اتخذت الولايات المتحدة خطوة غير متوقعة برفع عقوبات كانت مفروضة على شركات وطائرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع استمرار المفاوضات غير المباشرة مع طهران بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمع بين لغة التفاوض والتهديد باستخدام القوة العسكرية.

 

ويأتي القرار الأمريكي في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع استمرار التوترات بين واشنطن وطهران، وتصاعد المخاوف من أي مواجهة قد تؤثر على أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.

 

 

فلاي بغداد بين الشركات المرتبطة بالحرس الثوري

 

أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية رفع العقوبات المتعلقة بمكافحة الإرهاب عن طائرتين وثلاث شركات طيران كانت مدرجة سابقًا بسبب صلاتها بالحرس الثوري الإيراني، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بشأن توقيتها وأبعادها السياسية.

 

ومن أبرز الجهات التي شملها القرار شركة "فلاي بغداد" العراقية للطيران، والتي كانت قد أدرجت على قوائم العقوبات الأمريكية في يناير 2024، بعد اتهامها بتقديم دعم لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب دعم حلفاء طهران في العراق وسوريا ولبنان.

 

كما تضمن القرار رفع العقوبات عن طائرتين من أسطول الشركة، بينما أبقت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات المفروضة على مالك الشركة بشير عبد الكاظم علوان الشباني دون تغيير، في إشارة إلى استمرار الملاحقات بحق الأفراد المرتبطين بالملف.

 

 

مراجعة إدارية وليس تغييرًا في السياسة

 

ووفق مسؤول بوزارة الخزانة الأمريكية، فإن رفع العقوبات جاء بعد مراجعة إدارية أثبتت حدوث تغيرات جوهرية في نشاط شركة "فلاي بغداد"، بحيث لم يعد استمرار إدراجها على قوائم العقوبات مبررًا.

 

وشدد المسؤول الأمريكي على أن القرار لا يعكس أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاه إيران أو الحرس الثوري أو فيلق القدس، مؤكدًا استمرار واشنطن في استهداف أي جهات أو أفراد يقدمون دعمًا للمنظمات التي تصنفها الولايات المتحدة على قوائم الإرهاب.

 

ويؤكد هذا التصريح أن الإدارة الأمريكية تسعى للفصل بين الإجراءات القانونية الخاصة ببعض الكيانات وبين الاستراتيجية العامة تجاه إيران، والتي ما تزال قائمة على مزيج من الضغوط الاقتصادية والعقوبات والردع العسكري.

 

 

عقوبات جديدة على شبكة دعم "ماهان"

 

ورغم رفع العقوبات عن بعض الكيانات، فإن واشنطن واصلت في الوقت نفسه سياسة تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران.

 

ففي 30 يوليو 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على ستة كيانات وأفراد في إيران والصين والهند وروسيا، قالت إنهم يعملون ضمن شبكات دعم ومبيعات لصالح شركة "ماهان" الإيرانية للطيران.

 

وتتهم الولايات المتحدة شركة "ماهان" بالمشاركة في نقل عناصر من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى نقل أسلحة وطائرات مسيرة إلى حلفاء إيران في المنطقة، وهو ما دفع واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى إدراج الشركة ضمن قوائم العقوبات منذ سنوات.

 

 

مفاوضات متواصلة حول هرمز والملف النووي

 

ويتزامن القرار الأمريكي مع استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران، والتي تركز بصورة رئيسية على إعادة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب استكمال التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني.

 

وتكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية في ظل التأثير المباشر لأي اضطرابات في مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خاصة بعد أشهر من التصعيد العسكري بين الجانبين.

 

 

ترامب: المحادثات إيجابية والضربة جاهزة

 

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام لغة مزدوجة تجمع بين التفاؤل والتهديد.

 

وأكد ترامب أن المفاوضات مع إيران استمرت طوال يوم الثلاثاء، واصفًا المناقشات بأنها "إيجابية للغاية"، معربًا عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى اتفاق.

 

لكن الرئيس الأمريكي عاد ولوح باستخدام القوة العسكرية إذا فشلت المفاوضات، مؤكدًا أن مضيق هرمز "سيفتح قريبًا جدًا"، ومهددًا إيران بأنها ستتلقى "ضربة قوية جدًا" إذا تراجعت عن الالتزامات التي تطالب بها واشنطن.

 

ويعكس هذا الخطاب استمرار اعتماد الإدارة الأمريكية على سياسة الضغط القصوى، التي تمزج بين التفاوض وإبقاء الخيار العسكري مطروحًا على الطاولة.

 

 

طهران ترد بالتهديد

 

في المقابل، ردت إيران على تصريحات ترامب بالتأكيد أنها ستستهدف منشآت الطاقة والمنشآت الاقتصادية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم أمريكي جديد.

 

وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار حالة الاستنفار العسكري بين الجانبين، وسط تحذيرات دولية من أن أي مواجهة جديدة قد تؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية ورفع أسعار الطاقة بصورة غير مسبوقة.

 

 

إعلان مرتقب بين إيران وسلطنة عمان

 

وفي تطور متصل، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن إيران وسلطنة عمان توصلتا إلى اتفاق بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي في مضيق هرمز، وأن العمل جارٍ لوضع اللمسات النهائية على إعلان مشترك سيصدر قريبًا.

 

وأوضح بقائي أن الاتفاق لن يكون كافيًا وحده لضمان أمن الملاحة في المضيق إذا استمرت تدخلات أطراف أخرى، في إشارة إلى الوجود العسكري الدولي في المنطقة.

 

ويرى مراقبون أن أي تفاهم إيراني-عماني قد يسهم في تهدئة جزء من المخاوف المرتبطة بحركة السفن، لكنه لن ينهي الأزمة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل بين إيران والولايات المتحدة.

 

 

إيران تؤكد استمرار دعمها للفلسطينيين

 

وعلى صعيد آخر، جدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعم بلاده لأي قرار يتخذه الفلسطينيون بشأن المفاوضات الجارية حول وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

 

وخلال اتصال هاتفي مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية، أكد بزشكيان أن إيران ستواصل دعم الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن طهران تقف إلى جانب الفلسطينيين في جميع الخيارات التي يقررونها خلال المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل.

 

كما دعا الرئيس الإيراني إلى تعزيز وحدة الأمة الإسلامية وتوحيد المواقف بشأن القضية الفلسطينية، فيما أعرب الحية عن تقديره للموقف الإيراني، مستعرضًا تطورات الأوضاع السياسية والميدانية في غزة والضفة الغربية والقدس.

 

 

واشنطن بوست: تهديدات ترامب فقدت كثيرًا من تأثيرها

 

وفي سياق متصل، رأت صحيفة "واشنطن بوست" أن أسلوب الرئيس الأمريكي القائم على إطلاق التهديدات المتكررة لم يعد يحقق التأثير نفسه الذي كان يحققه في بداية ولايته الثانية.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن كثيرًا من قادة العالم أصبحوا يتعاملون مع تصريحات ترامب باعتبارها جزءًا من أسلوب تفاوضي يعتمد على التصعيد ثم التراجع، خاصة بعد سلسلة من الملفات التي انتهت بتسويات أو تنازلات أمريكية.

 

وأضافت أن عدداً من الحكومات بات أقل استجابة للضغوط الأمريكية، سواء في ملفات الرسوم الجمركية أو العلاقات مع الحلفاء أو الأزمة الإيرانية، وهو ما اعتبره محللون مؤشرًا على تراجع فعالية سياسة "الصدمة والترويع" التي اعتمد عليها ترامب.