أيمن صادق
عضو مجلس الشعب السابق عن حزب الحرية والعدالة
بعد أكثر من عقد من محاولات الإصلاح الاقتصادي، تبدو مصر اليوم أمام مفارقة يصعب تجاهلها. فمن جهة، تتحدث الحكومة وتقارير المؤسسات المالية الدولية عن تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، وارتفاع معدلات النمو، واستقرار نسبي في سوق الصرف، وزيادة الاحتياطيات الدولية، واستعادة قدر من التوازن المالي. ومن جهة أخرى، يعيش ملايين المصريين واقعًا مختلفًا، تتراجع فيه القوة الشرائية، وترتفع تكاليف المعيشة، وتتآكل دخول الطبقة الوسطى، ويتزايد الشعور بأن ثمار الإصلاح لم تصل إلى الحياة اليومية لغالبية الأسر.
وتثير هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا: هل يكفي تحسن المؤشرات الكلية للحكم على نجاح محاولات الإصلاح الاقتصادي؟ أم أن نجاح أي سياسة اقتصادية يجب أن يُقاس أولًا بقدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وخلق فرص عمل منتجة، ورفع الدخول الحقيقية، وتعزيز قدرة الأسر على الادخار والتخطيط للمستقبل؟
لا تنطلق هذه السلسلة من رفض مبدأ الإصلاح الاقتصادي، ولا من تبني موقف سياسي مسبق تجاه السياسات الاقتصادية، كما أنها لا تهدف إلى إصدار أحكام جاهزة أو تقديم وصفات بديلة، وإنما تسعى إلى تقديم قراءة اقتصادية تحليلية تستند إلى البيانات الرسمية وتقارير المؤسسات الدولية، لتقييم حصيلة أكثر من عقد من محاولات الإصلاح الاقتصادي، من خلال المقارنة بين ما تحقق على مستوى المؤشرات الكلية، وما انعكس فعليًا على مستوى معيشة المواطنين وجودة حياتهم.
فعند قراءة تقارير المؤسسات المالية الدولية، قد يبدو الاقتصاد المصري وكأنه تجاوز أصعب مراحله. إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 4.4 في المئة في السنة المالية 2024/2025، مع ارتفاع التوقعات إلى 4.6 في المئة في 2025/2026، بالتزامن مع تحسن الاحتياطيات الأجنبية وانحسار بعض الاختلالات الخارجية. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتقييم التجربة الاقتصادية، لأن الاقتصاد لا يُقاس بالأرقام المجردة فحسب، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين.
وهنا تظهر الفجوة التي أصبحت، في نظر كثير من الاقتصاديين، السمة الأبرز للاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة: فجوة بين مؤشرات توحي باستعادة قدر من الاستقرار، وواقع معيشي لا يزال يرزح تحت وطأة التضخم وتراجع القوة الشرائية. ومن هنا، لا يقتصر تقييم التجربة الاقتصادية على سؤال: هل تحسنت المؤشرات؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا لم ينعكس هذا التحسن، بالقدر نفسه، على حياة المواطنين؟ وهل ركزت محاولات الإصلاح خلال العقد الماضي على استعادة التوازنات المالية أكثر مما ركزت على بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحويل النمو إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة؟
هذه هي الأسئلة التي تحاول هذه السلسلة الإجابة عنها، من خلال قراءة تحليلية لمسار الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير، تبدأ من أثر السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين، ثم تنتقل إلى جذور الأزمة في المالية العامة وبنية الاقتصاد، وصولًا إلى استشراف مستقبل الاقتصاد المصري وتقييم فرص تحوله إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا واستدامة.
أولًا: عندما يصبح سعر الصرف أكثر من مجرد رقم
في الخامس من أغسطس 2026، سجل سعر صرف الدولار في البنك المركزي المصري نحو 49.76 جنيهًا للشراء و49.86 جنيهًا للبيع. وقد يبدو هذا الرقم بالنسبة للمتخصصين مجرد مؤشر مالي يتغير يوميًا وفقًا لحركة السوق، إلا أن تأثيره في الاقتصاد المصري يتجاوز كثيرًا كونه سعرًا لتبادل العملات.
ففي اقتصاد يعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات، سواء في السلع النهائية أو المواد الخام أو مستلزمات الإنتاج، يتحول سعر الصرف إلى أحد أهم العوامل المؤثرة في تكلفة المعيشة. فكل انخفاض في قيمة الجنيه ينعكس، بدرجات مختلفة، على أسعار الغذاء والدواء والنقل والطاقة والسلع الصناعية، وهو ما يجعل المواطن يتابع سعر الدولار بوصفه مؤشرًا على ما سيدفعه غدًا، لا مجرد خبر اقتصادي في نشرات الأخبار.
ومن هذا المنطلق، يصبح سعر الصرف في مصر مؤشرًا نفسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو مؤشر نقدي، فهو يعكس مستوى الثقة في العملة المحلية، ويؤثر في توقعات المستهلكين والمنتجين والمستثمرين على حد سواء. وحتى عندما يبقى السعر الرسمي مستقرًا نسبيًا، فإن مجرد توقع حدوث انخفاض جديد في قيمة الجنيه قد يدفع بعض المنتجين والتجار إلى رفع الأسعار تحسبًا لارتفاع تكاليف الاستيراد مستقبلًا، وهو ما يزيد من الضغوط التضخمية حتى قبل حدوث أي تغير فعلي في السوق.
تبنت السلطات المصرية، بدعم من صندوق النقد الدولي، سياسة أكثر مرونة لسعر الصرف، باعتبارها وسيلة لامتصاص الصدمات الخارجية، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وجذب الاستثمارات الأجنبية. ومن الناحية النظرية، تعد هذه السياسة من الأدوات المعروفة في برامج الإصلاح الاقتصادي، لأنها تقلل من التشوهات التي قد تنتج عن تثبيت سعر العملة بصورة لا تعكس أوضاع السوق.
إلا أن تطبيق هذه السياسة في الاقتصاد المصري يطرح تحديًا مختلفًا؛ فكل تراجع في قيمة الجنيه لا يبقى أثره داخل القطاع المالي، وإنما ينتقل سريعًا إلى الأسواق والسلع والخدمات، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد على الواردات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهكذا تتحول مرونة سعر الصرف، التي تُعد في الأدبيات الاقتصادية أداة لتحقيق التوازن، إلى قناة تنتقل عبرها كلفة الإصلاح إلى المستهلك النهائي.
ولا يعني ذلك أن وجود سعر صرف مرن يمثل خطأ اقتصاديًا في حد ذاته، بل إن نجاحه يرتبط بقدرة الاقتصاد على تعويض آثاره السلبية من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتعميق التصنيع، ورفع الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات. أما إذا ظل هيكل الاقتصاد على حاله، فإن أي انخفاض في قيمة العملة يتحول سريعًا إلى ارتفاع في الأسعار، بينما تتأخر مكاسب الإصلاح أو تبقى محدودة بالنسبة للمواطن العادي.
وفي التجارب الاقتصادية الناجحة، لا يكون تحرير سعر الصرف هدفًا في حد ذاته، وإنما خطوة ضمن برنامج أشمل يهدف إلى تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد. أما عندما يسبق الإصلاح النقدي الإصلاح الإنتاجي بفارق زمني طويل، فإن المجتمع غالبًا ما يتحمل كلفة التعديل قبل أن يجني ثماره، وهي الحالة التي يرى كثير من الاقتصاديين أنها ما زالت تمثل أحد أبرز تحديات الاقتصاد المصري.
ثانيًا: التضخم.. تراجع الأرقام لا يعني انتهاء الأزمة
إذا كان استقرار سعر الصرف يمثل أحد أعمدة الإصلاح الاقتصادي، فإن التضخم يبقى المقياس الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية للمواطنين. فالمواطن لا يتعامل مع معدل التضخم بوصفه نسبة مئوية مجردة، وإنما يراه في فاتورة الكهرباء، وسعر الدواء، وتكلفة المواصلات، وفاتورة البقالة التي أصبحت تلتهم جزءًا أكبر من الدخل كل شهر.
من الناحية الرقمية، شهدت مصر تراجعًا واضحًا في معدلات التضخم مقارنة بذروتها التاريخية التي تجاوزت 38 في المئة في أواخر عام 2023. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوي في المدن بلغ 14.3 في المئة في يونيو 2026، بينما سجل التضخم الأساسي مستوى قريبًا من ذلك، وهو ما اعتبرته الحكومة والمؤسسات الدولية مؤشرًا على نجاح السياسة النقدية في كبح موجة الارتفاعات الحادة.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر، فالتراجع من مستويات قياسية لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى ما كانت عليه، وإنما يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. فالأسعار التي قفزت خلال السنوات الماضية لم تنخفض، وإنما استمرت في الارتفاع بمعدل أقل، وهو فارق جوهري قد يبدو واضحًا للخبراء، لكنه لا يغير كثيرًا من واقع الأسر التي تواجه مستويات معيشة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
لهذا، قد تبدو لغة البيانات مطمئنة، بينما يظل شعور المواطنين مختلفًا تمامًا. فالأسرة التي تضاعفت تقريبًا نفقاتها على الغذاء والسكن والطاقة خلال فترة قصيرة لن تشعر بتحسن ملموس لمجرد أن معدل التضخم تراجع من 30 أو 40 في المئة إلى نحو 14 في المئة، لأن نقطة الانطلاق نفسها أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه.
بل إن صندوق النقد الدولي نفسه توقع في مراجعته الأخيرة أن يعود التضخم إلى الارتفاع خلال النصف الثاني من عام 2026، مدفوعًا بعوامل عدة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، وتأثيرات سعر الصرف، وبعض العوامل الإحصائية المرتبطة بقياس التضخم. وهذا يعني أن الطريق نحو استقرار الأسعار بصورة مستدامة ما يزال طويلًا، وأن نجاح السياسة النقدية وحده لا يكفي إذا لم يواكبه توسع حقيقي في الإنتاج المحلي وزيادة في الدخول الحقيقية.
وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الرئيسية في التجربة المصرية، فبينما تستطيع البنوك المركزية استخدام أسعار الفائدة وأدوات السياسة النقدية لاحتواء الطلب والسيطرة على التضخم، فإن هذه الأدوات لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب الهيكلية لارتفاع الأسعار، مثل ضعف الإنتاج المحلي، أو الاعتماد الكبير على الواردات، أو ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والنقل.
ولذلك، فإن نجاح مكافحة التضخم لا يقاس فقط بانخفاض نسبته السنوية، وإنما بعودة التوازن بين الدخول والأسعار. فعندما ترتفع الأجور الحقيقية بمعدل يسمح بالحفاظ على القوة الشرائية، يصبح التضخم أكثر احتمالًا، أما عندما تظل الدخول ثابتة بينما تستمر الأسعار في الصعود، فإن حتى معدلات التضخم المتراجعة تبقى عبئًا ثقيلًا على غالبية المواطنين.
ثالثًا: عندما تتحول المعيشة إلى معركة يومية
ربما يكون الوصف الأدق لما جرى خلال السنوات الأخيرة أن التضخم لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى ضريبة غير معلنة يدفعها الجميع بصورة يومية. فهي ضريبة لا يقرها البرلمان، ولا تظهر في الموازنة العامة، لكنها تُقتطع عمليًا من القوة الشرائية للمواطن مع كل عملية شراء.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل الفقر الوطني في مصر بلغ 33.5 في المئة في عام 2021/2022، كما ارتفع معدل الفقر وفق خط الدخل المتوسط الأدنى الدولي خلال السنوات اللاحقة. وتعكس هذه الأرقام اتساع الضغوط الاقتصادية لتتجاوز الفئات الأشد فقرًا، وتمتد إلى شرائح أوسع من المجتمع، وفي مقدمتها الطبقة الوسطى.
ولا تقتصر آثار الأزمة على مستويات الدخل وحدها، بل تمتد إلى طبيعة القرارات اليومية التي تتخذها الأسر. فهناك من أصبح يؤجل العلاج، أو يقلص الإنفاق على التعليم، أو يعيد ترتيب أولوياته الغذائية، أو يستنزف مدخراته لمواجهة النفقات الأساسية. وهذه التحولات لا تظهر كلها في المؤشرات الاقتصادية، لكنها تمثل أحد أهم الآثار الاجتماعية الممتدة للتضخم.
وتزداد الصورة تعقيدًا إذا أخذنا في الاعتبار أوضاع سوق العمل. فوفق بيانات البنك الدولي، ما تزال معدلات المشاركة في قوة العمل والتوظيف أقل من المستويات التي تسمح باستيعاب جميع الداخلين الجدد إلى السوق، وهو ما يعني أن النمو الاقتصادي لم يتحول بعد إلى توسع كافٍ في فرص العمل المنتجة.
وهنا يصبح الفقر أكثر من مجرد انخفاض في الدخل؛ إذ يتحول إلى تراجع في القدرة على التخطيط للمستقبل، وعلى الادخار، وعلى الاستثمار في تعليم الأبناء أو تحسين مستوى المعيشة. ومع مرور الوقت، ينعكس ذلك على الاستهلاك المحلي، وعلى النشاط الاقتصادي نفسه، لأن الاقتصاد الذي تتراجع فيه القوة الشرائية للأغلبية يواجه صعوبة في الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة ومستدامة.
رابعًا: الطبقة الوسطى.. الخاسر الأكبر
تاريخيًا، شكلت الطبقة الوسطى ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر. فهي المحرك الرئيسي للاستهلاك، والتعليم، والاستثمار في المشروعات الصغيرة، والادخار، كما أنها تمثل القاعدة الأوسع للقوى العاملة المتعلمة.
إلا أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة دفعت هذه الطبقة إلى موقع أكثر هشاشة. فلم تعد المشكلة مقتصرة على الأسر منخفضة الدخل، بل أصبحت تشمل شرائح كانت حتى وقت قريب قادرة على الادخار أو تحسين مستوى معيشتها تدريجيًا.
أصبحت أسرة كانت تخصص جزءًا من دخلها للادخار تستخدم هذا المبلغ لتغطية نفقات الغذاء، وأخرى تقلص إنفاقها على التعليم الخاص أو الرعاية الصحية، بينما لجأت أسر كثيرة إلى تأجيل قرارات شراء المسكن أو السيارة أو حتى تكوين مدخرات للطوارئ.
ولا يعني ذلك اختفاء الطبقة الوسطى، بل يعني تراجع قدرتها الاقتصادية، وهو تطور لا ينعكس فقط على الأفراد، وإنما على الاقتصاد بأكمله. فكلما تقلصت قدرة هذه الطبقة على الاستهلاك والاستثمار، تباطأ النشاط الاقتصادي المحلي، وازدادت هشاشة النمو في مواجهة الصدمات.
إن إعادة بناء الطبقة الوسطى ليست قضية اجتماعية فحسب، بل قضية اقتصادية أيضًا، لأن الاقتصادات التي تتمتع بطبقة وسطى قوية تكون عادة أكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام وأكثر توازنًا في توزيع ثماره.
ختام الجزء الأول
تكشف القراءة الأولية للمؤشرات الاقتصادية أن مصر نجحت في تحقيق قدر من الاستقرار المالي والنقدي مقارنة بالسنوات الأكثر اضطرابًا، لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين. فبين لغة المؤشرات الكلية ولغة الحياة اليومية ما تزال فجوة واسعة، عنوانها ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، واتساع الضغوط على الطبقة الوسطى.
وفي الجزء الثاني، نغادر آثار الأزمة كما يشعر بها المواطن، لنتجه إلى جذورها داخل الموازنة العامة للدولة، فنناقش الدين العام، وكلفة خدمة الدين، وإعادة هيكلة الدعم، ودور الدولة والقطاع العام في النشاط الاقتصادي، لفهم لماذا بقيت ثمار الإصلاح بعيدة عن حياة كثير من المصريين.

