بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، لا تزال قضية المفقودين تمثل واحدة من أكثر الملفات الإنسانية والحقوقية إيلامًا في مصر، حيث ما زالت آلاف الأسر، وفق تقارير حقوقية، تعيش بين الأمل واليأس، في انتظار معرفة مصير أبنائها الذين اختفوا خلال تلك الأحداث أو في أعقابها، دون أن تتمكن حتى الآن من الحصول على إجابات حاسمة بشأن أماكن وجودهم أو مصيرهم.

 

وتحوّلت معاناة تلك الأسر إلى قصة مستمرة لم تنتهِ بانتهاء الأحداث، إذ لا يزال كثير من الآباء والأمهات يطرقون أبواب المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة والسجون، ويقدمون البلاغات والالتماسات، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن ملف الاختفاء القسري ما زال مفتوحًا، في حين ينفى الانقلاب العسكري بصورة متكررة الاتهامات المتعلقة بوجود حالات اختفاء قسري ممنهجة.

 

 

المفقودون.. المأساة التي لم تنتهِ

 

سلطت تقارير حقوقية وإعلامية الضوء على المعاناة المستمرة لعائلات المفقودين منذ أحداث فض الاعتصامين، مؤكدة أن الألم الحقيقي لم يكن فقط في سقوط الضحايا، وإنما في استمرار الغموض الذي يحيط بمصير آلاف الأشخاص الذين خرجوا من منازلهم ولم يعودوا إليها حتى اليوم.

 

وتشير تقارير حقوقية إلى عدم وجود إحصاء أو نهائي لأعداد المفقودين، بينما وثق مرصد حقوق الإنسان في لندن أكثر من 400 حالة اختفاء مرتبطة بأحداث رابعة والنهضة، مع تأكيد باحثين حقوقيين أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير.

 

وتبقى قضية المفقودين واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ يعيش ذووهم بين احتمال الوفاة، أو الاحتجاز، أو الاختفاء القسري، دون وثائق رسمية أو معلومات مؤكدة تنهي سنوات الانتظار.

 

 

عمر.. خرج ليطمئن على أصدقائه ولم يعد

 

من بين القصص التي تحولت إلى رمز لمعاناة الأسر، قصة الشاب عمر حماد، الذي كان يبلغ من العمر عشرين عامًا عندما توجه إلى ميدان رابعة العدوية صباح يوم الفض.

 

وبحسب والدته بدرية السيد، فإن آخر ما قاله لها قبل مغادرته المنزل كان أنه سيذهب للاطمئنان على أصدقائه وسيعود سريعًا، إلا أن تلك الكلمات كانت آخر ما سمعته منه.

 

وتقول والدته إنها تلقت في البداية معلومات تفيد بإصابته في كتفه واحتجازه، لتبدأ بعدها رحلة بحث استمرت سنوات، شملت المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة والسجون، بالإضافة إلى إجراء تحاليل البصمة الوراثية (DNA)، أملاً في الوصول إلى أي دليل يحدد مصيره.

 

ورغم مرور السنوات، تؤكد الأم أنها ما زالت تتمسك بالأمل في أن يكون ابنها على قيد الحياة، معتبرة أن غياب أي دليل قاطع على وفاته يمنحها سببًا للاستمرار في البحث.

 

 

رحلة بحث بين السجون والمشارح

 

وتروي بدرية السيد أنها توجهت إلى عدد من أماكن الاحتجاز بعد تلقيها معلومات عن احتمال وجود ابنها داخل أحد السجون العسكرية، إلا أنها تقول إنها لم تحصل على أي معلومات رسمية تؤكد وجوده أو تنفيه.

 

كما أشارت إلى تلقيها اتصالات هاتفية من شخص عرّف نفسه بأنه ضابط بجهاز الأمن الوطني، ووعدها بالمساعدة في معرفة مصير ابنها، قبل أن ينقطع التواصل نهائيًا، بحسب روايتها.

 

وتضيف أن أحد الضباط أخبرها لاحقًا بأن ابنها غادر إلى سوريا، وهو ما تؤكد أنه لم يقدم أي دليل يدعمه، لتظل القضية بالنسبة إليها معلقة بين الشائعات والانتظار.

 

 

محمد الشحات.. ثلاثة عشر عامًا بلا خبر

 

قصة أخرى تعكس حجم المعاناة، تتمثل في اختفاء محمد الشحات، الذي خرج إلى ميدان رابعة ولم يعد.

 

ويقول شقيقه تامر الشحات إن محمد كان يقف بالقرب من المستشفى الميداني مع عدد من أصدقائه عندما اندلعت أعمال العنف، وبعدها فقد الجميع أثره تمامًا.

 

ويؤكد أن الأسرة لم تترك مكانًا إلا وذهبت إليه، بداية من المستشفيات والمشارح وحتى السجون والنيابة العامة، كما أجرت تحاليل البصمة الوراثية أملاً في العثور على أي أثر له، لكن دون نتيجة.

 

ويشير إلى أن والدته تعيش منذ سنوات بين الأمل والحزن، رافضة استخراج شهادة وفاة لشقيقه قبل معرفة الحقيقة أو العثور على جثمانه، مؤكدة أن الأسرة تريد فقط معرفة مصيره.

 

 

عمرو متولي.. اختفاء الابن ثم الأب

 

ومن القصص التي تبرز تعقيدات الملف أيضًا، قضية عمرو متولي، الذي اختفى عقب أحداث الفض، بينما تعرض والده المحامي الحقوقي إبراهيم متولي للاحتجاز عام 2017 أثناء سعيه للسفر إلى جنيف للمشاركة في فعاليات تتعلق بملف الاختفاء القسري.

 

وتقول زوجته سناء أحمد إن زوجها لم يتوقف عن البحث عن ابنهما طوال السنوات الماضية، مؤكدة أن كل ما تتمناه هو معرفة مصير ابنها، حتى وإن كان قد استشهد، حتى تتمكن الأسرة من إنهاء سنوات الانتظار وزيارة قبره.

 

وتصف سناء آخر ساعات جمعتها بابنها داخل الاعتصام بأنها لا تزال حاضرة في ذاكرتها، مؤكدة أن وجبتهما الأخيرة معًا تحولت إلى آخر ذكرى قبل اختفائه.

 

 

تقديرات حقوقية متباينة

 

وتؤكد منظمات حقوقية أن ملف الاختفاء القسري اتسع خلال السنوات التي أعقبت عام 2013، إن عدد حالات الاختفاء القسري تجاوز 20 ألف حالة منذ يوليو 2013، وهو رقم تنفيه حكومة الانقلاب العسكري بصورة قاطعة.

 

كما يؤكد باحثون حقوقيون أن غياب الإحصاءات الرسمية وصعوبة الوصول إلى المعلومات يجعل من المستحيل تحديد العدد الحقيقي للمفقودين، خاصة مع استمرار ظهور حالات جديدة خلال السنوات الماضية.

 

ويرى حقوقيون أن الاختفاء القسري أصبح من أبرز القضايا الحقوقية التي تتطلب معالجة قانونية ومؤسسية، فيما تؤكد سلطات الانقلاب التزامها بالقانون والدستور، وترفض الاتهامات المتعلقة بممارسة الاختفاء القسري بصورة ممنهجة.

 

 

الجدل القانوني

 

ويشير حقوقيون إلى أن المادة (54) من الدستور المصري تنص على عدم جواز القبض على أي شخص أو احتجازه إلا بأمر قضائي، مع ضرورة تمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه، وعرضه على جهة التحقيق خلال 24 ساعة.

 

وفي المقابل، يقول باحثون حقوقيون إن مصر لم تصدق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، معتبرين أن الانضمام إليها يمثل خطوة مهمة لتعزيز آليات المحاسبة، بينما تؤكد حكومة الانقلاب أن منظومتها القانونية تكفل حماية الحقوق والحريات وفقًا للدستور والقوانين النافذة.

 

 

قضية لا تزال بلا نهاية

 

وبعد ثلاثة عشر عامًا، لم تعد قضية المفقودين مجرد ملف حقوقي، بل أصبحت مأساة إنسانية ممتدة تمس آلاف الأسر التي لا تزال تعيش على أمل تلقي اتصال هاتفي أو معلومة أو وثيقة تنهي سنوات طويلة من الانتظار.

 

وبينما تتواصل المطالب الحقوقية بالكشف عن مصير المفقودين، وإجراء تحقيقات مستقلة، وتوفير معلومات رسمية لعائلاتهم، تبقى قصص عمر حماد، ومحمد الشحات، وعمرو متولي، وغيرها من القصص، شاهدة على معاناة لم تنتهِ، وعلى ملف ما زال مفتوحًا بعد مرور ثلاثة عشر عامًا.