كشف البنك المركزي المصري عن تراجع السيولة المحلية لدى القطاع المصرفي في مصر إلى 15.261 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026، بانخفاض 68.9 مليار جنيه عن مايو، بما يعكس تقلص الأموال المتاحة داخل الاقتصاد وضغوطا متزايدة على الاستثمار.

 

ويأتي هذا التراجع في وقت تعاني فيه الأسر والشركات من ارتفاع تكاليف المعيشة والتمويل، بينما يثير انخفاض السيولة مخاوف أوسع من ضعف الادخار المحلي وتراجع قدرة الاقتصاد على تمويل استثمارات جديدة توفر فرص عمل وإنتاجا وصادرات.

 

كما سجل المعروض النقدي 4.492 تريليون جنيه بنهاية يونيو، مقابل 4.502 تريليون جنيه في مايو، بما يعكس انكماشا محدودا في أحد أهم مكونات السيولة التي تتحرك بين الأفراد والشركات والمؤسسات داخل السوق المحلية.

 

وفي الاتجاه نفسه، هبط النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي إلى 1.649 تريليون جنيه، مقابل 1.737 تريليون جنيه، متراجعا بنحو 87.6 مليار جنيه، وهو انخفاض يوضح تراجع حجم الأموال المتداولة مباشرة بين المواطنين والأنشطة الاقتصادية.

 

وعلى الجانب الآخر، ارتفعت الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية إلى 2.842 تريليون جنيه، مقابل 2.765 تريليون جنيه في مايو، بما يشير إلى انتقال جزء من الأموال نحو الحسابات المصرفية بدلا من بقائها في صورة نقد متداول.

 

غير أن الصورة الأوسع تظل مقلقة، لأن السيولة المحلية سجلت أول تراجع شهري من نوعه منذ فبراير 2017، عندما انخفضت آنذاك إلى 2.627 تريليون جنيه، وهو ما يعيد طرح أسئلة حول اتجاه النشاط النقدي والاستثماري.

 

 

ادخار يتآكل سريعا

 

حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من خطورة تراجع الادخار المحلي، مشيرا إلى أن معدله لا يتجاوز 1% من الناتج المحلي، في حين يحتاج الاقتصاد إلى استثمارات أكبر بكثير للحفاظ على التشغيل وتحسين مستويات الإنتاج.

 

وبحسب توفيق، فإن انخفاض الادخار ينعكس بصورة مباشرة على الاستثمار، لأن البنوك تعتمد على مدخرات العملاء في تمويل جزء مهم من النشاط الاقتصادي، وكلما تقلصت هذه الموارد أصبحت قدرة الشركات على التوسع والحصول على التمويل أكثر صعوبة.

 

ومن ثم، يربط توفيق بين أزمة الادخار والحاجة إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة، لا مجرد الاعتماد على بيع الأصول، لأن الاستثمار المباشر يضيف طاقات إنتاجية جديدة ويولد وظائف وصادرات ويعزز قدرة الاقتصاد على سداد التزاماته الخارجية.

 

وفوق ذلك، فإن تراجع الادخار من مستويات كانت تدور قرب 10% إلى نحو 1% من الناتج المحلي يعكس ضغوطا قوية على دخول الأسر، التي أصبحت تنفق نسبة أكبر من مواردها على الاحتياجات الأساسية بدلا من تكوين مدخرات.

 

وبالتالي، لا يمكن فصل انخفاض السيولة عن تآكل القوة الشرائية، لأن ارتفاع الأسعار يدفع المواطنين إلى سحب جزء أكبر من دخولهم ومدخراتهم لتغطية الغذاء والسكن والنقل، وهو ما يقلل الأموال المتاحة للبنوك لإعادة ضخها في الاقتصاد.

 

وفي المقابل، قد تبدو زيادة الودائع تحت الطلب مؤشرا إيجابيا ظاهريا، لكنها لا تعوض ضعف الادخار طويل الأجل، لأن الاستثمار يحتاج إلى موارد مستقرة يمكن توظيفها في مشروعات إنتاجية وتمويل توسعات تستغرق سنوات حتى تحقق عوائدها.

 

 

استثمار يبحث عن تمويل

 

وفي قراءة موازية، يشدد الخبير الاقتصادي هاني جنينة على أن الاستدامة تتطلب تدفقات دولارية ناتجة من استثمارات حقيقية وإنتاج وتصدير، لا الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة التي تدخل بحثا عن عوائد مرتفعة ثم تخرج سريعا.

 

وبناء على ذلك، يصبح تراجع السيولة المحلية أكثر خطورة عندما يتزامن مع ضعف الاستثمار الخاص، لأن الاقتصاد يفقد في الوقت نفسه جزءا من موارده المحلية ويظل معتمدا على تدفقات خارجية قد تتغير مع تحركات الفائدة والأسواق.

 

كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض خلال الفترات الماضية جعل الشركات أكثر حذرا في التوسع، بينما أصبحت المشروعات الجديدة تواجه معادلة صعبة بين أسعار فائدة مرتفعة وطلب محلي مضغوط وتكاليف تشغيل متزايدة وهوامش ربح تتعرض للضغط.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تراجع الاستثمار بنسبة 28.2%، وفق تقديرات أوردها هاني توفيق، يعني فقدان جزء من القدرة على إنشاء مشروعات جديدة ورفع الطاقة الإنتاجية، وهو ما ينعكس لاحقا على التشغيل والصادرات والنمو الاقتصادي.

 

وعليه، فإن بيع الأصول قد يوفر سيولة دولارية مؤقتة للدولة، لكنه لا يضمن بالضرورة بناء قاعدة إنتاجية مستدامة، خصوصا إذا لم تتجه الحصيلة إلى استثمارات تولد عائدا مستقبليا وتزيد قدرة الاقتصاد على المنافسة والتصدير.

 

ومن جهة أخرى، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر يختلف عن التدفقات قصيرة الأجل، لأنه يرتبط بمصانع وشركات وأصول إنتاجية يصعب سحبها سريعا، ولذلك يرى اقتصاديون أنه أكثر فائدة للاستقرار والنمو من الأموال التي تتحرك مع أسعار الفائدة.

 

وفي السياق ذاته، ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي إلى 27.965 مليار دولار بنهاية يونيو، مقابل 22.9 مليار دولار في مايو، لكن تحسن هذا المؤشر لا يلغي المخاوف المرتبطة بضعف السيولة المحلية والاستثمار الحقيقي.

 

 

اقتصاد يستهلك ولا ينتج

 

ويرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن ارتفاع التمويل الاستهلاكي يعكس أزمة هيكلية، لأن جزءا متزايدا من الأموال يتجه إلى الاستهلاك بدلا من الاستثمار والإنتاج، وهو نمط يضعف قدرة الاقتصاد على بناء قاعدة إنتاجية مستقرة.

 

ووفقا لفؤاد، فإن زيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويل الاستهلاك تكشف ضغطا متزايدا على دخول المواطنين، كما تعني أن جانبا من السيولة المتاحة لا يذهب إلى تأسيس شركات أو توسيع مصانع، بل إلى تغطية احتياجات معيشية متزايدة.

 

وبالموازاة، يفرض ارتفاع الأسعار واقعا يجعل الادخار أكثر صعوبة، فالأسر التي كانت تستطيع تخصيص جزء من دخلها للبنوك أو الاستثمار أصبحت مضطرة إلى توجيه معظم مواردها للغذاء والتعليم والصحة والسكن والمواصلات والفواتير.

 

ولذلك، فإن تراجع السيولة ليس رقما مصرفيا معزولا، بل مؤشر يرتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة، لأن انخفاض الأموال القابلة للتوظيف يحد من التمويل المتاح للمشروعات ويؤخر توسعات الشركات والاستثمارات الإنتاجية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن استمرار الاعتماد على الاقتراض وبيع الأصول لتوفير موارد دولارية يترك الاقتصاد معرضا لتجدد الضغوط، لأن معالجة فجوة التمويل تحتاج إلى صادرات واستثمارات مباشرة ومدخرات محلية قوية لا مصادر مؤقتة.

 

وفي المحصلة، تكشف بيانات يونيو أن الاقتصاد المصري يواجه معادلة صعبة بين ضعف الادخار وتراجع السيولة واحتياجات استثمار مرتفعة، بينما يبقى المواطن أول من يشعر بالنتيجة عبر فرص عمل أقل وتكاليف تمويل أعلى ونمو أبطأ.

 

وأخيرا، فإن تراجع السيولة 68.9 مليار جنيه لا يمثل مجرد حركة شهرية في جداول البنك المركزي، بل جرس إنذار بشأن قدرة الاقتصاد على تحويل أموال المواطنين إلى استثمار وإنتاج، بدلا من استنزافها في الاستهلاك والديون.