أعلنت الشركة القابضة لكهرباء مصر في القاهرة اعتماد موازنة العام المالي 2026 و2027 باستثمارات تبلغ 23.103 مليار جنيه تستهدف رفع الطاقة المولدة إلى 263 مليار كيلووات ساعة وزيادة قدرة الشبكة على استيعاب الأحمال المرتفعة مع استمرار التوسع في تركيب العدادات مسبقة الدفع وتحسين كفاءة التشغيل وجودة التغذية.
ويأتي اعتماد الموازنة بينما تتحمل الأسر زيادات متتالية في تكلفة الكهرباء والسلع والخدمات المرتبطة بالطاقة وهو ما يجعل إعلان استثمارات جديدة اختبارا مباشرا لقدرة الحكومة على تحويل الإنفاق إلى خدمة مستقرة دون تحميل المواطنين جولة إضافية من الأسعار أو استخدام نقص الوقود مبررا لعودة الانقطاعات خلال فترات الذروة.
استثمارات تتوسع والأحمال ترتفع بينما تبقى فجوة التكلفة مفتوحة
وبداية تستهدف القابضة رفع الطاقة الكهربائية المولدة خلال العام المالي الحالي إلى 263 مليار كيلووات ساعة بزيادة 4.8% مقارنة بالعام المالي المنتهي في يونيو الماضي بما يعني أن الشركات التابعة مطالبة بتوسيع الإنتاج بالتوازي مع أعمال الصيانة وتدعيم الشبكات في وقت تتزايد فيه كلفة التشغيل والتمويل والوقود.
وفي المقابل تتوقع الشركة وصول أقصى حمل على الشبكة القومية إلى 41,581 ميجاوات في السيناريو المتوسط بنمو سنوي 4.5% بينما يرتفع التقدير إلى 42,300 ميجاوات في السيناريو المرتفع بنمو 6.3% وهو ما يرفع سقف المسؤولية الحكومية عن ضمان جاهزية المحطات وخطوط النقل قبل ذروة الصيف المقبلة.
وبحسب الموازنة تستهدف الشركة زيادة عدد المشتركين إلى 47.14 مليون مشترك بنهاية العام المالي بمعدل نمو 3.3% مع استمرار التوسع في خدمات الكهرباء وتحسين جودة التغذية وهو توسع يضيف طلبا جديدا على شبكة تعترف الحكومة نفسها بأنها تحتاج إلى تطوير وتقوية مستمرين لملاحقة نمو الاستهلاك والأحمال.
وعلى هذا الأساس قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد في يوليو 2026 إن قطاع الكهرباء يعاني فجوة بين تكلفة الوقود وتكلفة الإنتاج تقدر بنحو 300 مليار جنيه سنويا وإن تحريك الأسعار قرار سياسي بالأساس بما يضع استثمارات 23.1 مليار جنيه أمام سؤال واضح يتعلق بمن سيتحمل الفجوة المتبقية في النهاية.
لذلك لا يكفي ارتفاع رقم الاستثمارات وحده لإثبات تحسن الخدمة لأن المعيار المباشر أمام المشتركين يظل قدرة المنظومة على منع الانقطاع وتوفير الكهرباء خلال ساعات الذروة دون زيادة أعباء الفواتير بينما تكشف أرقام الأحمال نفسها أن الطلب يتقدم سنويا بمعدلات تستلزم تمويلا وصيانة ووقودا متاحا بصورة مستقرة.
التوسع إلى 2.5 مليون عداد جديد يرفع التحصيل بينما تتزايد كلفة الكهرباء
ومن جهة أخرى تستهدف الموازنة تركيب نحو 2.5 مليون عداد كهرباء مسبق الدفع خلال العام المالي الجاري بعد وصول عدد العدادات المركبة إلى نحو 22.9 مليون عداد حتى نهاية يونيو 2026 بما يوسع نموذج الدفع المسبق الذي ينقل عملية السداد إلى المشترك قبل الاستهلاك ويقلص الاعتماد على دورات القراءة والتحصيل التقليدية.
وفي السياق نفسه تربط القابضة هذا التوسع بتحسين الخدمات وتطوير منظومة التشغيل إلا أن انتشار العدادات مسبقة الدفع لا يجيب وحده عن مسألة القدرة على تحمل التكلفة خصوصا مع توسع عدد المشتركين وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد أثر الكهرباء على ميزانيات الأسر وعلى أسعار السلع والخدمات التي تستخدم الطاقة في الإنتاج والنقل.
وبالتوازي قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق في فبراير 2026 إن زيادة أسعار الطاقة والكهرباء وتكاليف التمويل والشحن والخدمات تبقى من العوامل التي تمنع انخفاض أسعار السلع حتى مع تحسن سعر الصرف وهو ما يربط سياسة تسعير الكهرباء مباشرة بمستوى المعيشة ولا يحصر أثرها داخل فاتورة المنزل وحدها.
وفوق ذلك يضع التوسع في العدادات الحكومة أمام مسؤولية أكبر عن وضوح قواعد المحاسبة وسهولة الشحن وسرعة معالجة الأعطال لأن عدد المشتركين المستهدف يتجاوز 47 مليون مشترك ولأن أي خلل في نظام الدفع أو الخدمة يمس احتياجا يوميا لا يستطيع المواطن تأجيله أو الاستغناء عنه أثناء موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة.
ولهذا تبدو خطة العدادات جزءا من إعادة تنظيم التحصيل أكثر من كونها ضمانا منفردا لتحسن الخدمة لأن جودة الكهرباء تعتمد كذلك على الإنتاج والنقل والتوزيع والوقود والصيانة بينما يظل المواطن مطالبا بالدفع مقدما في نظام تتزايد فيه كلفة الطاقة وتبقى الحكومة صاحبة القرار الأساسي في التسعير وقواعد الشرائح والمحاسبة.
الوقود والصيانة في قلب الخطة وتحذيرات من استمرار التبعية
أما على مستوى التشغيل فقد أكد جابر دسوقي استمرار التنسيق مع قطاع البترول لتأمين احتياجات محطات الكهرباء من الوقود بالتوازي مع تنفيذ برامج الصيانة والعمرات الدورية للمحطات لضمان جاهزيتها واستمرار التغذية دون انقطاع واستكمال مشروعات تدعيم وتطوير الشبكة القومية حتى تتمكن من استيعاب الأحمال المتوقعة خلال العام المالي الحالي.
وفي الوقت ذاته شدد وزير الكهرباء محمود عصمت خلال اجتماع اعتماد الموازنة على أن تطوير وتقوية الشبكة القومية أصبح عملية مستمرة لمواكبة زيادة الطلب والاستفادة من الدروس التي كشفتها فترات الذروة في الصيف الماضي مع توجيه الشركات للحفاظ على استقرار الإمدادات ورفع كفاءة التشغيل ومتابعة الصيانة بصورة منتظمة.
وبعيدا عن الخطاب الرسمي حذر خبير الطاقة وأستاذ العلاقات الدولية خالد فؤاد في ديسمبر 2025 من أن توسيع الاعتماد على الغاز الإسرائيلي يربط أمن الطاقة المصري بأمن الطاقة الإسرائيلي وهو تحذير يكتسب وزنا إضافيا كلما ربطت الحكومة استقرار الكهرباء بتوافر الوقود دون تحقيق اكتفاء محلي يحمي المحطات من اضطراب الإمدادات الخارجية.
ومن ثم تكشف الموازنة أن الحكومة تخطط لتوسيع الشبكة ورفع الإنتاج واستيعاب مزيد من المشتركين لكنها تظل مطالبة بإثبات أن 23.103 مليار جنيه ستنعكس على استقرار الخدمة فعليا وأن زيادة العدادات لن تتحول إلى مجرد توسيع للتحصيل وأن ملف الوقود لن يبقى نقطة ضعف تسمح بعودة الانقطاعات أو بتمرير زيادات جديدة.
وأخيرا تضع أرقام 263 مليار كيلووات ساعة و42,300 ميجاوات و2.5 مليون عداد جديد الحكومة أمام التزام قابل للقياس خلال العام المالي 2026 و2027 لأن المصريين لا يحتاجون إلى موازنة أكبر على الورق بقدر حاجتهم إلى كهرباء مستقرة وفاتورة محتملة التكلفة وشبكة لا تعيد إنتاج أزمات الصيف كلما ارتفع الاستهلاك.

