثبيت المستوطنات وربطها بالقدس، بينما تواجه الأحياء الفلسطينية قيودًا صارمة على البناء، وصعوبة في الحصول على التراخيص، إلى جانب أوامر الهدم المتواصلة بحق المنازل والمنشآت المقامة لتلبية النمو الطبيعي للسكان.

 

ويعد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، مخالفًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي تؤكد عدم شرعية نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي التي تسيطر عليها بالقوة، وتطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية.

 

ورغم ذلك، تتسارع أعمال البناء والمصادرة في ظل غياب إجراءات دولية رادعة، فيما تكتفي معظم المواقف الخارجية ببيانات الإدانة والقلق. وتمنح هذه الفجوة إسرائيل مساحة لمواصلة فرض وقائع يصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية.

 

وتكشف حصيلة 114 أمرًا عسكريًا و25 ألف دونم و53 مستوطنة وبؤرة ومزرعة جديدة أن ما يجري ليس توسعًا عمرانيًا محدودًا، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الضفة الغربية، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

 

وبينما تتركز أنظار العالم على حرب غزة، تواصل إسرائيل توسيع مشروعها الاستيطاني في الضفة والقدس، مستخدمة الأوامر العسكرية والذرائع الأمنية لانتزاع الأرض. والنتيجة خريطة فلسطينية أكثر تجزئة، وبلدات محاصرة، ومساحات تتقلص يومًا بعد آخر أمام أصحابها.