وقعت شركة الظاهرة الإماراتية والجهات الحكومية المصرية في مدينة العلمين اتفاقا بقيمة 500 مليون دولار لتوريد القمح لمدة 5 سنوات، لتنتقل الشركة من امتلاك وإدارة مساحات زراعية واسعة داخل مصر إلى بيع محصول استراتيجي للمصريين.

 

وتكشف الصفقة مفارقة قاسية في إدارة الغذاء المصري، فالأراضي والمياه والموارد المحلية أصبحت ساحة متزايدة لنفوذ شركات أجنبية، قبل أن تعود الدولة لشراء القمح عبر الكيانات نفسها بينما يدفع المواطن ثمن الخبز والتمويل والاعتماد الخارجي.

 

وبحسب الاتفاق المعلن، تستند عمليات توريد القمح إلى برنامج تمويلي إماراتي يمتد 5 سنوات، بما يجعل توفير أحد أهم مكونات رغيف الخبز مرتبطا بعلاقة مالية وتجارية طويلة مع شركة أجنبية تتمتع أصلا بحضور زراعي واسع داخل البلاد.

 

كما تمتلك شركة الظاهرة استثمارات زراعية كبيرة في مناطق توشكى وشرق العوينات، وهي مناطق قامت الدولة بتوجيه بنية أساسية ومياه واستثمارات ضخمة إليها باعتبارها ركائز للتوسع الزراعي وتقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.

 

وفي جوهر الصورة، لا تقف الشركة الإماراتية كمورد خارجي يأتي بالقمح من أسواق بعيدة فقط، بل تتحرك داخل منظومة زراعية مصرية ذاتها، وتستفيد من مساحات وإمكانات إنتاج محلية قبل الدخول طرفا رئيسيا في توريد القمح للحكومة.

 

 

السيطرة تبدأ من الأرض

 

ومن هذه الزاوية، تبدو الصفقة امتدادا لمسار أكبر من مجرد استيراد حبوب، إذ يمنح التوسع الإماراتي في الزراعة نفوذا متراكما داخل حلقات الأرض والإنتاج والتخزين والتوريد، ثم يضع الشركة في موقع تفاوضي متقدم أمام الحكومة المصرية.

 

ويرى نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة أن القمح يمثل قضية أمن غذائي وليست مجرد سلعة تجارية، وأن اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك يجعل الدولة شديدة الحساسية تجاه الموردين والأسواق الخارجية.

 

وبالنظر إلى هذا الطرح، فإن وجود شركة أجنبية داخل مساحات زراعية استراتيجية ثم ظهورها موردا للحكومة يرفع المسألة من صفقة تجارية إلى سؤال عن الطرف الذي يملك القدرة الفعلية على التحكم في مسار الغذاء المصري.

 

وعلى مستوى توشكى، ارتبط المشروع لسنوات بخطاب رسمي يتحدث عن استصلاح الصحراء وزيادة الرقعة الزراعية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء، لكن استمرار عقود توريد القمح الأجنبية يكشف حدود ما حققته تلك الوعود على أرض الواقع.

 

وبالمثل، تحولت شرق العوينات إلى واحدة من أبرز مناطق الزراعة واسعة النطاق، غير أن وجود الشركات الأجنبية داخل هذه المساحات يعني أن زيادة الأراضي المزروعة لا تعني بالضرورة زيادة سيطرة المصريين على إنتاجها أو عوائدها.

 

وفي المقابل، كان المواطن ينتظر أن تؤدي مليارات الإنفاق على الطرق والآبار والكهرباء وشبكات الري ومشروعات الاستصلاح إلى تخفيض فاتورة الاستيراد، لكنه يجد الحكومة بعد سنوات توقع اتفاقات جديدة لشراء القمح عبر شركات تمتد أنشطتها داخل الأراضي المصرية.

 

وبالتالي، لا تصبح المشكلة نقص أراض قابلة للزراعة وحده، بل نموذج إدارة يسمح بتوسع الكيانات الأجنبية في أصول إنتاج الغذاء ثم يعيد الدولة إلى طاولة الشراء معها لتأمين سلعة تمس حياة عشرات الملايين يوميا.

 

ومن ناحية أخرى، يمنح التمويل الإماراتي الصفقة بعدا إضافيا، لأن الجهة الممولة والشركة الموردة تنتميان إلى الدولة نفسها، بينما يقف الجانب المصري مستوردا يحتاج إلى الائتمان والقمح معا لتغطية فجوة لم تعالجها مشروعات التوسع الزراعي.

 

 

القمح يعود بسعر جديد

 

وعند هذه النقطة، تتبلور المفارقة الأساسية في أن الموارد الزراعية الموجودة داخل مصر لا تمنع المصريين من دفع أموال جديدة للحصول على القمح، حتى عندما تكون الشركات المستفيدة من تلك الموارد جزءا من منظومة التوريد نفسها.

 

ويؤكد جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي أن خفض فجوة القمح يرتبط أساسا بزيادة الإنتاج المحلي وتحسين اقتصاديات زراعته، لأن استمرار الاعتماد على الخارج يجعل الأمن الغذائي معرضا بصورة دائمة لتقلبات الأسعار والعملات وشروط الموردين.

 

واستنادا إلى هذا الرأي، فإن صفقة الـ500 مليون دولار لا تعكس مجرد شراء محصول، بل تكشف استمرار العجز عن تحويل الأراضي المستصلحة إلى أداة تقلص التبعية الغذائية، رغم الأموال والموارد العامة التي دفعت لتجهيز تلك المناطق.

 

وفوق ذلك، تمنح العقود الممتدة لسنوات المورد موقعا مستقرا داخل منظومة القمح، وهو ما يعني أن العلاقة لا تقوم على شراء استثنائي في موسم أزمة، وإنما على ترتيب طويل يرسخ وجود الشركة في واحدة من أكثر السلع حساسية.

 

وبالتوازي، يصبح الحديث عن الأمن الغذائي منقوصا عندما تتسع ملكية وإدارة الشركات الأجنبية للأراضي الزراعية ومشروعات الإنتاج، لأن المسألة لا تتعلق بحجم المحصول فقط بل بمن يقرر أين يذهب وكيف يباع وبأي شروط.

 

وعلاوة على ذلك، تمثل قيمة الاتفاق البالغة 500 مليون دولار دليلا على استمرار تدفق النقد والالتزامات نحو الخارج، بينما كان الهدف المعلن من توسعات توشكى وشرق العوينات تقليص الفجوة وتحسين قدرة الدولة على توفير غذائها من الداخل.

 

وفي السياق نفسه، لا يشعر المواطن بالفارق بين قمح مستورد مباشرة من سوق أجنبية وقمح توفره شركة أجنبية صاحبة حضور واسع داخل مصر، لأنه في الحالتين يظل الأمن الغذائي مرتبطا بقرار تجاري وتمويلي خارج سيطرته.

 

ومن زاوية أوسع، تكشف الصفقة طبيعة تحول الأصول الزراعية إلى أدوات نفوذ اقتصادي، فالشركة التي تحصل على مساحات وقدرات إنتاجية واسعة لا تظل مجرد مستثمر، بل تصبح مع الوقت جزءا من شبكة تتحكم في الإمدادات والأسعار والتعاقدات.

 

 

الغذاء تحت نفوذ المستثمر

 

وفي هذا الإطار، حذر عبد التواب بركات المستشار السابق لوزارة التموين من أن استمرار فجوة القمح يوسع الاعتماد على الاستيراد ويجعل البلاد عرضة لمخاطر الخارج، خاصة عندما لا يتناسب نمو الإنتاج المحلي مع الزيادة المستمرة في الاستهلاك.

 

وبناء على ذلك، يصبح التمدد الإماراتي في الأراضي الزراعية أكثر حساسية من أي استثمار عادي، لأن الأرض هنا لا تنتج سلعة ترفيهية، وإنما تنتج غذاء يرتبط بالخبز المدعوم وبقدرة ملايين الأسر على الحصول على احتياجاتها الأساسية.

 

وإزاء هذا الواقع، يظهر المصري في موقع يدفع ثمن الأرض مرتين، مرة عندما تتحمل الدولة تكاليف تجهيز مناطق الاستصلاح والبنية الأساسية، ومرة أخرى عندما تشتري الحكومة القمح عبر شركة أجنبية توسعت داخل تلك المناطق واستفادت من قدراتها.

 

ولزيادة حدة المفارقة، تمتد الصفقة 5 سنوات كاملة، بما يعني أن الحكومة لا تتعامل مع نقص طارئ أو موسم استثنائي، وإنما تبني جزءا من احتياجات القمح المستقبلية على علاقة ثابتة مع المورد الإماراتي.

 

ومن ثم، يتحول سؤال الأمن الغذائي من كمية القمح الموجودة في المخازن إلى ملكية حلقات الإنتاج والتوريد، لأن الدولة التي لا تسيطر على أرضها وإنتاجها ومسارات بيع محصولها تصبح أكثر تعرضا لشروط الشركات صاحبة النفوذ.

 

وفي المحصلة، تضع صفقة الظاهرة نموذجا واضحا لمسار انتقلت فيه الشركات الإماراتية من شراء وإدارة أصول ومساحات زراعية مصرية إلى لعب دور المورد للسلعة نفسها، بينما تبقى الدولة في موقع المشتري الذي يحتاج للتمويل.

 

وأخيرا، تبدو الصورة أشد قسوة عندما يوضع توشكى وشرق العوينات بجوار عقد الـ500 مليون دولار، فالأرض مصرية والمياه مصرية والبنية الأساسية دفعتها الدولة، لكن القمح يعود إلى المصريين عبر شركة إماراتية وبفاتورة جديدة.