لا يفوت قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي فرصة إلا ويحمل الأحداث التي شهدتها مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 وحتى الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو 2013، المسؤولية عن تبعات الأزمات الاقتصادية والسياسية، 2013 وتأثيرها المباشر على الوضع الحالي، في محاولة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن جملة من الكوارث، وأبرزها كارثة سد النهضة الإثيوبي.
وخلال اجتماعه اليوم مع مجلس الوزراء والمحافظين وكبار قادة القوات المسلحة والشرطة في العاصمة الإدارية الجديدة، أدلى السيسي تصريحات ركزت على تبعات أحداث الفترة من 2011 إلى 2013، تلخصت أبرز محاورها في النقاط التالية:
انكماش الاقتصاد وفترة التعافي
أكد السيسي أن الأحداث التي شهدتها مصر بين 2011 و2013 ترتب عليها حدوث انكماش كبير في الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن تعافي الدولة التام من هذه التداعيات قد يستغرق مدة تصل إلى 15 عامًا.
وأثارت تصريحاته في هذا الإطار ردود فعل وانتقادات قالت إن مصر تخطت بالفعل حاجز الـ 12 إلى 13 عامًا منذ تلك الأحداث (بين 2011 و2013)، وبالتالي فإن استمرار إرجاع الأزمات الراهنة وارتفاع الأسعار إلى تلك الفترة يُعد تبريرًا غير دقيق لإخفاقات السياسات المالية الحالية.
ويؤكد المنتقدون أن التراجع الاقتصادي الحالي، والتضخم، وانخفاض قيمة العملة يعود بالدرجة الأولى إلى سياسة الاقتراض الخارجي الكثيف والتوسع في مشاريع البنية التحتية غير الإنتاجية خلال العقد الأخير، وهو ما رفع الدين الخارجي لمستويات قياسية بشكل مستقل عن تداعيات الثورة.
ويشير المعارضون إلى أن الخطاب الرسمي نفسه يعترف بوجود صدمات أحدث وأقوى (مثل جائحة كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، الحرب في غزة، وخسارة 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس)، مما يعني أن الأزمة مرتبطة بظروف 2020-2026 وليس 2011 فقط.
أحداث 2011 وسد النهضة
ربط السيسي بشكل مباشر بين الاضطرابات السياسية في مصر عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك وملف المياه، قائلا إن السد الإثيوبي لم يُبنَ إلا على إثر أحداث 2011 وغياب الدولة في تلك الفترة. وأوضح أن الثمن الذي دفعته مصر كان باهظًا جدًا، وأنه يحرص على تكرار ذكر هذا الأمر لضمان وعي المصريين والمحافظة على البلد.
ويرى منتقدون أن السيسي يحاول التملص من المسؤولية عن بناء سد النهضة، في ظل لين الموقف الرسمي إلى حد التراخي إزاء مضي إثيوبيا في المشروع الذي تخشى مصر من أن يؤثر على حصتها التاريخية في مياه النيل.
وركز المنتقدون على أن البناء وإن كان قد بدأ في 2011، إلا أن توقيع مصر على "اتفاقية إعلان المبادئ" عام 2015 في الخرطوم هو الذي منح السد الشرعية القانونية والدبلوماسية للاستمرار والوصول إلى الاكتمال. وحمّلوا سلطة الانقلاب مسؤولية ما وصفوه بـ "إطالة أمد المفاوضات دون خطوط حمراء رادعة" حتى اكتمال السد.
وعي المواطنين
شدد السيسي على أن "وعي المواطنين" هو حائط الصد الأساسي لمواجهة محاولات ضرب الاستقرار، ملمحًا إلى أن الإلحاح من بعض الأطراف لإسقاط الدولة واستهدافها عبر وسائل متعددة (منها مواقع التواصل الاجتماعي) لا يزال مستمرًا ولم ينتهِ.
لكنه يتجاهل حقيقة أن "حائط الصد الحقيقي" للاستقرار ليس مجرد الوعي الشعاراتي، بل هو توفير الحماية الاجتماعية، ومحاربة الغلاء، وتخفيف الأعباء المعيشية؛ فالاستقرار برأيهم يرتبط طردياً بالرضا الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وشير حقوقيون إلى أن مطالبة المواطن بالوعي تقتضي بالضرورة إتاحة المجال العام، وفتح قنوات الحوار، وتوفير معلومات شفافة من كافة الآراء والمصادر، وليس تبني رواية أحادية الجانب وتصنيف أي نقد للسياسات الحكومية كـ "محاولة لضرب الاستقرار".
الحفاظ على الدولة
من جهة أخرى، أشار السيسي إلى أن التحدي الأضخم الذي واجهته الإدارة بعد عام 2013 لم يكن رفاهية اقتصادية، بل تمثل في الحفاظ على بقاء مؤسسات الدولة المصرية ومنع انهيارها.
يرى المنتقدون أن بقاء المؤسسات وقوتها لا ينبغي أن ينفصلا عن حماية حقوق المواطنين وحرياتهم وأمنهم المعيشي. ويؤكدون أن التركيز المفرط على المقاربة الأمنية وتوسيع نفوذ المؤسسة العسكرية في الاقتصاد جاء على حساب المجتمع المدني والقطاع الخاص.
ويرون أنه حتى مع قبول فرضية "حفظ المؤسسات من الانهيار"، فإن السياسات التي تلت ذلك لم تتوجه نحو بناء اقتصاد إنتاجي مستدام (تعليم وصحة وصناعة)، بل تم توجيه الموارد والقروض الضخمة نحو مشاريع عمرانية عملاقة ومدن جديدة، وهي مشاريع لا تخدم إنقاذ المؤسسات بشكل مباشر بل أرهقت ميزانية الدولة.
أكد معارضو السيسي أن "الانهيار" الذي تم تجنبه على مستوى الهياكل الإدارية للدولة، وقعت أجزاء منه على المستوى الاجتماعي؛ حيث أدت السياسات المالية إلى تآكل الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع القوة الشرائية، مما يهدد الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.

