كشفت دراسة أسترالية حديثة عن نتائج لافتة بشأن الفوائد المحتملة لمستخلص قصب السكر، بعدما وجد باحثون أن تناوله ارتبط بتحسين بعض مؤشرات الدهون في الدم، بما قد يسهم في تقليل عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وأظهرت الدراسة، التي نشرها باحثون أستراليون في مجلة **فرونتيرز إن نيوتريشن**، أن مستخلص قصب السكر الغني بمركبات البوليفينولات الطبيعية قد يكون له تأثير إيجابي في عملية التمثيل الغذائي للدهون، خاصة فيما يتعلق ببعض أنواع الدهون التي ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بتصلب الشرايين وأمراض القلب.
تجربة استمرت 6 أشهر وشملت 47 متطوعًا
وأجريت الدراسة على 47 متطوعًا من الأصحاء، تراوحت أعمارهم بين 18 و55 عامًا، بهدف تقييم التأثيرات المحتملة لتناول مستخلص قصب السكر على مجموعة من المؤشرات الصحية والتمثيل الغذائي.
وعلى مدار ستة أشهر، تلقى المشاركون جرعة يومية بلغت 500 ملليجرام من مستخلص قصب السكر، أو دواءً وهميًا لا يحتوي على المادة الفعالة، مع التبديل بين المجموعتين خلال فترة الدراسة.
وأتاح هذا التصميم للباحثين إجراء مقارنة أكثر دقة بين تأثير المستخلص والدواء الوهمي، كما ساعد على تقليل تأثير الاختلافات الفردية بين المشاركين، وهو ما يسمح بفهم أفضل للتغيرات التي قد تكون مرتبطة بتناول المستخلص.
انخفاض في بعض مؤشرات الدهون بالدم
وأظهر تحليل نتائج التجربة أن تناول مستخلص قصب السكر الغني بالبوليفينولات ارتبط بانخفاض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة جدًا، المعروف اختصارًا بـ«في إل دي إل»، إلى جانب انخفاض مستويات الدهون الثلاثية وبعض الدهون المتحولة في الدم، مقارنة بالفترة التي تناول خلالها المشاركون الدواء الوهمي.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بسبب ارتباط ارتفاع مستويات بعض هذه الدهون بزيادة مخاطر الإصابة بتصلب الشرايين ومشكلات القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
ويشير الباحثون إلى أن التأثيرات التي ظهرت خلال التجربة قد تكون مرتبطة بالمركبات النباتية الموجودة بصورة طبيعية في قصب السكر، وعلى رأسها البوليفينولات، وهي مجموعة واسعة من المركبات التي توجد في عدد من النباتات والفواكه والأغذية المختلفة، وارتبطت في دراسات سابقة بتأثيرات متعددة على عمليات الأيض وصحة القلب.
ماذا تفعل البوليفينولات داخل الجسم؟
وتعد البوليفينولات من المركبات النباتية التي تحظى باهتمام متزايد في الأبحاث المتعلقة بالتغذية وصحة القلب والأوعية الدموية، إذ تشير دراسات مختلفة إلى إمكانية تأثيرها في عمليات استقلاب الدهون ووظائف الأوعية الدموية وبعض العمليات الحيوية المرتبطة بالالتهاب.
وفي حالة مستخلص قصب السكر، يرى الباحثون أن هذه المركبات قد تكون أحد العوامل التي تفسر التغيرات التي رُصدت في مستويات بعض الدهون بالدم.
لكن النتائج لا تعني أن تناول قصب السكر أو مستخلصاته يمكن أن يحل محل النظام الغذائي الصحي أو العلاجات الطبية المعروفة، وإنما تشير إلى إمكانية الاستفادة من بعض مركباته الطبيعية كمجال إضافي للبحث في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.
تغييرات في بكتيريا الأمعاء
ولم تقتصر ملاحظات الباحثين على مستويات الدهون في الدم، إذ رصدت الدراسة أيضًا تغيرات في تركيب البكتيريا الموجودة في الأمعاء لدى المشاركين الذين تناولوا المستخلص.
ويُعتقد أن ميكروبيوم الأمعاء، أي مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي، يلعب دورًا مهمًا في العديد من العمليات المرتبطة بالتمثيل الغذائي.
ورغم أن الدراسة رصدت تغيرًا في تركيب هذه البكتيريا، فإن الباحثين لم يثبتوا بشكل قاطع أن هذه التغيرات هي السبب المباشر وراء التحسن الذي ظهر في بعض مؤشرات الدهون، وهو ما يعني الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بين مستخلص قصب السكر وميكروبيوم الأمعاء والتمثيل الغذائي.
لا تأثير واضح على الوزن أو سكر الدم
وفي المقابل، لم تكشف التجربة عن تأثير ملموس لمستخلص قصب السكر على وزن الجسم لدى المشاركين، كما لم تظهر نتائج واضحة بشأن مستويات السكر في الدم أو مؤشرات الالتهاب.
وتشير هذه النقطة إلى أن التأثير المحتمل للمستخلص، وفقًا لنتائج هذه التجربة، يبدو أكثر ارتباطًا ببعض مؤشرات الدهون والتمثيل الغذائي، وليس تأثيرًا شاملًا على جميع المؤشرات الصحية التي جرى قياسها.
كما أن عدم وجود تأثير واضح على الوزن يعني أن النتائج لا تدعم اعتبار مستخلص قصب السكر وسيلة لإنقاص الوزن، في حين أن غياب تغيرات مهمة في سكر الدم أو مؤشرات الالتهاب يوضح أن فوائد المستخلص المحتملة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتقييم.
الباحثون يحذرون من الاستغناء عن أدوية الكوليسترول
ورغم النتائج الإيجابية التي توصلت إليها الدراسة، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني إمكانية الاستغناء عن الأدوية الموصوفة لخفض الكوليسترول أو استبدالها بمستخلص قصب السكر.
وتظل أدوية خفض الكوليسترول جزءًا أساسيًا من علاج الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع مستويات الكوليسترول أو لديهم مخاطر مرتفعة للإصابة بأمراض القلب، وفقًا لحالتهم الطبية وتقييم الطبيب.
ومن ثم، فإن نتائج الدراسة تندرج في إطار البحث عن وسائل غذائية أو مكملات يمكن أن تكون مساعدة، وليس بدائل للعلاج الطبي المعتمد.
هل يمكن أن يصبح قصب السكر وسيلة للوقاية من أمراض القلب؟
يرى الباحثون أن البوليفينولات الموجودة في قصب السكر قد تكون ذات أهمية مستقبلية في مجال الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، خاصة إذا أكدت دراسات أكبر وعلى فترات زمنية أطول النتائج التي ظهرت في هذه التجربة.
فانخفاض بعض أنواع الدهون المرتبطة بمخاطر القلب، إلى جانب التغيرات التي رُصدت في ميكروبيوم الأمعاء، يفتح الباب أمام إجراء تجارب جديدة تبحث بصورة أكثر تفصيلًا في آلية تأثير هذه المركبات داخل الجسم.
إلا أن الانتقال من نتائج تجربة محدودة على مجموعة من المتطوعين إلى توصيات صحية عامة يحتاج إلى أدلة إضافية، تشمل تجارب أكبر وأكثر تنوعًا، وتقييم التأثيرات على المدى الطويل، إلى جانب دراسة الجرعات المناسبة ومدى أمان الاستخدام المستمر للمستخلص.
نتائج تتقاطع مع أبحاث حول الفواكه الغنية بالمركبات النباتية
وتأتي هذه النتائج في سياق اهتمام علمي متزايد بالدور المحتمل للمركبات النباتية، مثل البوليفينولات والأنثوسيانين والريسفيراترول، في دعم صحة القلب والأوعية الدموية.
وكانت دراسة أخرى نشرتها مجلة «نيوتريينتس» قد تناولت المركبات الموجودة في التوت الأزرق والعنب الداكن، وخلصت إلى ارتباط هذه المركبات بتحسين بعض مؤشرات صحة القلب والأوعية الدموية.
وأشارت نتائج تلك الأبحاث إلى أن تناول الفواكه الغنية بهذه المركبات قد يرتبط بانخفاض مستويات الكوليسترول الضار، وتحسين وظائف الأوعية الدموية، وتقليل بعض علامات الالتهاب.
وتعزز هذه النتائج الاهتمام العلمي بالأغذية والمركبات النباتية باعتبارها جزءًا محتملًا من الاستراتيجيات الغذائية الداعمة لصحة القلب، مع التأكيد على أن الاستفادة الصحية لا تعتمد على عنصر غذائي واحد، وإنما ترتبط بالنمط الغذائي العام ونمط الحياة.
الغذاء الصحي يظل خط الدفاع الأول
وتشير نتائج الدراسة الأسترالية في النهاية إلى أن مستخلص قصب السكر قد يمتلك خصائص تستحق المزيد من البحث، خصوصًا في ما يتعلق بعملية استقلاب الدهون وبعض التغيرات التي تحدث في بيئة الأمعاء.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تناول المستخلص وحده قادر على منع أمراض القلب أو علاج ارتفاع الكوليسترول، ولا يمكن اعتباره بديلًا عن اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة النشاط البدني والالتزام بالعلاجات الطبية عند الحاجة.
وتظل الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية مرتبطة بمجموعة متكاملة من العوامل، من بينها التغذية الصحية، والحفاظ على وزن مناسب، والنشاط البدني، ومتابعة مستويات الكوليسترول وضغط الدم وسكر الدم، إلى جانب تجنب العادات التي ترفع مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
وبذلك، تفتح الدراسة الأسترالية بابًا جديدًا أمام البحث في الفوائد المحتملة لمركبات البوليفينولات الموجودة في قصب السكر، لكنها في الوقت نفسه تؤكد الحاجة إلى مزيد من الأدلة العلمية قبل تحويل هذه النتائج الأولية إلى توصيات علاجية أو وقائية عامة.

