في الرابع عشر من أغسطس 2013، استيقظت مصر على واحد من أكثر الأيام دموية في تاريخها الحديث، بعدما تحولت عملية فض اعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية شرقي القاهرة إلى مواجهة دامية أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى، وأثارت موجة واسعة من الجدل داخل مصر وخارجها بشأن استخدام القوة، وحجم الخسائر البشرية، والمسؤولية عن أحداث ذلك اليوم.

 

وبعد مرور سنوات على الواقعة، لا تزال أحداث رابعة حاضرة في النقاش السياسي والحقوقي المصري، فيما تختلف الروايات بصورة كبيرة حول ما جرى خلال ساعات الفض، وكذلك حول العدد النهائي للشهداء.

 

من انتخاب مرسي إلى أزمة الحكم

 

لفهم ما حدث في ميدان رابعة، لا بد من العودة إلى التطورات السياسية التي سبقت يوم الفض.

 

تولى محمد مرسي رئاسة مصر في الثلاثين من يونيو 2012، بعد الانتخابات الرئاسية التي أعقبت ثورة يناير 2011، ليصبح أول رئيس مدني منتخب في انتخابات رئاسية بعد سقوط نظام المخلوع حسني مبارك.

 

وفي عام 2013 ظهرت حملة "تمرد"، المدعومة من الإمارات التي دعت إلى سحب الثقة من مرسي، وجمعت توقيعات قالت إنها تهدف إلى إنهاء فترة حكمه وإجراء انتخابات مبكرة.

 

وفي الثلاثين من يونيو 2013 خرجت مظاهرات بمناطق مختلفة من البلاد مدعومه من الجيش والشرطه بزي مدني، في وقت نظم فيه أنصار مرسي احتجاجات مؤيده على شرعيته الانتخابية.

 

ومع تصاعد الأزمة السياسية، تدخل الجيش وفي الثالث من يوليو، حيث أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الإنقلاب العسكري على الرئيس الشرعي مرسي وتعطيل العمل بالدستور.

 

بداية اعتصام رابعة

 

بعد عزل مرسي، بدأ أنصاره في تنظيم احتجاجات واعتصامات للمطالبة بعودته إلى منصبه.

 

وكان ميدان رابعة العدوية في مدينة نصر أحد أبرز مراكز التجمع، إلى جانب ميدان نهضة مصر في الجيزة.

 

وتحول الاعتصام خلال الأسابيع التالية إلى تجمع ضخم شارك فيه آلاف المؤيدين، ورفع المعتصمون مطالب رئيسية في مقدمتها عودة مرسي إلى منصبه ورفض ما وصفوه بالانقلاب العسكري.

 

في المقابل، تمسك المعتصمون بموقفهم، مؤكدين أن وجودهم في الميدان احتجاج سياسي سلمي، وأنهم لن يغادروا إلا بعد عودة مرسي إلى الحكم.

 

قرار فض الاعتصام

 

في نهاية يوليو 2013، أعلنت سلطات الانقلاب أنها قررت اتخاذ إجراءات لفض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، بعد فشل محاولات سياسية وأمنية للتوصل إلى حل للأزمة.

 

وقالت السلطات إن الاعتصامات تحولت إلى مصدر تهديد للسكان والمارة، وفي المقابل، رفض أنصار مرسي تلك الاتهامات، وقالوا إن الاعتصام كان سلميا.

 

ومع اقتراب موعد الفض، بدأت حالة التوتر تتزايد في محيط ميدان رابعة، وأقام المعتصمون حواجز ومتاريس في عدد من المداخل، استعدادا لما توقعوه من عملية أمنية.

 

وفي الساعات التي سبقت الفض، كان الميدان يضم أعدادا كبيرة من المعتصمين، بينهم عائلات وأطفال ونساء، بحسب شهادات ومواد وثائقية تناولت الأحداث لاحقا.

 

فجر 14 أغسطس.. بداية العملية

 

مع الساعات الأولى من صباح الرابع عشر من أغسطس 2013، بدأت قوات أمن الانقلاب، عملية فض اعتصام رابعة.

 

فقد قال شهود ومشاركون إن قوات الأمن تقدمت إلى الميدان باستخدام المدرعات والجرافات وقوات الشرطة، وإن إطلاق النار وقع بصورة واسعة، مؤكدين أن غالبية المعتصمين لم يكونوا يحملون أسلحة.

 

ساعات من إطلاق النار والحرائق

 

تحولت عملية الفض خلال ساعات إلى واحدة من أكثر المواجهات دموية في مصر خلال العقود الأخيرة.

 

وأفادت شهادات متظاهرين وناجين بأن أصوات إطلاق النار ظلت مسموعة لساعات، بالتزامن مع انتشار الدخان والغاز المسيل للدموع واندلاع حرائق داخل أجزاء من الميدان.

 

وتعرضت منشآت الاعتصام للحريق، كما امتدت النيران إلى أجزاء من المنصة الرئيسية والمستشفى الميداني.

 

وأصبحت المستشفيات الميدانية في قلب الأحداث، مع تدفق المصابين إليها بصورة متواصلة، في الوقت الذي واجه فيه الأطباء والمسعفون أعدادا كبيرة من الحالات التي تراوحت بين الإصابات بالرصاص والاختناق والجروح الناتجة عن التدافع والحرائق.

 

وتحدث ناجون لاحقا عن مشاهد لجثث داخل المستشفى الميداني، بعضها مجهول الهوية، وعن صعوبة التعامل مع الأعداد الكبيرة من المصابين والقتلى.

 

وكانت ظروف الفوضى والحرائق والاشتباكات قد جعلت عملية حصر الضحايا والتعرف على هوياتهم أكثر تعقيدا.

 

وقال المعتصمون إنهم فوجئوا بتقدم قوات الأمن نحو الميدان، وإن التحذيرات التي سبقت الفض لم تصل إلى جميع الموجودين، خصوصا مع اتساع مساحة الاعتصام وكثافة أعداد المشاركين.

 

وأكدوا أن الاعتصام كان سياسيا وسلميا، وأن قوات الأمن استخدمت الذخيرة الحية ضد المشاركين.

 

كما اتهموا قوات الأمن بإطلاق النار على أشخاص حاولوا مغادرة المكان، وباستهداف المستشفيات الميدانية ومناطق تجمع المصابين.

 

وأصبحت صور الجثث والمصابين والحرائق التي انتشرت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من أبرز المشاهد التي ارتبطت بأحداث رابعة، وأسهمت في تحويل الواقعة إلى قضية دولية تتعلق بحقوق الإنسان واستخدام القوة ضد المتظاهرين.

 

 

تقرير هيومن رايتس ووتش

 

أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقا موسعا حول عملية الفض، وخلصت إلى أن قوات الأمن استخدمت قوة مفرطة ضد المتظاهرين.

 

ووثقت المنظمة استشهاد 817 شخصا على الأقل في فض اعتصام رابعة، لكنها قالت إن العدد الحقيقي للقتلى كان على الأرجح أعلى من ذلك.

 

واعتبرت المنظمة أن عملية الفض كانت من أكبر عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث.

 

كما قالت إن قوات الأمن لم توفر، وفقا لما خلص إليه تحقيقها، تحذيرات فعالة أو مخارج آمنة كافية أمام المعتصمين، واتهمتها باستخدام الذخيرة الحية على نطاق واسع.

 

وتحدث تقرير المنظمة كذلك عن إطلاق النار قرب المنشآت الطبية، وعن وجود قناصة، وعن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا داخل وحول الميدان.

 

 

أرقام الضحايا.. روايات متباينة

 

فقد تحدثت قيادات من جماعة الإخوان المسلمين وأنصار مرسي عن سقوط آلاف الشهداء، بينما أعلن المستشفى الميداني في رابعة أرقاما مرتفعة للغاية.

 

وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة أن عدد الشهداء في أحداث فض رابعة بلغ 670 شخصا، إضافة إلى نحو 4400 مصاب.

 

وفي نوفمبر 2013، أعلن مسؤولون في الطب الشرعي بالقاهرة أن إجمالي عدد الشهداء الذين تم حصرهم بلغ 377 قتيلا، بينهم 31 جثة مجهولة الهوية.

 

أما هيومن رايتس ووتش فقالت إنها وثقت استشهاد 817 شخصا على الأقل، وقدرت أن العدد الحقيقي ربما تجاوز ألف قتيل.

 

ويعكس التفاوت الكبير بين الأرقام التي أعلنتها الأطراف المختلفة صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية متفق عليها، خاصة في ظل الفوضى التي صاحبت عملية الفض، ووجود جثث مجهولة الهوية، واختفاء بعض الأشخاص خلال الأحداث.

 

 

ماذا حدث بعد الفض؟

 

لم تتوقف تداعيات رابعة بانتهاء العملية الأمنية.

 

فبعد فض الاعتصام، تصاعدت موجة العنف في عدد من المحافظات وشهدت البلاد هجمات على منشآت أمنية وكنائس ومؤسسات عامة، إضافة إلى مواجهات واحتجاجات في مناطق مختلفة.

 

كما بدأت السلطات حملة أمنية واسعة ضد المعارضين للانقلاب العسكري، شملت الاعتقالات.

 

وأحيل عدد كبير من المعتقليم إلى المحاكم، وصدرت لاحقا أحكام قضائية في قضايا مرتبطة بأحداث العنف والاعتصامات، من بينها أحكام بالإعدام والسجن.

 

وفي الوقت نفسه، استمرت المنظمات الحقوقية الدولية في انتقاد ما وصفته بحملة واسعة على المعارضة السياسية.

 

 

استقالة البرادعي

 

كان من أبرز ردود الفعل داخل السلطة المؤقتة نفسها استقالة محمد البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية.

 

وقال البرادعي في رسالة استقالته إنه لم يكن قادرا على تحمل المسؤولية عن قرار استخدام القوة لفض الاعتصامات.

 

وأثارت الاستقالة في ذلك الوقت جدلا واسعا، خصوصا أن البرادعي كان أحد أبرز الشخصيات السياسية التي شاركت في المشهد الذي أعقب عزل مرسي.

 

وأظهرت الاستقالة حجم الخلافات داخل السلطة المؤقتة بشأن الطريقة التي جرى بها التعامل مع الاعتصامات.

 

إدانات دولية واسعة

 

أثارت أحداث رابعة ردود فعل دولية واسعة.

 

وأعرب الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما عن إدانته لاستخدام القوة ضد المدنيين، فيما عبرت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء ارتفاع أعداد القتلى والمصابين.

 

كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه من تصاعد العنف في مصر، ودعت أطراف دولية مختلفة إلى وقف العنف والعودة إلى المسار السياسي.

 

وكان الموقف التركي من أكثر المواقف الدولية حدة، إذ انتقد رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، الانقلاب العسكري، ودعا إلى تحرك دولي لوقف ما وصفه بالمجزرة.

 

كما صدرت إدانات من منظمات إسلامية وحقوقية، اعتبرت أن ما جرى يمثل انتهاكا لحق التظاهر والحياة.

 

رابعة في الذاكرة

 

بعد مرور سنوات، لم تعد رابعة مجرد موقع جغرافي أو اعتصام سياسي انتهى في أغسطس 2013، بل تحولت إلى رمز سياسي وحقوقي شديد الحساسية.

 

فبالنسبة إلى أنصار محمد مرسي، أصبحت رابعة رمزا للضحايا الذين سقطوا خلال عملية الفض، وتحولت إشارة اليد ذات الأصابع الأربع إلى رمز مرتبط بالأحداث.