د. عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
امتاز الأزهريون الأصلاء المتمكنون، بميزة حاضرة في تاريخهم، تكاد تكون عاملا مشتركا بينهم، فمع تضلعهم في العلم الشرعي، يجمعون بجانبه أسلوبا فكاهيا محببا للناس، سواء في تقريب المعلومة، أو فيما يسمى في لغة المصريين: القفشة الفكاهية، فيأخذ من عبارة السائل، أو من حوار المستمع، جملة تحمل مع الإجابة خفة ظل، وإشاعة الهجة في الحديث.
ومن هؤلاء الشيوخ العظام الذين فقدناهم، الشيخ إسماعيل صادق العدوي رحمه الله، فلم تكن تخطئ العين علمه وهيبته، ففي ثيابه متأنق، وفي شكله ومشيته وطريقة إلقائه للعلم، تشعر أنك أمام جبل من العلم، ومع شخصيته الصعيدية الأزهرية، يحمل روح دعابة لا ينفك عنها، وهي دعابة لا تخدش من علمه ولا مكانته، فهناك شخصيات حين تمزح تسقط هيبتها، وتتحول لأراجوز وإن بدا بين الناس من أهل العلم، لكن العدوي رحمه الله كان نمطا أزهريا على سيرة شيوخه الكبار.
كان من حسن حظي، أني درست في كلية الدعوة الإسلامية، وقد كانت آنذاك في الجامع الأزهر، نفترش سجاد المسجد ونجلس، ويجلس الدكتور على كرسي المشيخة، ونتحلق حوله، فكنا نستنشق عبق الأزهر، ونرى جلستنا امتدادا لماض تليد عاشه شيوخنا، وكان لنا شرف عيشه، وكان نشاط الشيخ إسماعيل صادق العدوي في الجامع الأزهر والمساجد المحيطة به.
جار لتجار المخدرات
فكان يعطي درس التفسير في الجامع الأزهر، ويشرح صحيح البخاري في مسجد الإمام الحسين، وصحيح مسلم في الأزهر، ويشرح الفقه المالكي في مسجد الدرير، ودروس أخرى في مضيفته، كان يسكن في (الباطنية)، وهي منطقة مشهورة بتجار الحشيش والمخدرات، وكان طلاب العلم إذا مروا عليهم، يخشون أن يكون المار من المخبرين التابعين للأمن، فيقفوه، فيخبرهم بأنه ذاهب للشيخ العدوي، فيرحبون به، ويتركونه، دون أي مضايقة، وكان محبوبا منهم، وأذكر أنه في خطبة من خطبه في الجامع الأزهر، فوجئت به ينادي الحشاشين، فيقول: أيها الحشاشون، فتعجبنا لخطابه، وإن كان يقولها من باب الممازحة التي لا تخلو منها دروسه.
شاب يريد الزواج من البوسنة
كان ككثير من شيوخه الأزهريين يوظف النكتة في المسألة العلمية، فقد سأله أحد الحاضرين لدرسه، وقد كانت وقتها أزمة البوسنة والهرسك، وشاع بين المصريين أن الأزهر جاءته مجموعة من الفتيات البوسنيات للزواج، فقام أحد الحاضرين وقال له: يا مولانا، سمعنا أن أخواتنا المسلمات الممتحنات من البوسنة في الأزهر، وأريد الزواج بإحداهن، هنا أدرك الشيخ العدوي غرض الشخص، فقال له: تريد الزواج ببوسنية، لعلة الشعر الأصفر، والعيون الزرق؟ قال الشخص: معاذ الله يا مولانا، أنا بتاع الكلام ده، أنا أريد إعفاف الأخوات المسلمات، فقال له العدوي: عندنا خمسة عشر فتاة من دولة كذا، وذكر دولة إفريقية، فهل نزوجك بإحداهن لتعفها؟! فصمت السائل، فعقب العدوي: هل تظنني شيخا أبلها أو ساذجا، العب غيرها.
نكتة يوم الاستفتاء على مبارك
كان يشرح قوله تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الأعراف: 34، وصادف ذلك أيام تجديد بيعة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، وهو يريد التعليق على الحدث السياسي، لكن الآية تتكلم عن الموت، وإذ به ببراعة، يقول: كنت في أحد الأيام مسافرا مع الشيخ البنا قارئ القرآن المعروف، وكنا في القطار، فجاءت محطة البنا، فقال لي: يا شيخ إسماعيل هذه الدنيا مثل القطار، إذا جاءت محطتك وجب عليك النزول، ثم راح الشيخ يتخذ هذه الجملة ذريعة للتعليق، فقال: محطتك جاءت انزل، أتريد أن تركب محطتك ومحطة الآخرين؟! أرجوك أنزل، كفاية علينا كده انزل، واترك القطار لغيرك، وضحك الناس وفهموا ما يرمي إليه.
لكنه فوجئ بشخصين كان رد فعلهما غريبا، أما الأول: فلم يفهم النكتة، فقال: الله يرحمه، فسأله العدوي: من؟ قال له: الشيخ البنا، فقال العدوي: ويرحمنا منك ومن أمثالك، أقول نكتة ستدخلني السجن، لتقول لي الله يرحم البنا؟! وأما الشخص الآخر، فقد لاحظ أنه متجهم ولا يضحك، فقال له العدوي: لماذا لا تضحك؟ هل أنت مخبر من الأمن؟ فامتقع وجه الرجل، وقد كان مخبرا بالفعل، وكشفه العدوي بسبب عدم ضحكه على النكتة.
كيف يخلع الحاكم الظالم؟!
كان العدوي جريئا، في غير صدام، وقد سأله أحد الشباب عن تغيير الحاكم الظالم، فقال له: لو عندك مسمار عشرة سنتيمتر في الحائط، تريد أن تنزعه، هل تأتي بماشة (وهي ملقاط كبير يلتقط به الفحم)، أم تحتاج لكماشة؟! يشير بذلك إلى سذاجة تفكير البعض في خلع الحكام بعمليات لا تجدي، ولا تعود إلا بالضرر على الداعية والدعوة.
ظل العدوي خطيبا للجامع الأزهر لسنوات طويلة، كان يزدحم المسجد بالمصلين، فقد كان العدوي خطيبا مفوها، وجريئا في الطرح، ومواكبا لقضايا الناس، وكان قارئ السورة يوم الجمعة الشيخ محمد محمود الطبلاوي، فجمع المسجد بين حسن الصوت، وحسن الخطابة، إلى أن جاء الشيخ محمد السيد طنطاوي وتولى مشيخة الأزهر، فعزله عن الخطابة، فأثر ذلك في نفسية الرجل وحالته الصحية، إذ فعل به شيخ الأزهر ما لم يستطع الأمن فعله.
مات الشيخ العدوي لكن ذكره وعلمه بقي بين الناس، وليت الشباب الذين كانوا يسجلون له دروسه أن تتوافر على مواقع الإنترنت، سواء صوتية أو مقروءة، فقد كان الرجل عالما أزهريا بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الفحولة في العلم، والرسوخ الفقهي، وربما لم يسمع أجيال به، ولا بعلمه، وإن اشتهر بين الناس مضيفة العدوي، والتي تستضيف بعض أهل العلم لإلقاء المحاضرات، لكن الرجل له تاريخ مشرف، حري بذكره، والترحم عليه، فقد كان نموذجا أزهريا نادرا، يجمع بين العلم والعطاء، في رفق وتواصل مع طلبة العلم والمحتاجين من الناس.

